تحقيقات أسبوعية

تحت الأضواء | “المعتقلون الإسلاميون” يطالبون بـ”جبر الضرر” ويحذرون من تحولهم إلى سجناء للمجتمع

لماذا تبتعد المؤسسات الحقوقية الرسمية عن هذا الملف ؟

إعداد: خالد الغازي

    يعيش المعتقلون الإسلاميون خارج الحياة التي يعيشها سائر المغاربة محرومين من الحقوق المدنية، رغم خروجهم من السجون بعفو ملكي وخضوعهم لمراجعات فكرية ودينية تحت إشراف المجلس العلمي والرابطة المحمدية، لكنهم اليوم تحولوا إلى سجناء داخل المجتمع أو في حالة سراح، مهددين بالعودة إلى السجن بسبب المشاكل الاجتماعية المتراكمة جراء البطالة ونفور العائلة والمرض، وطرق جميع الأبواب دون جواب.

وقد اعتبر العديد من المعتقلين الإسلاميين – في شهاداتهم – أنهم أبرياء من  أحداث 16 ماي 2003، التي هزت المغرب من قبل “جهات مجهولة” حسب تصريحاتهم، جعلت منهم أكباش فداء لتنفيذ قانون مكافحة الإرهاب الذي فرضته أمريكا على الدول العربية ضمنها المغرب، مما أدى إلى اعتقال الآلاف من الأبرياء الذين ذنبهم أنهم ينتمون للحركة السلفية أو التيار السلفي آنذاك، مؤكدين أن هناك تجاوزات وانتهاكات حصلت من قبل السلطات المغربية من “تعذيب في معتقل تمارة السري آنذاك”، تزامنا مع جلسات ولقاءات هيئة “الإنصاف والمصالحة” التي كان يترأسها الراحل إدريس بنزكري والصبار وأمينة بوعياش لجبر ضرر ضحايا انتهاكات الماضي.

تتمة المقال تحت الإعلان

يقول محمد حقيقي نائب رئيس الرابطة العالمية للحقوق والحريات ومستشار حقوقي لتنسيقية المعتقلين الإسلاميين السابقين، أن “قواعد هيئة الإنصاف والمصالحة التي وضعت لضمان العدالة الانتقالية وضمانة عدم تكرار انتهاكات الماضي، لم يأخذ بها، لأن الجهات التي أنتجت الانتهاكات السابقة ظلت موجودة وبقيت تنتجها، وتخلف ضحايا، حيث أن اعتقالات الإسلاميين بدأت سنة 2002 وعرفت ذروتها في سنة 2003 بعدما وضع قانون مكافحة الإرهاب، الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية”، مضيفا أنه “لا توجد إرادة سياسية لإغلاق الملف، رغم أن الفرصة أتيحت في سنة 2011 مع فعاليات حركة 20 فبراير، وتم تكوين لجنة مشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين الذين قاموا باحتجاجات في سجن الزاكي، حيث تم التوصل إلى اتفاق 25 مارس لإطلاق سراح جميع المعتقلين الإسلاميين على دفعات، وتم إطلاق الدفعة الأولى تضم 196 شخصا، ولم يتم استكمال الاتفاق”.

تتمة المقال تحت الإعلان

وحسب حقيقي، فإن “المقاربة فيما يتعلق بجبر الضرر في هذا الملف فشلت، لعدة أسباب، منها غياب إرادة سياسية لطيه، ثم التعليمات التي تأتي من الخارج، والظرفية الآن سانحة لكي نهتم بالملف، ويصبح من اختصاص المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي كان مسؤولا عن البت في القضايا التي لها علاقة بالانتهاكات الجسيمة”، معتبرا أن المجلس الوطني تخلى عن دوره الحقوقي الذي أنشئ من أجله لتفعيل توصيات هيئة “الإنصاف والمصالحة”، وتصفية قضايا الماضي، ومقاومة الانتهاكات الجسيمة الجديدة التي لم تعد من اختصاصه، وإنما وقع تحول للاهتمام بقضايا المرأة، الطفل والإعاقة، لهذا يجب العودة للبت في القضايا التي تتعلق بالانتهاكات وتصفية الملف.

وأكد نفس المصدر، أن ملف المعتقلين الإسلاميين يتطلب جبر الضرر ويحتاج لتدبير عاجل وعادل، إذ أن المرحلة تتطلب رد الاعتبار لهؤلاء المعتقلين وجبر أضرارهم بالتعويض المالي والإدماج الاجتماعي والتأهيل الصحي، وكل المشاكل التي نتجت عن الاعتقال، في موجة إعادتهم للحياة والعدالة والانتقالية.

من جهته، يقول كريم مصطفى، المنسق العام لقدماء المعتقلين الإسلاميين، أن الهدف من اللقاء هو تسليط الضوء على المعاناة والانتهاكات التي مورست على المعتقلين الإسلاميين السابقين، من تعذيب واختطاف قسري وانتهاكات، ومن ترهيب للعوائل وما تخلله من معاناة، سواء بالتهديد أو الاعتداءات في حقبة مارست فيها الدولة الضغط على هؤلاء الناس، عقب أحداث 16 ماي التي لم يقم بها المعتقلون، ونطالب بكشف التحقيقات حول تلك الأحداث، مشيرا إلى أن المعتقلين الإسلاميين ليس لهم أي يد في تلك الأحداث التي أسفرت عن اعتقال الآلاف من الشباب وتشريد الأسر والأطفال، وأوضح أن المعتقلين السابقين يعيشون واقعا مرا في سنة 2025، يكمن في عدم وجود أي إدماج في حياتهم اليومية (إقصاء، تهميش، بطالة، حصار اجتماعي)، وأسرهم دفعت ثمن التضييق والتشهير، والعقاب مرتين: مرة في الزنازن ومرة بعد مغادرة السجن، وهذا يكشف زيف الخطاب الرسمي عن العدالة الانتقالية وطي صفحة الماضي، ما لم يرافقه فعل جاد لجبر الضرر ورد الاعتبار.

وحسب كريم مصطفى، فإن “ما يزيد الجرح نزفا هو موقف المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي يفترض فيه أن يكون المدافع الأول عن المظلومين.. طرقنا أبوابه، قدمنا ملفاتنا وانتظرنا إنصافا، فقوبلنا بالصمت والتجاهل وكأننا لسنا جزء من هذا الوطن”، مشيرا إلى أنه كان على الدولة تكوين لجنة تواكب الانتهاكات التي حصلت للمعتقلين وتنصف المتضررين، عبر إدماج فعلي وعودة طبيعية للمجتمع.

من جانبه، يؤكد الحقوقي عبد الإله بنعبد السلام، أن “المعتقلين بعد الإفراج عنهم بعد سنوات من الاعتقال، وما خلفه ذلك من أضرار مادية ومعنوية، يجدون أنفسهم في أوضاع صعبة يمكن إجمالها فيما يلي: أولا، بمجرد مغادرتهم للسجن تبدأ محن جديدة، تتمثل في المضايقات والاستدعاءات والمنع من مغادرة المدينة، فكل الادعاءات والخطابات حول إدماجهم في سوق الشغل وإعادتهم لوظائفهم ودور مؤسسة إدماج السجناء يكذبها واقع الحال”، مبرزا أن الأحوال الصحية للمفرج عنهم مزرية نتيجة معاناتهم أثناء الاعتقال وخلال قضاء العقوبة، إلى جانب عدم توفرهم على ضمان اجتماعي مثل الأشخاص الذين استفادوا من هيئة “الإنصاف والمصالحة”، وقال: “معاناة المعتقلين لا تقتصر عليهم فقط، بل تشمل أسرهم حينما يتعلق الأمر بولوج الوظائف أو سوق الشغل، كما يجد المفرج عنهم صعوبة في التسجيل في الجامعات وإكمال دراستهم العليا، فهؤلاء المفرج عنهم لم يستفيدوا بالمرة من محاكمات عادلة، وبالتالي، يجب على الدولة جبر الأضرار المادية والمعنوية التي لحقتهم وأسرهم، ويجب تمكينهم من العودة لوظائفهم، ووقف كل أشكال الترهيب والتضييق التي تمسهم، وتمكينهم من الضمان الاجتماعي والعلاج والرعاية الصحية، وجبر الأضرار الجماعية وما تبقى من الأضرار الفردية، والحالات المسجلة خارج الآجال والملف الاجتماعي والرعاية الصحية والتسوية الإدارية المالية للضحايا واعتذار الدولة المغربية”.

فقد قدمت التنسيقية مجموعة من شهادات المعتقلين السابقين الذين قضوا سنوات من الاعتقال بسبب قانون الإرهاب، مطالبة الدولة والحكومة والجهات المعنية، بالتعويض عن الأضرار التي صاحبت فترة الاعتقال، والحق في العدالة الاجتماعية والمساواة، داعية إلى فتح ملف المعتقلين الإسلاميين السابقين ودراسة مطالبهم ومراعاة الحالات الاجتماعية لهم والعمل على تحقيق الإنصاف ومبدأ المصالحة الانتقالية لإعادة رد الاعتبار لهم والحرص على إدماجهم ليعيشوا حياة كريمة.

وقد أكدت تنسيقية “الكرامة واليقظة للعدالة الانتقالية” على أن إنصاف المعتقلين الإسلاميين هو مشروع مجتمعي يعيد الاعتبار للضحايا، ويفتح أملا سياسيا جديدا، فهو اعتراف بأخطاء الدولة وأجهزتها وإعلان عن تحمل المسؤولية وعدم تكرارها، قائلة أن الدولة مسؤولة قانونيا وأخلاقيا عن الانتهاكات، وأن الإنصاف ليس منحة أو منة من الدولة، بل هو حق للضحايا وواجب على المجتمع، والمصالحة لا تعني النسيان أو الصفقات الرمزية، بل تعني قطيعة فعلية مع ممارسات الماضي.

فقد قدم بعض السجناء الإسلاميين السابقين شهادات صادمة يصعب استيعابها، بسبب هول ما تعرضوا له من انتهاكات وظلم، بداية من الاختطاف من منازلهم ليلا، والتحقيق معهم في مخافر الشرطة، قبل نقلهم إلى “معتقل تمارة” السابق، وتعرضهم لجميع أشكال التعذيب والتنكيل والضرب والاضطهاد، لإرغامهم على الاعتراف بأشياء لم يقوموا بها، حسب أقوالهم، مطالبين الدولة برد الاعتبار لهم وإنصافهم ماديا ومعنويا وتمكينهم من العيش الكريم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى