تحقيقات أسبوعية

تقرير | كواليس تراجع إسبانيا عن الاحتفال باحتلال سبتة ومليلية

متى يتم حل ملف الثغور المحتلة ؟

خلق رفض إسبانيا الاحتفال يوم 8 شتنبر بمئوية “إنزال الحسيمة” (ذكرى الاحتلال)، وهي العملية العسكرية التي أنهت حرب الريف سنة 1925، جدلا كبيرا داخل الأوساط الإسبانية، وحظي بمتابعة كبيرة من طرف المحللين السياسيين والمتتبعين المغاربة، وذلك اعتبارا لأنه مر كما وصفته وسائل إعلام إسبانية “وسط صمت رهيب”، وهو ما أجج احتجاج السلطات المحتلة في مدينتي سبتة ومليلية، على السلطة في مدريد.

بقلم: جميلة حلبي

    أعاد عدم احتفال إسبانيا بمئوية ما يسمى “إنزال الحسيمة” إلى الواجهة النقاش حول الثغور المغربية المحتلة في شمال المملكة، حيث أرجعت بعض التقارير رفض مدريد الاحتفال إلى “رغبة الحكومة الإسبانية في عدم إغضاب المغرب”، خاصة بعد التقارب الحاصل بين البلدين منذ اعتراف إسبانيا بمبادرة الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية سنة 2022، وكذا عودة الدفء إلى العلاقات الثنائية بعد التوتر والمد والجزر الذي طبع علاقات الرباط بمدريد عقب أحداث جزيرة “ليلى”، وأزمة سنة 2021(…)، كما تداولت وسائل إعلام، سواء في المغرب أو في إسبانيا، بأن هذا القرار جاء في إطار حرص الحكومة الإسبانية على تجنب أي خطوات قد تفسر على أنها استفزاز للمغرب، معتبرة أن هذه الخطوة تعكس رغبة إسبانيا في تعزيز العلاقات مع المغرب، خاصة في ما يتعلق بالملفات الحساسة، وعلى رأسها قضية الصحراء، وكانت وزيرة الدفاع الإسبانية، مارغريتا روبليس، قد أعلنت في شهر مارس الماضي، عن إلغاء كل الأنشطة المقررة للاحتفال بالذكرى المئوية لـ”إنزال الحسيمة”، الذي يصادف الثامن من شتنبر 2025، غير أن حكومة كل من سبتة ومليلية لم تكن تنتظر أن تنفذ الحكومة المركزية هذا القرار، واعتبرته مخالفا للأعراف السياسية التي دأبت عليها المملكة الإسبانية.

وقبل ذلك بأسبوع، أي قبل الثامن من شتنبر، كان الجيش الإسباني قد عمل على نشر ترسانة عسكرية مكونة من مدافع بعيدة المدى وبطاريات صواريخ مضادة للأهداف الجوية والبحرية بمدينة سبتة المحتلة، وهو ما اعتبرته وسائل إعلام إسبانية “خطوة تروم تعزيز منظومة الدفاع بالمدينة، وتحصين الخط الأمامي للأمن القومي الإسباني”، في حين اعتبرها محللون سياسيون مغاربة إجراء أعاد إلى الأذهان سيناريو الأزمة التي وقعت سنة 2002 بخصوص جزيرة “ليلى”، والتي كادت أن تفجر الوضع بين البلدين لولا ضبط النفس والتدخلات التي عملت على طي القضية(…)، لكن توقيت نشر هذه الأسلحة بسبتة يطرح أكثر من علامة استفهام إذا أخذنا بعين الاعتبار أن التحركات العسكرية السابقة من طرف مدريد في الثغور المغربية المحتلة، سبتة ومليلية والجزر التابعة لها، والتي سبق أن تسببت في أزمة دبلوماسية مع الرباط، هو ما يجعل أي تحرك للتواجد العسكري الإسباني في المنطقة موضوع متابعة دقيقة.

