تحت الأضواء | مراكز النداء الفرنسية تتحول إلى مراكز لاستعباد العمال المغاربة

الرباط – الأسبوع
يعيش الآلاف من الموظفين المغاربة معاناة كبيرة داخل مراكز النداء الفرنسية والأجنبية، التي تشتغل في المغرب دون احترام ضوابط مدونة الشغل وقانون الشركات، من خلال استغلالها للعاملين بشكل غير قانوني يتنافى مع حقوق الإنسان. هذا ما كشف عنه الباحث السوسيولوجي منتصر الساخي، خلال ندوة صحفية حول “مهن الأوفشورينغ بين الاقتصاد النيوكولونيالي وغياب الدراسات والهشاشة المهنية”.
وأوضح الساخي، معد الدراسة، أن مراكز النداء التي قدمت كفضاءات للتشغيل ومحاربة البطالة، ووسيلة لإدماج الشباب، تحولت إلى فضاءات للاستغلال والنزعة الاستعمارية الجديدة، حيث تتقاطع الهشاشة مع الاقتلاع الثقافي والعنف الإداري، والهشاشة النفسية والاجتماعية، مضيفا أنه في الوقت الذي يتحدث فيه أرباب العمل عن فرص تشغيل كبيرة تصل إلى 10 آلاف سنويا، يغيب أي حديث رسمي عن نسب التسريح المرتفعة، أو المعاناة التي تجعل غالبية الشباب يغادرون القطاع مبكرا، نظرا لظروف العمل القاهرة، وأضاف أن العاملين قدموا شهادات صادمة عن ظروف عملهم، حيث يصفونها بالمزرية في ظل غياب النقابة إلى حدود سنة 2011، حيث ساهم ظهور “حركة 20 فبراير” في فرض الاعتراف بالنقابة داخل القطاع، لكن لم تبدأ تجربة التمثيلية النقابية فعليا إلا ابتداء من سنة 2015.
من جانبها، ذكرت ياسمين بوطيب، عن معهد “بروميثيوس” من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان – المجلس المدني لمناهضة جميع أشكال التمييز، أن عددا من العمال يشتغلون بعقود محدودة المدة تتجدد لسنوات، أو بعقود مهمة تستعمل للتحايل على القانون، مما يحرمهم من حقوقهم الأساسية، ويعطي لأرباب الشركات غطاء لتفادي المساءلة القانونية، مشيرة إلى أن المسألة لم تعد مجرد أرقام تشغيل، بل قضية كرامة وحقوق لآلاف الشباب المغاربة الذين يواجهون يوميا تحديات الاستغلال والهشاشة، وشددت على ضرورة تدخل الوزارة الوصية لوضع إطار قانوني يحمي هذه الفئات، ويضمن لها حقها في عقود عمل واضحة ومستقرة، خاصة في ظل ما تعيشه من قمع ممارس عليها ضد أي محاولة للتنظيم الذاتي أو الانخراط النقابي، منتقدة تغييب المغاربة العاملين في الشركات الأجنبية ومراكز النداء عن النقاش الدائر حول إصلاح مدونة الشغل مع النقابات.
وكشفت دراسة جديدة لمعهد “بروميثيوس” حول العاملين في مراكز النداء، عن خروقات واستغلال فظيع لهذه الفئة داخل مراكز تفتقد لأبسط الحقوق المنصوص عليها في مدونة الشغل ولدى منظمة العمل الدولية، حيث لا زالت هذه المراكز الفرنسية وغيرها تقوم بتحويل المستخدمين والأجراء إلى عبيد لديها.
وأبرزت الدراسة أن ظروف العمل في مراكز النداء لا ترقى للمستوى المطلوب، في غياب الرقابة الحكومية على هذا القطاع، الذي يظل محتكرا من قبل المستثمرين الأجانب الذين يفرضون قوانين خاصة للعمل لديهم، ويتملصون من المسؤولية والواجب من خلال إسناد الإدارة القانونية والإشراف إلى المستخدمين في الموارد البشرية، ويضعونهم في الواجهة عند وقوع نزاع للشغل أو مطالبة المستخدمين بحقوقهم المهنية والاجتماعية.
وحسب الدراسة، فإن 80 % من الشباب المستجوبين يرغبون في مغادرة القطاع، بينما يرى أكثر من 60 % أن جهودهم لا تقدر ولا تكافأ، واعتبر نصفهم أن مهامهم رتيبة ومملة ومهينة أحيانا، حيث صرح البعض بأن ظروف العمل خلال فترة “كورونا” كانت صادمة، حيث “طلبت شركة عالمية في مجال مراكز النداء من المستخدمين الذين يعملون لديها بتركيب كاميرات في منازلهم لمراقبتهم، وهناك من طلب منهم الاشتغال خلال فترة الحجر الصحي والنوم في أماكن عملهم وأن يحجروا أنفسهم داخل المركز”.
وحسب نفس الدراسة، فإن ظروف العمل في مراكز النداء بالمغرب تظل غائبة إلى حد كبير عن أعين المؤسسات الحكومية، فعندما تنشر بعض الوكالات، مثل الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، مؤشرات مرتبطة بالقطاع، فإنها تعتمد في المقام الأول على وجهة نظر إدارات الشركات والمستثمرين، مما يجعل هذه الأوضاع غير معروفة لدى الرأي العام، ويجري التعتيم عليها في الخطاب الرسمي، الذي يقدمه مسيرو ومستثمرو هذه المراكز الأجنبية، وكذا الحملات الترويجية، مبرزة أن ظروف العمل تتسم بساعات عمل طويلة تصل لـ 44 ساعة أسبوعيا، وأجور غير كافية ما بين 4 إلى 7 آلاف درهم فقط.
