متابعات | مشاركة القاصرين في الاحتجاجات الشبابية.. هل هي مسؤولية الدولة أم الأسرة ؟

أثارت مشاركة الأطفال القاصرين والمراهقين في احتجاجات “جيل زد” الكثير من التساؤلات لدى الرأي العام وداخل المجتمع حول أسباب هذا الانخراط لفئة عمرية من المفروض أن تكون في المدرسة والمؤسسات التعليمية، ما جعل العديد من الناس يرون أن هناك احتقانا يمس هذه الفئة بدورها مثل الشباب الغاضب من الحكومة وسياستها الاجتماعية.
إعداد: خالد الغازي
إن ما أثار استياء الرأي العام، هو انخراط فئة من هؤلاء القاصرين في تصرفات سيئة وأعمال عنف وتخريب في بعض المدن بالموازاة مع المظاهرات السلمية التي قام بها شباب “جيل زد”، ما يؤكد أن هناك دوافع وأسباب اجتماعية وتربوية وغيرها كانت وراء مشاركة فئة كبيرة من القاصرين في الاحتجاجات، بالإضافة إلى غياب التأطير والتوجيه، ما جعل الكثير منهم يلجؤون إلى العنف والفوضى والشغب دون استحضار العواقب.

بهذا الخصوص، يرى محمد بن عيسى، رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان، أن هذه الفئة العمرية أقل من 18 سنة، أطلقنا عليهم صفة قاصرين لأنه مفهوم قانوني، ولكن في التداول الاجتماعي هو نوع من التحقير، وبالتالي، تم استبعادهم من الحياة الاجتماعية بشكل عام، حيث تم تغييبهم في المنزل وفق التربية التقليدية التي تنظر إليهم وتحت هيمنة الأبوين، والمدرسة لا تأخذ بآرائهم وأفكارهم، وبالتالي هم مستبعدون من المدرسة، ومن شتى المؤسسات الاجتماعية والإعلام والمؤسسات الجمعوية وغيرها، فنحن نتحدث عن أشخاص لهم وعي وتمثلات وأفكار وطموحات يتفاعلون في المجتمع، تم استبعادهم في العالم الواقعي والحياة العادية، ووجدوا أنفسهم في العالم الرقمي ويمكنهم التعبير والتفكير، لذلك هم نقلوا الطموحات من العالم الرقمي إلى الواقعي الحقيقي.
وأوضح نفس المتحدث، أن الحركة الاحتجاجية غير مؤطرة، لذلك حصل فيها نوع من الشغب وتخريب الممتلكات وغير ذلك، وهذه الانزلاقات جاءت نتيجة غياب التأطير والعمل الجمعوي والإقصاء من المؤسسات التقليدية، حيث أن المسؤولية تقع على عاتق الدولة والأسرة، وكذا المدرسة والجمعيات والإعلام، لكن الدور الأكبر تتقاسمه الأسرة والدولة لأنهما الفاعلان الأساسيان فيما يتعلق بالتنشئة والتربية، فالأسرة بأدوارها التقليدية هي من ترافق الطفل في مراحله العمرية الأولى، وهي من تشكل شخصيته، وخروج الأب والأم إلى الحياة العملية ومجال الشغل يؤثر على الطفل، إضافة إلى دخول عوالم الأنترنيت كمتغير جديد مهيمن على حياة الأطفال، ثم غياب الدولة وعدم الاستماع إليهم، مشيرا إلى وجود وعي لدى الأطفال نتيجة انفتاحهم على عوالم متعددة، وثقافات أخرى وتعلم اللغة الإنجليزية ولغات أخرى، ما شكل صدمة لنا في سنة 2024 بمحاولة الهجرة الجماعية للأطفال إلى مدينة سبتة المحتلة، أو من خلال خروجهم للاحتجاج مع حركة “جيل زد”.
