المنبر الحر | الشباب والسياسة.. من الاحتجاج إلى التأثير


في مغرب اليوم، لم يعد صوت الشباب غائبا، بل أصبح عاليا، صريحا، وجارحا أحيانا، فالاحتجاج بلغ مداه، والرسالة وصلت: هناك خلل، هناك غبن، وهناك انتظارات لم تعد تقبل التأجيل، غير أن السؤال العميق الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ماذا بعد الاحتجاج؟ كيف يُترجم هذا الوعي المتنامي إلى تأثير فعلي يغير الواقع بدل الاكتفاء بوصفه أو السخط عليه؟ الجواب لا يكمن في الشارع وحده، بل في المؤسسات، وتحديدا في الأحزاب السياسية القوية، المستقلة، والديمقراطية. ذلك أن السياسة مهما تشوهت في نظر البعض، تظل الوسيلة الأنجع للتغيير العميق والدائم، والشباب، حين يقاطع هذه الساحة أو يستهزئ بها، يترك فراغا يملؤه آخرون، غالبا بلا كفاءة أو بمصالح شخصية ضيقة.
إن التحاق الشباب بالأحزاب ليس خيانة لروحه الحرة، بل وفاء لها متى اختار الحزب الذي يؤمن بالمبادئ لا بالمصالح، ويحتكم إلى الديمقراطية لا إلى الزبونية، فالحزب الحقيقي لا يطلب من الشاب أن يصمت، بل يدربه على أن يعبر بفعالية ومسؤولية؛ لا يلقنه الولاء الأعمى، بل يرشده إلى المواقف النابعة من وعي، والقرارات المبنية على فكر لا على غضب.
فالشاب الذي ينخرط في حزب ديمقراطي حقيقي، يكتسب أدوات الفعل السياسي: يفهم كيف تُصنع السياسات، كيف تُراقب، كيف تُحاسب، بذلك يصبح قادرا على الدفاع عن قضايا مجتمعه لا من هامش “الفايسبوك” أو “تويتر”.. بل من قلب المجالس والمؤسسات التي تُقرر وتنفذ، ومن الداخل، يستطيع أن يدفع نحو الإصلاح، أن يُقاوم الفساد، أن يكون شاهدا لا شهيدا، لكن لا يمكن أن نحمّل الشباب وحده مسؤولية الانخراط والتغيير، دون مساءلة الأحزاب السياسية نفسها، فلكي يلتفت الشباب إلى هذه الهيئات ويمنحها ثقته، عليها أولا أن تتغير من الداخل، وأن تتحول من أدوات انتخابية موسمية إلى فضاءات حقيقية للفكر والنقاش وصناعة البدائل.
إن الأحزاب المغربية مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى القطع مع منطق الريع والولاءات، والانتقال الجاد من الشعارات إلى الإرادات الفعلية للتغيير؛ إرادات تترجمها آليات ديمقراطية داخلية، وقيادات تفسح المجال للكفاءات الشابة لا أن تقصيها أو توظفها ديكورا انتخابيا. وحدها الأحزاب التي تؤمن حقا بالديمقراطية لا تلك التي تكتفي باستعمالها كشعار، هي التي تستحق أن تُراكم حولها الثقة، وأن تستعيد دورها كوسيط نزيه بين المواطن والدولة، وكحاضنة طبيعية لطموحات الأجيال الجديدة.
الأكيد أن هناك أحزابا فقدت ثقة الناس، وتستحق أن تعاقب بالمقاطعة أو النقد، لكن الأكيد أيضا أن هناك أحزابا تسعى بصدق إلى التجدد، وتحتاج إلى دماء جديدة، إلى عقول نزيهة، وإلى شباب لا يُشترى ولا يُستغل، وهذا هو الرهان: أن يبادر الشباب إلى غربلة المشهد الحزبي لا إلى هجره، إلى بناء البديل لا فقط إلى التنديد بما هو قائم.
الاحتجاج الصادق يُوقظ الضمير، لكن العمل السياسي الواعي هو الذي يغيّر الواقع، والشباب المغربي، بما يحمله من وعي، وشجاعة، وغضب نبيل، قادر على أن يتحول من مجرد صدى إلى فاعل رئيسي في كتابة مستقبل الوطن، فليكن دخوله عالم السياسة عودة إلى الأمل، لا هروبا من المسؤولية، فالوطن لا يتغير من الخارج، الوطن يبنى من الداخل.