فمجال العمل في مراكز النداء يتسم بالغموض، حيث تتفاقم المخاطر البنيوية، مثل الهشاشة، الضغط النفسي، غياب التمثيل النقابي، وساعات العمل غير منتظمة، وغالبا ما تمتد لوقت متأخر من الليل، إضافة إلى بيئة متشددة تشمل المراقبة المستمرة حتى أثناء فترات الاستراحة في الحمام للضرورة، يضاف إلى ذلك طبيعة المهام الروتينية، والتفاعلات التي قد تتسم أحيانا بالتوتر مع الزبائن، وفرض استخدام أسماء مستعارة، إلى جانب الضغوط لتحقيق أهداف أداء غالبا ما تكون غير واقعية.
وتناولت الدراسة ظاهرة خطيرة تتمثل في استهلاك الحشيش في صفوف الشباب العاملين في مراكز النداء، حيث يشكل موضوعا متواترا وعبارة شائعة في المقابلات التي أجريت معهم، حيث أكد جميع المشاركين اللاحقين على هذه المسألة، وتأثيرها من خلال ربطها بالضغط المهني وتندرج كآلية لتحمل وتيرة العمل السريعة وضغوطه وتوتراته، ومن بين نتائج هذا الوضع غير المستقر، الضغط النفسي وتزايد شهادات الغياب الطبية بشكل كبير وسط العمال، كما أن حالات الإرهاق أو الاحتراق المهني تتفاقم بشكل كبير، فالعامل قد يحصل كل شهر على ما بين شهادتين إلى ثلاثة، إما لأنه منهك في لحظة مهينة، أو لأن الأجر لا يكفيه، كما أن عددا كبيرا من المستخدمين في هذه المراكز يجدون أنفسهم عالقين في فخ إدمان الحشيش، وغيره من الوسائل لمواجهة الضغط النفسي وتحمل ظروف العمل.
كما سجلت الدراسة أن الثقافة التنظيمية داخل مراكز النداء بالمغرب، هي محاولة متعمدة لفصل المستخدمين عن محيطهم الاجتماعي الأصلي، وتحويلهم إلى قوة عمل مطيعة منزوعة من سياقها وموجهة بالكامل نحو تلبية متطلبات الشركات الأجنبية الآمرة، وليس إدماج العمال المغاربة في المجتمع الأوروبي المستهلك لخدماتهم، وهم في الواقع مستبعدون منه بنيويا، بل انتزاعهم من جذورهم المحلية اللغوية والاجتماعية، لإدخالهم في دائرة إنتاجية قائمة على تعظيم المردودية وخفض التكاليف، وهي رؤية مهينة تمثل جوهر منطق التعهد “الأوت سورينغ” الذي لا يقوم على الدمج بقدر ما يقوم على التخصيص الوظيفي.
وصرح المشاركون في هذه الدراسة، أن المستثمرين الأوائل في مراكز النداء، شكلوا فضاء مهنيا مستقلا ومنفصلا عن النسيج الاجتماعي الوطني، وعن مجالات العمل الأخرى، وتجسد ذلك من خلال اعتماد الفرنسية كلغة مهنية محددة وانضباط تنظيمي صارم، فضلا عن اشتراط قدرة التكيف مع المجتمع الفرنسي، كما تحدثوا عن عدم احترام المراكز للعطل الرسمية المغربية وعدم منحها للمستخدمين وتطبيق التقويم الفرنسي على العاملين، وحتى العطل الفرنسية لا تحتسب عطلة وغير مدفوعة الأجر.
وأشارت الدراسة إلى غياب الحرية النقابية ومنع التشكيل النقابي داخل مراكز النداء، إذ تمارس الرقابة والوصاية على المستخدمين وتمنعهم من التمثيل النقابي أو تكوين مكتب للدفاع عن حقوقهم، أو تسعى إلى تشكيل مكتب نقابي صوري، حيث يتم الاعتراف بوجود نقابي محدود قصد توظيفه في تحسين صورة المؤسسة، واعتماد معايير المسؤولية الاجتماعية أمام المؤسسات فقط، بحيث أن الممارسة النقابية التقليدية عاجزة عن الاشتغال داخل هذا القطاع الذي يمنع أي استقرار تنظيمي مستدام، وغالبا ما تتجلى أشكال التنظيم في لجن عفوية أو مجموعات عبر “الواتساب”، تتولى مهمة استقطاب العاملين للتنظيمات النقابية.
ومن الاختلالات التي رصدتها الدراسة، أن أرباب مراكز النداء يقومون بتعيين مديري الموارد البشرية كممثلين قانونيين للشركات في عقود العمل مع المستخدمين، للتملص من المسؤولية، حيث يعتبرها النقابيون تحايلا على الشخصية القانونية وإشكالية تحمل مسؤوليات قانونية لمدراء-وسطاء مغاربة، بينما القرارات الحاسمة تتخذ من قبل المستثمرين الأجانب أو مجموعات دولية.



