متابعات | حتمية خلق المجلس الاستشاري للشباب تصطدم بغياب الإرادة السياسية

يطرح الحراك الشبابي المغربي والنقاش الوطني حول القضايا التي تثير انشغالاته، العديد من التساؤلات حول مؤسسات الوساطة الشبابية والتي من المفروض أن تكون موجودة على أرض الواقع، لكي تكون جسر تواصل بين هذه الفئة والحكومة والبرلمان والأحزاب، من أبرزها المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، الذي نص عليه دستور 2011 لكنه لم ير النور رغم صدور القانون التنظيمي منذ ثماني سنوات، حيث كان من المفترض أن يشكل مؤسسة لاحتضان نبض الشباب المغربي وإدماجه في الحياة السياسية والاجتماعية عوض تركه تحت تأثير المنصات الافتراضية والعالم الرقمي.
إعداد: خالد الغازي
عرف المغرب سابقا بعض التجارب والمؤسسات التي أعطت نوعا من الاهتمام بفئة الشباب وإدماجهم في المجتمع، حيث تم تأسيس المجلس الوطني للشبيبة بظهير صدر بتاريخ 2 غشت 1957، في عهد حكومة مبارك البكاي، بعد الاستقلال، وكانت مهمة المجلس متمثلة في إعطاء رأيه للحكومة في كل ما يخص قضايا الشبيبة، ثم جاء تأسيس المجلس الوطني للشباب والرياضة سنة 1971 وفق ظهير 10 يونيو، كتجربة ثانية في هذا المجال، ثم جاءت تجربة المجلس الوطني للشباب والمستقبل سنة 1990، برئاسة الملك الحسن الثاني.

في هذا السياق، يرى المحلل السياسي والباحث مراد الغالي، أن الوقت قد حان لإخراج المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي لحيز الوجود، لأن الأمر لم يعد يحتمل المزيد من التأخير، بل أصبح ضرورة ملحة واستراتيجية، ولكن السؤال الأعمق هو: هل يمكن لهذا المجلس، إذا رأى النور، أن يلبي فعلا انتظارات الشباب ويكون فضاء حقيقيا للتعبير والترافع؟ فهنا يكمن الرهان الحقيقي، مضيفا أن هذا المجلس ليس مجرد فكرة أو اقتراح، بل هو هيئة دستورية بامتياز، حيث ينص الفصل 33 من دستور 2011 على إحداث مجلس استشاري للشباب والعمل الجمعوي، ويؤكد الفصل 170 على أن قانونه التنظيمي هو الذي سيحدد تركيبته وصلاحياته، فمرور أكثر من عقد على إقرار الدستور وصدور القانون رقم 89.15 المتعلق بالمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي (نذكر هنا أن هناك مقترح قانون يقضي بتغيير القانون رقم 89.15 أمام أنظار البرلمان) دون تفعيل، يمثل فراغا مؤسساتيا وتقصيرا واضحا.
وأوضح نفس المتحدث، أن هذا الفراغ ليس بسبب غياب النص القانوني، بل بسبب عدم تنزيله، هذا الشلل التنفيذي هو في حد ذاته رسالة سلبية للشباب، ويعكس غياب الإرادة السياسية الكافية لتنزيل فصل دستوري حيوي، فاستمرار هذا التأخير يتناقض بشكل صارخ مع دعوة الملك في خطابه الأخير إلى محاربة “كل الممارسات التي تضيع الوقت والجهد والإمكانات”، فهل هناك هدر للوقت أكبر من تعطيل هيئة دستورية لأكثر من عقد من الزمن ؟
وأكد مراد الغالي، أن الخطاب الملكي يضع “العدالة الاجتماعية ومحاربة الفوارق المجالية” كـ”توجه استراتيجي” و”رهان مصيري”، وفي هذا السياق، يبرز الشباب كأكثر الفئات تضررا من هذه الفوارق، سواء في الولوج إلى الشغل، أو التعليم الجيد، أو الخدمات الصحية، وما احتجاجات الشباب اليوم، سواء في الفضاء الرقمي أو الواقعي، إلا صرخة في جوهرها ضد هذا الشعور بالإقصاء وغياب تكافؤ الفرص، فعندما يتحدث الملك عن ضرورة توفير فرص الشغل للشباب كأولوية، فإن المجلس الاستشاري للشباب يصبح الآلية المؤسساتية المثلى لترجمة هذا التوجيه، وبالتالي سيكون هو الفضاء الذي تُرفع فيه مقترحات الشباب من مختلف مناطق المغرب، بما فيها المناطق الأكثر هشاشة، لتتحول من مجرد مطالب إلى توصيات سياسات عمومية، مما يجسد مبدأ “تعبئة جميع الطاقات” الذي شدد عليه الخطاب.
وقال المتحدث ذاته، أن جيل الشباب المغربي الحالي، يختلف جذريا عن الأجيال السابقة، هذا الجيل وُلد في العصر الرقمي وسائطه هي الشبكات الاجتماعية، ولغته هي التعبير المباشر، هو جيل لديه حس نقدي عال وشعور متزايد بالإحباط من القنوات السياسية التقليدية التي يراها بطيئة ومنفصلة عن واقعه، هؤلاء الشباب لا يطرقون الأبواب المغلقة، بل يبنون مساحاتهم الخاصة للتعبير، وبالتالي، فإن تجاهل هذه الطاقة الهائلة أو تركها دون تأطير مؤسساتي، هو أمر محفوف بالمخاطر، من هنا يأتي المجلس الاستشاري كـ”ضرورة مؤسساتية” ملحة لاحتواء هذه الطاقة وتوجيهها نحو حوار بناء.

من جانبه، قال عبد الواحد الزيات، رئيس الشبكة المغربية للتحالف المدني، أن المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي هو مؤسسة دستورية، كان بالإمكان أن تكون لها مجموعة من الأدوار المهمة من أجل رسم السياسة العمومية للشباب، لكن غيابها ترك فراغا كبيرا، وجعل الحكومة تغيب قضايا الشباب في عدة مجالات، وفي عملية إشراك المنظمات المدنية بالرغم من أن هناك مؤسسات دستورية أخرى لعبت أدوارا مختلفة ونبهت إلى إشكالية السياسات المرتبطة بقضايا الشباب، والتي يجب أن تأخذ بعين الاعتبار، وأهملتها الحكومة، من بينها الاستراتيجية الوطنية للشباب، والتشغيل، والتعليم، وأزيد من مليون ونصف من الشباب خارج المدار الدراسي، وغيرها من القضايا، وإحصائيات أخرى مقلقة حول وضعية الشباب.
وأضاف نفس المتحدث، أن شباب “جيل z” يبين اليوم أن هناك قضايا ملحة تزامنا مع وجود فراغ بين الشباب والمؤسسات، في ظل النقاش حول قضايا الشباب في منصات ومواقع التواصل الاجتماعي، هنا تبرز الحاجة إلى المجلس الاستشاري للشباب ومؤسسات أخرى موازية، لأن القضايا تعني جميع المؤسسات، منها المؤسسة الملكية التي ترسم الاستراتيجية العامة للبلاد، والتي تحضر فيها قضايا الشباب في عدة خطب ملكية، أو في إطلاق مجموعة من البرامج ذات البعد الاستراتيجي، منها ما جاء في خطاب العرش حول ضرورة وضع برامج جديدة ذات طبيعية ترابية، إذ بالرغم من إطلاق هذا التصور لإحداث برامج لحد الآن، هناك مؤسسات تستفرد بعملية التخطيط والتنفيذ دون إشراك، مثلا وزارة الداخلية قامت بلقاء مع العمال والولاة لوضع هذه البرامج، لكن لم يكن هناك إشراك للشباب، ولو عبر منصة إلكترونية لاستقبال الأفكار من الشباب أو من نخب أو الكفاءات أو الجالية المغربية بالخارج..
وأكد الزيات أن جميع المؤسسات مطالبة بالاهتمام بقضايا الشباب والاشتغال عليها بروح وطنية عالية، حيث أنه كلما اقتربنا من الشباب نعرف مشاكلهم ومصدرها والحلول المناسبة، كمثال ظاهرة الهدر المدرسي التي تتطلب عملية تتبع وإنقاذ للطفل وهو في طور الدراسة وإعادته، ومعالجة المشكل الاجتماعي لتفادي الوصول إلى مرحلة الخطر، لكن يتم وضع برامج بعد مغادرة آلاف التلاميذ لمقاعد الدراسة وظهور أطفال جانحين، فالمسؤولية مشتركة بين جميع المؤسسات وزارة الشباب والثقافة ودور الشباب والأحزاب، لهذا فالعمل مع الشباب يتطلب إشراك الجميع بشكل متناسق ومنسجم، مع التقائية السياسة العمومية وإشراك المنظمات الشبابية والعمل في مجال التأطير والاستثمار في الشباب لأنه هو مستقبل البلاد.

بدوره، صرح عبد الله البوزيدي، رئيس منتدى الشباب القروي، بأنه لو تم إخراج المجلس الاستشاري للشباب إلى أرض الواقع، لكان من الممكن تفادي الأحداث الأخيرة لشباب “جيل زد”، الذي لو فتحت له أبواب الاستشارة والإشراك والتقييم ومنحت له فرصة مؤسساتية قانونية، لما لجأ للعنف ولا الخروج إلى الشارع ولا التظاهر والاحتجاج، مضيفا أن الدولة بكافة مؤسساتها تتحمل المسؤولية إلى جانب الحكومة والبرلمان، لأنه كان من الممكن تفادي الكثير من المشاكل عبر إنشاء هذا المجلس ومعالجة قضايا الشباب، وتشكيله بطريقة ديمقراطية تحترم العدالة المجالية والاجتماعية، واختيار ممثلي الشباب وفق أسس ديمقراطية نزيهة مع احترام كافة الفئات والمجالات، وإشراك ممثلي المجال القروي والجبلي.
واعتبر البوزيدي أن المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي يشكل مؤسسة للترافع من أجل تقليص الفوارق الاجتماعية، وإخراجه للوجود أصبح ضرورة ملحة لفتح الباب أمام الشباب الذين لهم كفاءات عالية ولهم رأي في مغرب 2025 الذي أصبح مندمجا في عالم الرقمنة والذكاء الاصطناعي، من أجل المشاركة في بناء الوطن، مشيرا إلى أنه سيكون فضاء للنقاش السياسي، وتوسيع المشاركة في التنمية السياسية والثقافية والاجتماعية من بين أهدافه، وتشجيع الشباب للمشاركة في الحياة بشكل عام عن طريق العمل الجمعوي والعمل الانفرادي، وهذا أمر محمود، ويشكل فرصة للشباب للاحتكاك مع الفئة المنتخبة في البرلمان ومع مؤسسات الحكامة، وسيكون له تأثير إيجابي على تصحيح الأفكار والنظرة الخاطئة على العمل السياسي، ويشكل جسرا لتحفيز الشباب على الولوج للعمل السياسي والاجتماعي والثقافي.
وحسب الفصل 170 من الدستور، فإن “المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، هيئة استشارية في ميادين حماية الشباب والنهوض بتطوير الحياة الجمعوية، وهو مكلف بدراسة وتتبع المسائل التي تهم هذه الميادين، وتقديم اقتراحات حول كل موضوع اقتصادي واجتماعي وثقافي يهم مباشرة النهوض بأوضاع الشباب والعمل الجمعوي، وتنمية طاقاتهم الإبداعية، وتحفيزهم على الانخراط في الحياة الوطنية، بروح المواطنة المسؤولة”، حيث حدد الفصل 33 أهدافه في: “توسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد، ومساعدة الشباب على الاندماج في الحياة النشيطة والجمعوية، وتقديم المساعدة لأولئك الذين تعترضهم صعوبة في التكيف المدرسي أو الاجتماعي أو المهني، وتيسير ولوج الشباب للثقافة والعلم والتكنولوجيا، والفن والرياضة والأنشطة الترفيهية، مع توفير الظروف المواتية لتفتق طاقاتهم الخلاقة والإبداعية في كل هذه المجالات”، ويتألف المجلس من 30 عضوا، علاوة على رئيسه، الذي يعين بظهير شريف.
ورغم المصادقة على مشروع القانون رقم 89.15 المتعلق بتأسيس المجلس الاستشاري للشباب بتاريخ 24 يوليوز 2017، في عهد الطالبي العلمي وزير الشباب والرياضة آنذاك، بتأييد 110 نواب، والذي يشكل إطارا قانونيا متكاملا لتقديم الاستشارة قصد بلورة السياسات العمومية المتعلقة بقضايا الشباب والعمل الجمعوي، ويمنح للمجلس الحق في إبداء رأيه في كل القضايا التي تحال عليه، والمساهمة في إعداد مشاريع الاستراتيجيات التي تعدها الحكومة في مجال الشباب والعمل الجمعوي، وإنجاز الدراسات والأبحاث وإصدار التوصيات إلى الجهات المختصة من أجل النهوض بأوضاع الشباب وتطوير العمل الجمعوي، إلا أنه لم يتم تنزيل هذا القانون على أرض الواقع للشروع في ميلاد المجلس وانتخاب وتعيين أعضائه.
ويرى بعض الباحثين أن إحداث المجلس الاستشاري للشباب يعد وسيلة لامتصاص غضب المجتمع المدني وشباب الاحتجاجات، وإعادة تعزيز مكانة وتمثيلية الشباب والجمعيات وموقعها في النسيج المجتمعي، بعدما أسند له القانون رقم 89.15 العديد من الوظائف والأدوار التي من شأنها إبداء الرأي للحكومة والبرلمان في جميع القضايا ومشاريع النصوص التشريعية والتنظيمية والبرامج المتعلقة بالشباب، لكن الإشكال يكمن في أن القانون بصيغته الحالية، قد يحول دون توسيع دور هذا المجلس في تعزيز المشاركة الفعالة في مسارات إصلاح وضعية المجتمع المدني ورفع التحديات التي يواجهها الشباب، خاصة عندما نقرأ صلاحيات المجلس التي تبدو في مجملها صلاحيات تقتصر على إبداء الرأي والمشورة، لكن يبقى السؤال: هل سيكون مجلس الشباب مؤسسة مستقلة عن وصاية السلطة التنفيذية التي فشلت في وضع استراتيجية وطنية للنهوض بوضعية الشباب ؟