وحسب بن عيسى، فإن هناك تهميشا كبيرا يشعر به هؤلاء القاصرين من قبل المؤسسات، سواء الاجتماعية أو السياسية والبينية مثل المدرسة، التي لا توجد فيها أنشطة، وحتى لو كانت هذه الأنشطة في الملاعب، فهناك فساد مهيمن وإقصاء وهناك الزبونية والمحسوبية، كما نعرف ما يعيشه المجتمع في صورته الكبرى، والطفل يعيشه في المؤسسات الصغرى التي ينتمي إليها، وبالطبع المدرسة لا تشكل له الطموح في المستقبل، فهو يعلم أن الحصول على الشواهد أو مثلا الكفاءة لا تعني أن يحصل على وظيفة، وهو يعلم أنه حتى الجامعات والمدارس غير مبنية على النقطة، بل مبنية على الفساد والزبونية، والشباب أقل من 24 سنة بمن فيهم فئة القاصرين، يتفاعلون في العالم الرقمي ويعرفون ما يجري في المغرب بشكل كبير.
واعتبر المتحدث ذاته، أن شباب “جيل زد” من خلال النتائج الأولية، خلخلوا مجموعة من الأساطير، واستطاعوا إخراج الفاعل السياسي بشتى تلاوينه والفاعل الحكومي من سباتهم، وشكلوا لهم صدمة، بحيث يتعاملون بشكل ارتجالي ولم يتوقعوا أن يخرج هذا الجيل، ومسألة أخرى، حتى الفاعل الأمني وجد مشكلا في كيفية التعامل مع القاصرين وفئات أقل من 24 سنة، خصوصا مع عدم وجود قيادة أو محاولات لاحتوائها، ورغم ذلك، فقد طرحوا قضايا اجتماعية استراتيجية مثل الصحة والتعليم، ومطالب سياسية مثل إقالة الحكومة ورئيسها حتى ينالوا تعاطف المجتمع، وهي مطالب لم نعشها منذ سنة 2011 ولم نشهد حركة احتجاجية بهذه القوة رغم أن المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية في حالة تدهور وفق تقارير المؤسسات الرسمية.

من جانبه، يقول الصديق الصادقي العماري، أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الأول بوجدة ومدير مجلة “كراسات تربوية”، أن خروج القاصرين للتظاهر والاحتجاج ومشاركتهم في الشغب والفوضى، يعكس النظرة السلبية لدى الأسرة والآباء حول المؤسسات الاجتماعية، بحيث أن خروج الأطفال بشكل غير تأطيري وعفوي يدل على أن هؤلاء الأطفال هم ضحية هذا الوضع وتم استغلالهم من طرف الشباب الداعين إلى التظاهر، فالأطفال والمراهقون في حد ذاتهم مندفعون تجاه أي عملية ترتبط بالحماس، وقد شكل لديهم هذا التظاهر فرصة من أجل التنفيس وإبداء الرأي، معتبرا أنهم ضحية وطعما تم استغلاله من طرف هؤلاء الداعين إلى هذا الاحتجاج بالرغم من أن أهدافه ذات قيمة ومعنى بالنسبة للبعض، ولكن الأطفال لا يفقهون ولا يدركون قيمة هذا التدخل العفوي في هذه التظاهرات، لكن لديهم علاقات وتفاعلات بينهم وبين محيطهم، وتكونت لديهم فكرة عن وجود فساد في الأنظمة والمؤسسات، خاصة ما يتعلق بتسيير الحكومة، بينما من المفروض أن يكونوا بعيدين عن هذه الأمور، لأن مكانهم هو المدرسة، ويجب أن يحظوا بالتربية والتوجيه والتأطير الذي يجب أن تقوم به جمعيات المجتمع المدني والمدارس والأندية وغيرها.
وأوضح نفس المتحدث، أن ضبط سلوك الأطفال يعود إلى مسؤولية الأسرة، يجب أن يكون الآباء على وعي تام بمستوى نماء هؤلاء الصغار وقدراتهم الاستيعابية كما يجب عليهم أن يتدخلوا بشكل سريع من أجل الاحتفاظ بأبنائهم في كنف الأسرة، وبالتالي، فإن الآلية الوحيدة والأساسية لضبط هؤلاء الأطفال ومحاولة إرجاعهم إلى مكانهم الأصلي حضن الأسرة، هو قيامهم بأعمالهم المرتبطة بالدراسة وكذلك توجيههم من طرف الآباء، وتوضيح الأمر لهم فيما يتعلق بالتظاهر والاحتجاج بشكل عام، مشيرا إلى أن المدرسة بدورها تلعب دورا مهما مع هؤلاء الأطفال والمراهقين، من خلال العلميات التحسيسية وتوضيح هذا الاحتجاج وكذلك تقريبهم من أدوارهم داخل المجتمع.
ويؤكد الصادقي العماري، أن الأطفال يجب أن يكونوا بعيدين كل البعد عن مثل هذه الاحتجاجات بكل أنواعها، وعن التظاهر، حيث قد يتعرض الأطفال للضرب أو أي حوادث، لذلك فالأسرة تتحمل مسؤوليتها كاملة في هذا الجانب، حيث أنه على الآباء والأسرة أن يوضحوا الأمور لأبنائهم، وأن يشرحوا دورهم كأطفال وتلاميذ داخل المجتمع، وهو التركيز على الدراسة والتكوين والتأهيل، وأن يكونوا بعيدين عن الاحتجاجات.
حسب وزارة الداخلية، فإن أعمال العنف والشغب التي حصلت خلال الاحتجاجات حركة “جيل زد” عرفت مشاركة نسبة كبيرة من القاصرين، بلغت في أحيان متعددة 100 في المائة من المجموعات المشاركة، وعرف تظاهرهم استعمال أسلحة بيضاء والرشق بالحجارة وتفجير قنينات الغاز وإضرام النيران في العجلات المطاطية، وهو ما جعل رشيد الخلفي، الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية، يدعو الأسر إلى القيام بدورها الرقابي والتربوي وتوعية أبنائها، ومواصلة هذا الدور والمساهمة بفعالية إلى جانب السلطات في حفظ النظام العام، منبها إلى أن من يدفع ثمن هذه الأعمال الطائشة في الأول والأخير هي الأسرة، من خلال التبعات القانونية والاجتماعية والمادية التي تقع على عاتقها نتيجة الأفعال غير المسؤولة لأبنائها، مؤكدا أن مسؤولية الدولة في تأطير الشارع العام لا يمكن أن تحقق بالكامل ما لم يلتزم الآباء والأمهات بمراقبة تصرفات أبنائهم وضمان عدم انخراطهم في أعمال إجرامية يعاقب عليها القانون.
فقد عرفت الأحداث الأخيرة اعتقال وتوقيف العشرات من القاصرين في مختلف المدن، بسبب مشاركتهم في أعمال التخريب والشغب والعنف، حيث تم إيقاف أكثر من 57 طفلا قاصرا في مدينة سلا، تم وضع 44 منهم رهن المراقبة، بينما تمت إحالة 26 قاصرا على قاضي الأحداث في مدينة تارودانت، أما في مدينة مراكش، فقد قررت النيابة العامة متابعة 52 قاصرا في حالة اعتقال على خلفية أعمال الشغب والفوضى التي عرفها حي سيدي يوسف بنعلي، ما يؤكد أن نسبة كبيرة من الأطفال كانوا وراء أعمال الشغب والهجوم على الممتلكات العامة والخاصة، بنسبة بلغت أكثر من 70 في المائة.
وتطرح هذه المعطيات أسئلة جوهرية حول دور الأسرة في مراقبة الأبناء وتوجيههم نحو السلوك المدني، وتوضح الحاجة الماسة إلى تظافر جهود الدولة والمجتمع والأسرة للحد من انخراط القاصرين في تصرفات تخالف القانون، رغم أن الاحتجاجات السلمية لحركة “جيل زد” جاءت نتيجة الاحتقان الاجتماعي الذي يعيشه المغاربة جراء السياسة الحكومية الفاشلة في عدة مجالات، لكن في نفس الوقت تطرح قضية القاصرين سؤال التربية والمساءلة الأسرية، الأمر الذي يتطلب تخصيص برامج توعوية وإجراءات وقائية لتفادي انخراط القاصرين في الحركات الاحتجاجية وأعمال شغب وتخريب مثل ما يحصل من شغب في المجال الرياضي نتيجة السماح للقاصرين بالدخول إلى الملاعب دون مرافقين.
فقضية احتجاجات القاصرين والمراهقين لا ترتبط فقط بالاحتجاجات الأخيرة، بل تحظى باهتمام كبير من قبل الإعلام الإسباني بسبب ظاهرة الهجرة غير النظامية نحو مدينة سبتة المحتلة، حيث كشفت وسائل إعلام إسبانية، استنادا إلى معطيات رسمية، أن عدد القاصرين المغاربة يحتلون الرتبة الأولى بأكثر من 10 آلاف مهاجر قاصر، من بينهم الآلاف في مراكز التأهيل يخضعون للتكوين أو التأطير، وهناك المئات منهم لا زالوا في مراكز اجتماعية في أوضاع غير مناسبة تفكر السلطات الإسبانية في إعادتهم إلى المغرب.
في هذا الصدد، عبرت الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق الأب والأبناء، عن قلقها العميق إزاء هذه السلوكيات التي تسيء لصورة الشباب المغربي وتهدد الأمن المجتمعي، مضيفة أن جزءً من هذه الظاهرة يعود إلى الهشاشة الاجتماعية والتربوية، وإلى ضعف التواصل داخل الأسر، ما يجعل القاصر عرضة للتأثير السلبي من الشارع أو وسائل التواصل الاجتماعي.
ودعت الجمعية إلى مقاربة إنسانية وتربوية في التعامل مع القاصرين الموقوفين، ترتكز على إعادة التأهيل والإدماج الأسري والتربوي، بعيدا عن العقاب فقط، وفق ما تنص عليه المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الطفل، مشيرة إلى أن الوقاية تبدأ من الأسرة، من خلال تمكين الأب والأم من القيام بأدوارهما التربوية والرقابية، وتشجيع الحوار والتواصل داخل البيت، لضمان بيئة آمنة ومستقرة تقي الأبناء من الانحراف، داعية إلى إشراك الجمعيات الأسرية في البرامج الوطنية لحماية الطفولة ومكافحة الانحراف، بما يعزز التربية على المواطنة والاحترام المتبادل.
بدوره، أبدى اتحاد المنظمات المغربية التربوية، قلقه من النسب المرتفعة لمشاركة القاصرين في أعمال العنف والتخريب، ويرفض بشكل قاطع شحن وتهييج الأطفال واستغلالهم وإقحامهم في التعبيرات الاحتجاجية، منددا بأعمال التخريب وكل الممارسات الماسة بالأمن العام، لما تشكله من أفعال مرفوضة تسيء إلى الطابع السلمي والمشروع للاحتجاجات.
ويؤكد الاتحاد في هذا السياق، أن التعبير المسؤول والسلمي عن المطالب يظل الضمانة الأساسية لصون المكتسبات الديمقراطية، وحماية الأمن العام في توازن مع احترام كرامة المواطنين وحقهم في التعبير والاحتجاج، داعيا مختلف الجهات المسؤولة إلى استحضار مبادئ المصلحة الفضلى للطفل، والتقيد بالمقتضيات القانونية الخاصة بحالات توقيف ومتابعة القاصرين.
ووصف اتحاد المنظمات المغربية التربوية المطالب المرفوعة في الاحتجاجات الشبابية، بالعادلة والمشروعة، خاصة تلك المرتبطة بمحاربة الفساد والنهوض بقطاعي التعليم والصحة، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للدولة الاجتماعية المنشودة، لكنه عبّر في المقابل عن استغرابه الشديد للتناقض الصارخ بين الخطاب الحكومي حول الدولة الاجتماعية وثقافة الحوار، وبين الممارسات الميدانية التي تفتقر إلى الانفتاح الحقيقي على الشباب.



