ربورتاج | المختلون عقليا.. خطر يهدد سلامة المواطنين في الشارع العام
آفة اجتماعية خارج اهتمام الحكومة

من أخطر الظواهر التي يعيشها المجتمع المغربي على مستوى المدن الانتشار المهول للمختلين عقليا والمشردين الذي يشكلون تهديدا حقيقيا للمارة والسكان بسبب سلوكياتهم والعنف الصادر منهم، بالإضافة إلى تأثيرهم على الصورة العامة أمام الزوار والسياح، ما يؤكد فشل المقاربات المعتمدة من قبل السلطات والجهات المسؤولة عن استمرار هذه الظاهرة وسط المجتمع في غياب مقاربة اجتماعية وإنسانية ناجعة للتعامل معها.
إعداد: خالد الغازي
اليوم، يرفض سكان المدن عمليات ترحيل وتنقيل المختلين عقليا، عبر الحافلات أو سيارات المساعدة الاجتماعية، نحو المدن المحيطة أو البعيدة، مثل ما يحصل في جهة الرباط والدار البيضاء ومراكش.. حيث تقوم السلطات بنقل عشرات المختلين عقليا نحو المدن الصغيرة لتخفيض أعدادهم من المدن السياحية والاقتصادية والتخلص منهم بطريقة قديمة عوض نقلهم إلى المراكز الاجتماعية أو دور الرعاية؛ فهذه الشريحة من المجتمع تعاني من التهميش والإقصاء من قبل السلطات والدولة والمجتمع المدني، حيث لا توجد أي مقاربة أو دراسة لأجل التعامل معهم بمقاربة إنسانية واجتماعية، وتمكينهم من الحق في العلاج والمواكبة الصحية والإيواء والتغذية، حيث يعاني المختلون عقليا والمرضى النفسانيون من ظلم الأسرة والمجتمع والوزارة الوصية على قطاع التضامن والإدماج الاجتماعي.

في هذا السياق، يرى المحلل الاجتماعي علي الشعباني، أن مشكل المختلين عقليا والمشردين في الشوارع، عويص جدا، والملاحظ أن هؤلاء الناس لا يلقون اهتماما من طرف المسؤولين ولا من طرف الباحثين والمجتمع المدني، بل نجد العديد من الأسر عندما يتعبها الاهتمام بأبنائهم المختلين تتركهم في الشارع، وهو ما يعمق مأساتهم، مضيفا أن الدولة لا توفر البنيات التحتية اللازمة مثل مستشفيات الأمراض العقلية بشكل كاف، وحتى أطباء الاختصاص هناك نقص كبير، وهناك عزوف كبير عن دراسة طب الأمراض العقلية والنفسية، ونفس الشيء بالنسبة للمرضين والمؤسسات الاستشفائية..
وأوضح نفس المتحدث، أنه في غياب الرعاية الصحية والطبية، كانت الأسر المغربية تذهب بالمرضى عقليا إلى الأضرحة والأولياء، والتي يتوسمون فيها العلاج مثل “بويا عمر”، الذي تم إغلاقه من طرف وزارة الصحة دون أن تضمن مستشفيات للعلاج، وبعد ذلك تفاقمت ظاهرة المختلين عقليا في العديد من المدن، إلى جانب مقاربة السلطات أيضا والتي تتم وفق “تدوير” هؤلاء المرضى بنقلهم من مدينة إلى أخرى بدون أن تضمن لهم العلاج والرعاية اللازمة، فلا الأسر استطاعت أن تحتضن أبناءها الفاقدين للأهلية العقلية، ولا الدولة قامت باحتواء الظاهرة من خلال تهييئ البنيات الأساسية لذلك وتكوين المتخصصين في معالجة مثل هذه الأمراض.
وبالنسبة لمشاركة المجتمع المدني في احتواء الظاهرة، كشف الشعباني أن المسألة تبتدئ من نفور الإنسان السوي من المختل عقليا كيفما كان، من هنا جاء تقصير أو عدم اهتمام المجتمع المدني بهذه الفئة من المواطنين، خاصة وأن هناك بعض الحالات تتميز بالعنف وتخيف الشخص العادي فلا يستطيع الاقتراب منهم، لذلك يبدو أن آخر هم لدى الكثير من الجمعيات والمؤسسات التربوية هو الاهتمام بالمختلين، مشيرا إلى أن الجمعيات المدنية تهتم بمسائل أخرى يكون فيها مردود مادي أو اجتماعي وسياسي، وبذلك يتخلى الجميع عنهم.
واعتبر المتحدث ذاته، أن الحل يكمن في الانتباه إلى هذه الظاهرة والخطورة التي تأتي من المختلين الذين يغزون الشوارع، لذلك يجب علينا التوقف عند هذه المشكلة والعمل على تحديدها جغرافيا والأماكن التي تكثر فيها هذه الفئة التي تصاب بالاختلالات العقلية والسلوكية، ثم الانتقال إلى العوامل والأسباب التي تؤدي إلى هذه الأمراض، سواء كانت ناتجة عن تعاطي المخدرات أو المشاكل الاجتماعية والضغوطات النفسية، عبر مراكز البحث ودراسة الظواهر وتأثيرها على المجتمع سياحيا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيا، لعلاجها اجتماعيا وطبيا.

من جانبه، يقول توفيق مساعف، حقوقي وباحث في علم النفس الاجتماعي، أنه لا توجد سياسة عمومية مهتمة بهذه الفئة بسبب غياب دراسة عددهم، لذلك نجدهم في الطرقات في حالة الهذيان عراة في غالب الأحيان، أطفال ونساء وشيوخ، وللأسف مؤسسات التعاون ووزارات الداخلية والصحة والأسرة، لا تضع في جدول أعمالها هذه الظاهرة لمحاصرتها ومعالجتها، ويعتمدون فقط على الحملات الموسمية، مشيرا إلى أن السلطة تقوم بأخذهم بالقوة وتنقلهم إلى أماكن بعيدة أو مدينة أخرى أو من حي إلى آخر، أو إلى أماكن إيواء المشردين، في غياب العناية اللازمة بهم وقلة الأسرة ومراكز الإيواء، لذلك يتضاعف عددهم ونجدهم في الأزقة والشوارع وأمام العمارات والمساجد، ويمكن أن يؤذوا أنفسهم أو يعتدون على الناس.
وأوضح المتحدث ذاته، أن من بين أسباب ظهور المختلين في الشوارع، وضعية العائلة، التي لا تسمح بعلاج مريضها، حيث يكون معرضا للسخرية والاستفزاز والإهمال، وفي أغلب الأحيان يتم احتجازهم في أماكن غير مناسبة مظلمة أو مغلقة، لأن الأقرباء يعتبرونه غير سوي ولا يمكن التعايش معه، وربما يعطي صورة سيئة عن العائلة، فهؤلاء الأشخاص يتألمون في صمت، ويعيشون في عالم غير واقعي وغرباء عن الناس لا يجدون من يعتني بهم، يعيشون التهميش وحالتهم الصحية متدهورة من ناحية التغذية والنظافة، يتعرضون لمعاملة قاسية أو السخرية لذلك يضطرون للجوء إلى الشارع، وقال: “هذه الفئة من المجتمع مهمشة جدا، والمطلوب من الدولة ومن الجمعيات ذات الصلة بهذا المجال، القيام بدراسة ميدانية وعلمية من أجل إحصاء الحالات وتصنيفها، ومعرفة أسباب الاضطرابات ومعالجتها والوقاية منها، ثم يجب توفير التغطية الصحية للعلاج المجاني للمختلين عقليا باعتبارهم فئة هشة محتاجة، لا يمكن طلب مصاريف العلاج منها، كما يجب إنشاء مؤسسات للإيواء في جميع المدن، مع تخصيص أطقم صحية كافية من أجل استقبالهم ومرافقتهم وعلاجهم، ولا بد من تشجيع البحث العلمي في مجال علم النفس لأننا لا نتوفر على أي مركز بحث واحد في الجامعات.
وتابع توفيق مساعف بأن تقليص الظاهرة والإحاطة بها يتطلب تكاثف الجهود بين الدولة والمجتمع المدني، من أجل توفير الوسائل البشرية والمادية من أجل العناية بهذه الفئة المحرومة والمنسية، والتي تعيش الآلام في صمت ليل نهار، ولا تجد قلبا رحيما ولا يدا سخية بيضاء لتقدم لها يد المساعدة وتخفف عنها آلامها، وتفتح لها باب الاندماج داخل المجتمع.
وسبق أن وجهت الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة، تحذيرا للحكومة، بشأن تفاقم ظاهرة تشرد المرضى النفسيين في المدن، وما يرافقها من اعتداءات، حيث تم تسجيل 425 حالة اعتداء خلال عام 2024 وحده، مما يحول القضية من مجرد تحد صحي واجتماعي إلى تهديد صريح للمواطنين والزوار، معتبرة أن تفاقم الظاهرة يعود لعدة أسباب متداخلة، منها ضعف السياسات العمومية التي تهمش المصابين وتتركهم عرضة للتشرد والعنف، بالإضافة إلى نقص حاد في الموارد البشرية، حيث لا يتجاوز عدد الأطباء النفسيين 700 طبيب وعدد الممرضين 1700 فقط، في ظل ميزانية هزيلة مخصصة للوقاية والعلاج.
وكشفت الشبكة قصور البنية التحتية، حيث تتركز المستشفيات والمراكز النفسية في عدد محدود من المدن، مما يؤدي إلى اكتظاظ وفوضى في الأقسام الطبية. هذا بالإضافة إلى عوامل اجتماعية واقتصادية مثل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وانتشار المخدرات، مضيفة أن الأزمة تتفاقم بسبب عوامل مادية وتشريعية، مشيرة إلى غلاء الأدوية وندرتها في المستشفيات والصيدليات، وارتفاع تكاليف العلاج في المراكز الخاصة، مما يجعل العلاج بعيدا عن متناول الكثيرين.
وطالبت الشبكة الحكومة بتدخل فوري عبر تعزيز الاستثمار في قطاع الصحة النفسية، ورفع الميزانية، وتوظيف المزيد من الأطباء والممرضين مع تحفيزهم ماديا، كما تدعو إلى إنشاء مراكز جهوية متخصصة لإيواء المرضى المشردين وإدماجهم، ومراجعة القوانين لتضمن كرامة المرضى، وتفعيل المخطط الاستراتيجي الوطني للصحة العقلية 2030.
فقد كشف تقرير لمندوبية الصحة بالدار البيضاء عن أرقام مقلقة وخطيرة حول ظاهرة المختلين والمشردين، حيث رصدت حوالي 3 آلاف مختل عقليا يجوبون شوارع العاصمة الاقتصادية بكل حرية، ويعيشون فيها ليلا ونهارا، مما يعتبر مساسا بالأمن والاستقرار الاجتماعي للمواطنين، مبرزة أن عدد الذين يعانون من الأمراض العقلية في هذه المدينة يبلغ حوالي 21 ألف مختل عقليا، من بينهم حوالي ثلاثة آلاف يتجولون في أزقة وشوارع المدينة دون أن يحظوا بمتابعة صحية في مراكز العلاج المتخصصة للأمراض العقلية.
وقد سبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أن سجل في دراسته حول موضوع الصحة العقلية على المستوى الوطني، خصاصا كبيرا في عدد الموارد البشرية (454 طبيبا نفسانيا) و740 ممرضا اختصاصيا، و2431 سريرا، وهو ما يؤشر على ضعف استثمار الدولة في منظومة الرعاية النفسية، علاوة على النقص الحاد في الموارد البشرية المتخصصة والمؤهلة في العديد من المدن، حيث أن 54 % من هؤلاء الأطباء والممرضين يتمركزون في محور الدار البيضاء والرباط وطنجة.
ووفق نفس الدراسة، فإن الإشكالية التي تزيد من الظاهرة، الصعوبات المرتبطة بالإيداع القضائي للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عقلية داخل مؤسسات العلاج، إما لأسباب وقائية أو جنائية، لا سيما أمام الخصاص الموجود في الطاقة السريرية وبنيات الطب العقلي والنفسي، الأمر الذي يتطلب بلورة سياسات وبرامج عمومية منسقة لتعزيز الصحة العقلية والوقاية من الاضطرابات العقلية والمخاطر النفسية-الاجتماعية، وتحسين إمكانية الولوج لرعاية نفسية وعقلية مستجيبة للاحتياجات الخاصة للمرضى، لا سيما تلك المتعلقة بالسن والحالة الاجتماعية والاقتصادية ووسط العيش وأشكال الهشاشة التي يعانون منها.
وحسب مختصين، فإن وجود أكثر من ثلاثة آلاف مختل عقليا في الدار البيضاء وحدها، دون احتساب المئات منهم في بقية المدن الأخرى كالرباط وفاس وأكادير ومراكش.. يشكل قنبلة موقوتة تتطلب مساءلة الجهات الحكومية والقطاعات الوصية، وأسباب فشل النظام الصحي في احتضان هاته الفئة من الناس، في ظل وجود 27 مؤسسة عمومية فقط لمعالجة الأمراض العقلية على الصعيد الوطني، وقلة الأطر الطبية المتخصصة يعد أمرا صادما لا يتماشى مع مغرب المونديال والتنمية البشرية والدولة الاجتماعية.