تتمة المقال تحت الإعلان

وما أجج الجدل أيضا، النقاش الدائر حاليا داخل الأوساط السياسية والتشريعية الإسبانية، حول مسودة قانون جديد للمعلومات السرية، يهدف إلى إلغاء القانون القديم للأسرار الرسمية الصادر سنة 1968، حيث تستعد الحكومة الإسبانية للمصادقة على قانون جديد سوف يحدث تحولا جذريا في تدبير أسرار الدولة، حسب ما تداولته جريدة “إلباييس”، وأن المشروع المرتقب سيعوض قانون الأسرار الرسمية لسنة 1968، الذي يعود إلى عهد الجنرال فرانكو، والذي شكل غطاء قانونيا لممارسات الدولة الإسبانية وانتهاكاتها الجسيمة لحقوق الإنسان داخل وخارج حدودها، خاصة في مستعمراتها، وسيتضمن القانون “رفع السرية تلقائيا عن الوثائق المصنفة التي مضى عليها أكثر من 45 سنة باستثناء تلك التي قد يشكل الكشف عنها تهديدا استثنائيا للأمن القومي”، كما تشير التقديرات إلى أن العملية ستشمل آلاف الوثائق، من بينها ملفات تتعلق بالانسحاب من الصحراء المغربية، والمسيرة الخضراء، والتحركات الدبلوماسية أثناء مرحلة الانتقال الديمقراطي بإسبانيا.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومن جانبه، فإن المغرب لا يتوانى في المطالبة باستعادة مناطقه المستعمرة، وقد كان خطاب العرش لسنة 2002 واضحا في هذا الجانب، حيث قال الملك محمد السادس: ((إذا كان الهدف الأسمى لدبلوماسيتنا هو جعل المغرب بلدا مستكملا لوحدته الترابية وعضوا فاعلا في محيطه الجهوي والدولي، مجسدا لفضائل السلم والتعاون وحسن الجوار في إطار الاحترام المتبادل، فإن له كسائر الدول، حقوقا ثابتة ومصالح حيوية لا يمكن التفريط فيها أو التساهل بشأنها مهما كلفه ذلك من تضحيات، وفي مقدمتها الحفاظ على سيادة الوطن وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة، وفي إطار احترام الشرعية الدولية.

لذلك رفضنا ما قامت به الحكومة الإسبانية من اعتداء عسكري على جزيرة تورة، التي تؤكد الحقائق التاريخية والجغرافية والمستندات القانونية، أنها ظلت دوما جزء من التراب الوطني تابعا لسيادة المملكة المغربية.

وفي هذا السياق، فإن المغرب لم يفتأ منذ استقلاله يطالب إسبانيا بإنهاء احتلالها لسبتة ومليلية والجزر المجاورة المغتصبة في شمال المملكة، سالكا في ذلك سبيل التبصر والنهج السلمي الحضاري الذي يجسده الاقتراح الحكيم لوالدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني أكرم الله مثواه، بإنشاء خلية مشتركة مغربية-إسبانية للتفكير والتأمل لإيجاد حل لمشكل هذه المناطق المحتلة، غير أننا للأسف الشديد لم نجد حتى الآن آذانا صاغية من لدن الطرف الإسباني لتسوية وضع هذه الثغور المغتصبة، التي تحولت إلى مراكز لاستنزاف اقتصادنا الوطني، وقواعد للهجرة السرية ولكل الممارسات غير المشروعة…))، وهو الخطاب الذي يعتبر مرجعا قويا لمن يقول بأن المغرب لا يطالب باسترجاع باقي مستعمراته.. بل إن العلاقات المغربية-الإسبانية عرفت في عهد الملك محمد السادس نضجا دبلوماسيا جعل من إسبانيا شريكا اقتصاديا بامتياز وفي كلا الاتجاهين، وأخذ من الدبلوماسية نهجا للحوار والنقاش بخصوص القضايا الخلافية تجنبا للدخول في المواجهة المباشرة أو مواجهة مسلحة، البلدان في غنى عنها، ولتجنيب المنطقة تمزقا آخر كالذي أفرز احتلال سبتة ومليلية والصحراء المغربية، وفي هذا الإطار، فإن الدبلوماسية الناجحة للمغرب هي التي جعلته ينتزع اعتراف إسبانيا سنة 2022 بخطة الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، في انتظار الإفراج عن الوثائق التي تؤكد مغربية الصحراء بالنسبة لإسبانيا، وهو ما سوف يتم إن تم صدور القرار بشكل رسمي – كما سبق ذكره – والذي سيفرج عن الوثائق السرية منذ عهد الاستعمار الإسباني للصحراء المغربية وللثغور السليبة في شمال المملكة.

صورة تؤرخ لاحتلال الحسيمة من طرف المستعمر الإسباني

ووسط كل التطورات الإيجابية الحاصلة بين البلدين في الآونة الأخيرة، أبدى الملك فيليبي السادس اهتمامه بزيارة مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين في المستقبل القريب، وذلك خلال اجتماع اللجنة التنفيذية للاتحاد الإسباني للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، الذي عقد الأسبوع الماضي في القصر الملكي بالعاصمة مدريد، حيث صرح رئيس اتحاد رجال الأعمال في مليلية المحتلة، إنريكي ألكوبا، بأن اللقاء شكل فرصة لتجديد الدعوة للملك فيليبي لزيارة المدينتين، مؤكدا أن الملك أبدى استعدادا حقيقيا لزيارة المدينتين لكنه شدد على أن الأمر مرهون بموافقة الحكومة الإسبانية.

ولطالما كانت الزيارات الرسمية الإسبانية للثغور المحتلة والجزر التابعة لها مثار انتقادات وتساؤلات كثيرة، ففي الوقت الذي ينتظر فيه المغرب قيام إسبانيا بخطوات من أجل الاعتراف بمغربية مليلية وسبتة، تقوم الجهات العليا بين الفينة والأخرى بزيارات لهذه المدن بما تعتبره الأوساط الإسبانية اعترافا بـ”إسبانية المدينتين”، وهو ما يطيل أمد الموضوع، في حين أن المغرب ينتظر حتى تتم التسوية النهائية، وبالإفراج عن الوثائق الرسمية، لاعتراف إسبانيا بمغربية الصحراء، ليقوم بخطوات في هذا الاتجاه..

وفي المقابل، شهدت السواحل المقابلة لمدينة سبتة، صباح يوم الخميس 11 شتنبر، عبور قارب كبير يحمل العلم المغربي، ترافقه بوارج حربية وسفينة أخرى، في مشهد أثار الانتباه وطرح عدة تساؤلات، وهو ما أثار النقاش بشأن طبيعة هذا التحرك، حيث كان القارب في المقدمة متبوعا بسفينتين حربيتين، بينما اتخذت سفينة أخرى موقعا خلفها، مما يطرح التساؤل بخصوص طبيعة الرحلة وهوية ركاب القارب، حيث ربطت بعض المصادر من الجانبين المغربي والإسباني، هذا التحرك بما وقع في يوليوز 2024، حين ظهر قارب مماثل في المنطقة ذاتها وأثير حينها احتمال أن يكون تابعا للملك محمد السادس، ولا زال الجدل مستمرا إعلاميا حول هذه الواقعة، اعتبارا لأن القارب كان في موقع حساس جغرافيا وسياسيا، إذ أعاد المشهد إلى الأذهان واقعة دخول الملك محمد السادس لساحل سبتة سنة 2014، والتي تسببت حينها في توتر بين الرباط ومدريد، بعدما لم يتعرف الحرس المدني الإسباني على يخت الملك وحاول توقيفه، وهو ما دفع إسبانيا إلى تقديم اعتذار رسمي للمغرب.

وللتذكير، فقد شهدت سنة 2021 أزمة دبلوماسية كبيرة بين المغرب وإسبانيا، جراء استضافة مدريد لزعيم البوليساريو إبراهيم غالي، بـ”هوية مزيفة” في 21 أبريل، وقيل أن الرحلة كانت من أجل للعلاج(…)، وما أجج الأزمة تدفق حوالي 8 آلاف مهاجر في اتجاه مدينة سبتة بين 17 و20 ماي، واتهمت على إثر ذلك وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبلس، المغرب بـ”ابتزاز إسبانيا واستغلال الأطفال”، ‪ثم استدعت الرباط سفيرتها لدى مدريد كريمة بنيعيش، للتشاور، بعد أن استدعتها الخارجية الإسبانية احتجاجا على تدفق آلاف المهاجرين إلى سبتة، وهي السنة التي عرفت اتخاذ المغرب لقرار منع مغاربة الخارج من الدخول في عطلتهم السنوية للبلاد عبر الموانئ الإسبانية كما كان معتادا، والمجيئ بدل ذلك من فرنسا وإيطاليا، وهو ما كبد الاقتصاد الإسباني خسائر فادحة قدرت بملايين الدولارات، لذلك، فإن إسبانيا ومنذ ذلك الحين، لا تريد أن تخسر شريكا تجاريا واقتصاديا مهما، لطالما تعتمد عليه من أجل استقرار الأسواق المحلية وتجنب أزمات داخلية، وعملت على إصلاح الوضع، وهو ما تجلى في العديد من الخطوات التي تتخذها الحكومة الإسبانية برئاسة بيدرو سانشيز، رغم عدم رضى اليمين الإسباني على التقارب الحاصل في علاقات بلادهم مع المملكة المغربية، وفي هذا السياق، فقد سجلت صادرات المغرب من الفواكه والخضروات الطازجة إلى إسبانيا نموا لافتا خلال الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2025، حيث بلغت قيمتها حوالي  672 مليون يورو، ما يمثل زيادة بنسبة 28 في المائة مقارنة بنفس الفترة من السنة الماضية، كما أن إسبانيا تعتبر من أبرز شركاء المغرب التجاريين في القطاع الفلاحي، حيث تستورد حوالي 33 في المائة من احتياجاتها من الفواكه والخضروات من المملكة.. فهل تتهور إسبانيا وتخسر كل هذه الامتيازات(…) ؟

كل هذه المعطيات وغيرها، تبقى محط جدل داخل الأوساط السياسية المغربية والإسبانية على حد سواء، بينما تعمل الدبلوماسية على حل القضايا الخلافية في إطار القانون الدولي واحترام سيادة الدول، وهو ما ينتظره الشارع المغربي، أي حل ملف الثغور المحتلة كما تم استرجاع الأقاليم الجنوبية وتزايد اعترافات الدول بمغربية الصحراء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى