المنبر الحر | الرسائل التي لم تلتقط قبل أحداث العنف الأخيرة

بقلم : عثمان محمود
لم يكن مستغربا أن تشهد بعض مدن بلدنا العزيز، مثل ذلك العنف الذي استهدف بعض الممتلكات العامة والخاصة؛ إذ لاحت منذ مدة غير قصيرة ملامح ومؤشرات ملموسة، بدت شاخصة للعيان، وتدعو إلى الانتباه إليها والإسراع إلى الوقوف عندها مليا، ومعالجة مسبباتها العلاج الآني العميق والبعيد المدى.. ألم يعد العنف الممارس داخل المؤسسات التعليمية، في السنوات الدراسية الأخيرة، حاضرا بشكل شبه ثابت، بحيث لا يكاد يمر أسبوع بعينه دون سماع أخبار عن ذلك العنف المقيت بين التلاميذ فيما بينهم، أو في حق المدرسين، في أحداث خطيرة أخذ بعضها شكلا مأساويا لا يليق البتة بالمجال التربوي؟ ألم يجد ذاك العنف البغيض له مكانا مريحا على مدرجات ملاعب كرة القدم، وخرج منها إلى الشارع، بل أحيانا على طول الطريق الرابط بين المدينة التي أتى منها أولئك المشاغبون، والوقائع تثبت ذلك، والأصابع تشير، للأسف البالغ، إلى مشجعي فرق عريقة، وقد كان ضحية هذا الشغب في بعض الأحيان البشر والشجر والحجر كما يقال، حتى بلغ الأمر إلى إغلاق أبواب الملاعب أمام الجمهور تارة، ومنع جمهور الفريق الضيف من أن يمني النفس بالتنقل رفقته إلى حيث سيواجه خصمه؟ ألم تتابع شبكات التواصل الاجتماعي في بث حي على مدار أيام، اعتلاء أحدهم سطح صهريج الماء الصالح للشرب في إحدى مدن إقليم بني ملال، فحرم الساكنة من هذه المادة الحيوية طيلة تلك الأيام، وجابه كل حوار معه بتحد سافر، وعنف غادر، كان آخر فصوله الضربات المتتالية بالعصا التي تلقاها أحد عناصر الوقاية المدنية، والنهاية البئيسة يعرفها الجميع؟ هي إذن رسائل ولا شك، كان من الأولى التقاطها، وفحصها وقراءتها بدقة حتى لا تبلغ الأمور إلى ما بلغت إليه هناك في شوارع وأحياء بعض المدن والقرى، وما أعقبها من خسائر مادية وإصابات في صفوف حماة الأمن، وبعض المشاغبين وهلاك آخرين..
أعتقد أنه آن الأوان لضبط زمام التسيب داخل المؤسسات التعلمية بتفعيل القوانين الداخلية بشكل صارم وحازم يضع حدا للانفلات والفوضى داخل المؤسسة التعليمية، حتى يسود الانضباط والاحترام المتبادل الذي يوفر الأجواء المناسبة للتربية والتعليم بعيدا عن المشاحنات، والانشغال عن الدرس والتحصيل بلا رادع، بدعوى الحرص على متابعة التلميذ لمسيرته الدراسية، والحد ما أمكن من الهدر المدرسي، وهل هناك أكبر من الهدر الذي يجسده هذا الصنف من التلاميذ في شكل شغب جامح وعنف خطير يقلق راحة المدرس والمدرسة، والراغب في التعلم والتكوين من التلاميذ، أما عن فوضى المدرجات داخل الملاعب فقد آن الأوان أيضا لإحداث بطاقات خاصة بالانخراط في تشجيع الفريق المحبوب، على أن تشترط جمعية المشجعين جملة شروط محددة، وعلى رأسها مسألة السن، فلا يعقل أن يسمح بالدخول للمدرجات لأطفال يتحولون في أي لحظة إلى وقود للانفلات الذي يشعل تلك المدرجات، ويعرض التجهيزات للخسارة والضياع، وربما بلغ اللهب إلى ما حول الملعب في أحداث تتكرر كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وهنا أود أن أهمس في أذن من يؤرقهم شغب الملاعب: يا سادة؛ إن دولا معروفة عانت لسنوات من ويلات ومصائب ذاك الشغب، لكنها اليوم تكاد تكون قد تحكمت فيه بشكل تام، وضبطت أمره، فهل من سبيل إلى الاستفادة من طرق علاج هاتيك الآفة هناك، ولو من باب الاستئناس؟ أما عن حادثة الصهريج، ففيها درس بليغ في أمر الانتباه إلى الحماية المثلى للمرافق الحيوية، إن على مستوى السياج والسور المصان بالطريقة الآمنة، أو الحراسة المسؤولة التي لا تدع الأبواب مشرعة أمام أي انتهاك خطير، كما حصل في أكثر من مناسبة.
بقيت كلمة؛ نعم إن كل الدلائل تثبت بالفعل أنه قاصر، لكن هذا لا ينبغي أن يدلى به عندما يفعل الأفاعيل أثناء اشتعال نار الشغب والعنف، بل الواجب كل الواجب هو السعي الحثيث إلى الأخذ بيده تربية وتعليما وتوعية وتوجيها وعناية، حتى يجتاز مرحلة القصور تلك إلى النضج المسؤول الذي يكسبه معرفة الحق والواجب سواء بسواء.



