تحقيقات أسبوعية

للنقاش | احتجاجات الشباب تعري فشل البرامج الاجتماعية

عرت الاحتجاجات الشبابية واقع تعامل الحكومة مع المواطنين وقضاياهم الملحة، وأبانت عن ثغرة كبيرة في التواصل مع المغاربة من أجل الوقوف على مكامن الضرر أو الخصاص الذي تعرفه القطاعات التي تهمهم بشكل أساسي، وهو ما أجج غضب الشارع المغربي وأخرج الآلاف إلى التظاهر احتجاجا على تدهور الأوضاع وعدم استطاعة أو عدم رغبة الحكومة في معالجة الاختلالات العميقة التي تضرب في الصميم المجالات الحيوية.. وهو ما عمق الفجوة بين المواطنين والحكومة، وجميع المنتخبين.

بقلم: جميلة حلبي

في الوقت بدل الضائع من عمر الحكومة، وبينما كانت الأحزاب تجري التسخينات من أجل حسم نتيجة التباري لصالحها في “حكومة المونديال”، وقع ما لم يكن في حسبان، لا أحزاب الأغلبية ولا المعارضة ولا أي أحزاب أخرى، عندما سجل الشباب هدف الحسم لصالح الشعب في مباراة كسر العظام، حيث كشفت احتجاجات حركة الشباب هشاشة التعاطي مع مطالب الشعب منذ تنصيب حكومة رجال الأعمال، التي ومنذ سنة 2021، تاريخ الاستحقاقات الانتخابية السابقة، والأوضاع المعيشية للمواطنين في تراجع خطير، بفعل سياسة الحكومة في تقوية القطاع الخاص على حساب القطاع العام، وهو ما عمق الفوارق المجتمعية بين المواطنين من جهة، وبين الحواضر والبوادي من جهة أخرى، مما يؤكد غياب العدالة المجالية وضبابية شعار الدولة الاجتماعية، الشعار الذي لطالما تغنت به الحكومة الحالية ووزراؤها في التعاطي مع القضايا المجتمعية.

ورغم أن الحكومة الحالية جاءت بعد الحكومة التي قادت المغرب بعد أحداث “الربيع العربي” واحتجاجات حركة “20 فبراير” التي خرجت بمطالب التغيير في السلطة وتحسين وضعية المواطنين الاجتماعية من خلال الرفع من الأجور وخفض الأسعار.. إلا أنها لم تكن في الموعد أمام الملايين من المغاربة الذين يشكلون قاعدة الهرم السكاني، فهذه الحكومة بسياستها الرأسمالية أحدثت فوارق طبقية أكثر مما كانت، حيث اتسعت دائرة الثراء والثراء الفاحش رأسا بينما اندحر المنحى السلبي بسرعة قصوى محدثة بذلك فجوة عميقة في مستوى عيش السكان، وبسياسة حكومة رجال الأعمال تلاشت الطبقة الوسطى وأصبحت لدينا طبقة فقيرة وطبقة هشة والفئة الأكثر هشاشة، وذلك بفعل تعميق الفوارق نتيجة استمرار ارتفاع الأسعار منذ سنة 2021 وإلى اليوم، في كل المواد الاستهلاكية الأساسية، وفي الغازوال، رغم أنه المحرك الأساسي لكل القطاعات، وقد ساهمت الزيادات غير المبررة في تأجيج غضب المغاربة مقابل عدم التعاطي بالشكل الإيجابي مع مطالب الفئات المتضررة، وعدم الالتزام بمخرجات الحوارات القطاعية، خاصة في التعليم والصحة، وهو ما ساهم في احتجاجات الأساتذة واحتجاجات واعتصامات طلبة الطب، ورغم تغيير الوزراء، إلا أن ذلك لم يحل الأزمة، وإنما استمرت الأوضاع في التراجع مقابل مضي الحكومة في تطبيق برامجها الفاشلة، لكن خروج شباب “جيل زد” إلى الاحتجاج بصيغة تختلف عن الاحتجاجات السابقة رغم القاسم المشترك لهذه الاحتجاجات ذات الطابع الاجتماعي المحض، هو ما أربك الحكومة.. فقد بدا جليا التحول الواضح في خطاب قيادات أحزاب الأغلبية الحكومية، والتي تحولت إلى ما يشبه المعارضة الداخلية، خاصة تلك الصادرة عن قيادات حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال، حيث أقرت هذه القيادات بالتقصير في التواصل مع المواطنين، وهو ما يطرح تساؤلا جوهريا حول دلالة هذا التحول في المواقف.

تتمة المقال تحت الإعلان

وحسب العديد من المحللين، فإن هذا التحول ينم عن استراتيجية استباقية في طريق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، حيث يسعى كل مكون من مكونات الأغلبية إلى تلميع صورته وتحسين موقعه لدى الرأي العام، عبر تحميل المسؤولية للمكونات الحكومية الأخرى أملا في استعادة الثقة المفقودة، وهو ما يكشف عن هشاشة التماسك الحكومي في مواجهة الأزمات التي بدأت بوادرها مع ملفات أثارت جدلا واسعا في المجتمع، كملف ضحايا زلزال الحوز، وملف “الفراقشية”، إضافة إلى ملف الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، والذي فجر الأزمة التي لم تجد لها الحكومة مخرجا إلى اليوم، وملف طلبة الطب، وكذا الخصاص المهول في المستشفيات العمومية بربوع المغرب.. كلها عوامل أضيفت إليها قضية المفسدين من المنتخبين في مختلف المجالس الجماعية، حضرية وقروية، والتي زالت ملفاتها بين أيدي القضاء..

تتمة المقال تحت الإعلان

ورغم كل مظاهر الفساد التي طبعت مرحلة حكومة رجال المال والأعمال قبل انتهاء مهامها بسنة واحدة، إلا أنها بقيت ماضية في سياستها متجاهلة مطالب الشعب، وقد تراوحت تصريحاتها بين التبرير والتهديد المبطن، لأن الاحتجاجات نسفت السباق الذي خاضته الأحزاب وقياداتها من أجل تلميع صورتها قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، فعلى سبيل المثال اعتبرت فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والسكنى، أن “خروج الشباب إلى الشارع تعبير مشروع عن الغضب”، مقرة بـ”وجود تقصير واضح من قبل عدد من المسؤولين في التواصل مع المواطنين”، لكنها بالمقابل قالت أنه “لا يجب إنكار أن المغرب قطع أشواطا لا يمكن إنكارها، وأن من يتجاهل المنجزات سيء النية”، بينما اعترف زميلها في الحزب والحكومة، المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، بأن “الحكومة لم تنجح بعد في بناء قنوات فعالة للتواصل مع المواطنين”، مقرا بأن هذا القصور قائم منذ سنة 2022، وبأن المشكل ليس في من يتصل بالآخر، بل في كيفية الإصغاء بصدق”، بينما اعترف الوزير نزار البركة بوجود اختلالات في الأداء الحكومي، خاصة في مجالي الصحة والتعليم، قائلا أن تطلعات الشباب مشروعة، لكن تجاوز الأزمة يتطلب تعزيز التأطير السياسي والانخراط المؤسساتي، لا الهروب إلى خيارات غير ديمقراطية، جوابا عن المطالب الداعية إلى تعيين حكومة تكنوقراط، وأكد البركة على ضرورة فتح حوار مباشر مع شباب “جيل زد”، واقترح إحداث أكاديمية وطنية رقمية لتكوين الشباب ومقترح قانون لتحفيز العمل التطوعي، وشدد على أن “الأحزاب مطالبة اليوم بإعادة بناء الجسور مع الشباب قبل فوات الأوان”، فيما كان رئيس الحكومة عزيز أخنوش كمن ينأى بنفسه عن مسؤولية ما وقع من احتجاجات، وقال أن الحكومة مستعدة للحوار والنقاش من داخل المؤسسات والتجاوب مع المطالب الاجتماعية، وأن “المقاربة المبنية على الحوار هي السبيل الوحيد لمواجهة الإشكالات في المغرب”.

لكن ما يلاحظه الملاحظون، هو فشل أي حوار قطاعي، ولا يتم تطبيق نتائج الاجتماعات بين النقابات الأكثر تمثيلية للمواطنين وبين الوزارات المعنية، ولا يتم الاستجابة لمطالب الشغيلة، وهو ما يكرس الهوة العميقة بين المنتخبين والمواطنين، مما فاقم بالتالي من المشاكل والاختلالات التي تعرفها مختلف القطاعات، والتي تمس أو تهم المواطنين في معيشهم اليومي، لذلك جاء الخطاب الملكي في افتتاح الدورة الخريفية، يوم 10 أكتوبر، ليضع الأصبع على الداء، حيث كان الملك محمد السادس بمثابة الحكم بين المواطنين والمنتخبين، سواء في الحكومة أو البرلمان، أو مجالس الجماعات والجهات والأقاليم، حيث حمل الملك المسؤولية للجميع كل من موقعه، عندما قال: ((ولأنها السنة الأخيرة بالنسبة لأعضاء مجلس النواب، ندعوكم لتكريسها للعمل بروح الجدية والمسؤولية، لاستكمال المخططات التشريعية وتنفيذ البرامج والمشاريع المفتوحة، والتحلي باليقظة والالتزام في الدفاع عن قضايا المواطنين، كما لا ينبغي أن يكون هناك تناقض أو تنافس بين المشاريع الوطنية الكبرى والبرامج الاجتماعية ما دام الهدف هو تنمية البلاد، وتحسين ظروف عيش المواطنين أينما كانوا.

وفي نفس السياق، ينبغي إعطاء عناية خاصة لتأطير المواطنين والتعريف بالمبادرات التي تتخذها السلطات العمومية ومختلف القوانين والقرارات، لا سيما تلك التي تهم حقوق وحريات المواطنين بصفة مباشرة، وهذه المسألة ليست مسؤولية الحكومة وحدها، وإنما هي مسؤولية الجميع، وفي مقدمتهم أنتم معشر البرلمانيين، لأنكم تمثلون المواطنين)).

قراءة بسيطة لما وراء هذه السطور، يتبين التقصير في الاهتمام بشؤون واحتياجات المغاربة من طرف المنتخبين في مختلف المواقع، لذلك جاء الخطاب الملكي بمثابة جرس إنذار، أو لنقل “تجبيد الأذن” لكل من يقصر في القيام بمهامه التمثيلية التي أصلا تبوأ المنصب من أجلها ومن أجل خدمة المواطن، كما أن الخطاب حمل بكل دبلوماسية تضميد جراح الفئات المتضررة من الشعب، وبما أنها السنة الأخيرة من عمر الولاية التشريعية، فإن الملك ذكر جميع المنتخبين، على اختلاف مناصبهم، بالقضايا ذات الأولوية بالنسبة للمواطنين، حيث قال: ((لقد دعونا في خطاب العرش الأخير إلى تسريع مسيرة المغرب الصاعد، وإطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية، وهي، كما تعلمون، من القضايا الكبرى التي تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، وبلادنا، والحمد لله، تفتح الباب من خلال الديناميات التي أطلقناها أمام تحقيق عدالة اجتماعية ومجالية أكبر.

كما نعمل على استفادة الجميع من ثمار النمو، ومن تكافؤ الفرص بين أبناء المغرب الموحد في مختلف الحقوق، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وغيرها، لذلك، نعتبر أن مستوى التنمية المحلية هو المرآة التي تعكس بصدق مدى تقدم المغرب الصاعد والمتضامن، الذي نعمل جميعا على ترسيخ مكانته.

فالعدالة الاجتماعية ومحاربة الفوارق المجالية، ليست مجرد شعار فارغ، أو أولوية مرحلية، قد تتراجع أهميتها حسب الظروف، وإنما نعتبرها توجها استراتيجيا يجب على جميع الفاعلين الالتزام به، ورهانا مصيريا ينبغي أن يحكم مختلف السياسات التنموية، لذا، فإن توجه المغرب الصاعد من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، يتطلب اليوم تعبئة جميع طاقاته.

فالتحول الكبير الذي نسعى إلى تحقيقه على مستوى التنمية الترابية، يتطلب تغييرا ملموسا في العقليات، وفي طريقة العمل، وترسيخا حقيقيا لثقافة النتائج، وذلك بناء على معطيات ميدانية دقيقة، وباستعمال التكنولوجيات الرقمية، لذلك، ننتظر وتيرة أسرع، وأثرا أقوى للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية، التي وجهنا الحكومة لإعدادها، وذلك في إطار علاقات رابح-رابح بين المجالات الحضرية والقروية)).

من خلال مضامين الخطاب، يتأكد أن مطالب الشباب، التي حملتها مجموعة “جيل زد”، وغيرهم من المتظاهرين، من أساتذة، وطلبة، ومتقاعدين، وحتى الاحتجاجات التي تقوم بين الفينة والأخرى من طرف أصحاب الأراضي السلالية الذين تهضم حقوقهم.. لا تختلف عن الرؤية الملكية في البرامج الاجتماعية والنموذج التنموي بالدرجة الأساسية، هذه المطالب كانت ولا زالت هي انتظارات المواطنين في مختلف المجالات، والتي لم يستطع المشرفون على القطاعات الاجتماعية تلبيتها، وهو ما ساهم في تراكم الاختلالات خاصة في قطاعي التعليم والصحة، باعتبارهما أكثر قطاعين حيويين بالنسبة للمغاربة، أو بالأحرى الفئات الفقيرة والهشة والأكثر هشاشة، وهي الفئات الأكثر تضررا من موجة الغلاء الفاحش في كل المواد الاستهلاكية الأساسية، ليزيد من تعميق الجراح عدم قدرة غالبية المواطنين على الاستشفاء في المستشفيات العمومية ولا استمرار أولادهم في التعليم العمومي الذي لا يعرف إلا التراجع تلو التراجع بفعل فشل كل المخططات التي ترسمها وزارة التعليم، لتكون النتيجة كل هذا الاحتقان والأزمة التي نعيشها اليوم، لولا نزول القرار الملكي بمثابة وضع الأصبع على الداء وإصلاح ما أفسده المنتخبون(…)، حيث أمر الملك محمد السادس خلال ترأسه للمجلس الوزاري، بتخصيص ميزانية برقم غير مسبوق لإصلاح قطاعي الصحة والتعليم (14 مليار درهم)، في استجابة كبيرة للمطالب المرفوعة في الاحتجاجات، وتهدئة لفورة الشباب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى