تحقيقات أسبوعية

متابعات | الميداوي يعيد الجامعة إلى السبعينيات ويقزم دور الأساتذة

اختلالات قانون التعليم العالي

خلق مشروع قانون التعليم العالي الذي صادقت عليه الحكومة، غضبا واسعا في صفوف الأساتذة والطلاب والموظفين، على حد سواء، تزامنا مع الدخول الجامعي الجديد، وسط تساؤلات كثيرة حول الهدف الحقيقي وراء فرض هذا القانون على الجامعة دون إشراك للفاعلين النقابيين والأساتذة وممثلي الموظفين والطلبة في صياغة هذا المشروع المتسرع، الذي أصبح مرفوضا من قبل جميع مكونات المؤسسات الجامعية.

إعداد: خالد الغازي

    أثار مشروع القانون رقم 59.24 المنظم للتعليم العالي، جدلا واسعا في صفوف الأساتذة، خصوصا بسبب عدة مواد تضع الجامعة أمام الرقابة والوصاية من قبل الداخلية والسلطة التنفيذية، وتقحم قطاعات أخرى في تدبير شؤونها الداخلية، من خلال مجلس الأمناء، مع تهميش دور مجلس الجامعة وانتزاع صلاحياته وتحويله إلى مجلس شكلي لا دخل له في تدبير الأمور الداخلية، الإدارية والمالية والتنظيمية، ويطرح العديد من الفاعلين عدة تساؤلات حول علاقة رجال الداخلية، سواء الولاة أو العمال بالتعليم العالي، عوض أن تظل الجامعات مؤسسات مستقلة لها حرمتها وسيادتها، لكونها فضاء للعلم والمعرفة والتكوين، وتأطير الشباب ونشر الوعي الأكاديمي والمجتمعي، فهل تسعى الوزارة لتحويل الجامعة إلى ملحقات تابعة للداخلية ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

يتضمن مشروع القانون رقم 59.24 العديد من المواد المثيرة للجدل والتي لا زالت حديث الطلبة والأساتذة، فرغم أن المشروع يؤكد على استقلالية الجامعات الإدارية والمالية والبيداغوجية والعلمية، إلا أن المشروع يحمل تناقضا واضحا وغياب التناسق بين مواده، ويتضح ذلك في المادة 29 منه، التي تمنح صلاحية تسيير الجامعة إلى مجلسين: الأول مجلس الأمناء الجديد، ثم مجلس الجامعة في القانون القديم.

تتمة المقال تحت الإعلان

والملاحظ أن القانون الجديد يعطي لمجلس الأمناء تفوقا واضحا على مجلس الجامعة وأهمية كبيرة ويجرده من صلاحياته وسلطته في إدارة الجامعة والتي كان يمتاز بها في القانون السابق 01.00، بحيث أن المادة 30 في مشروع القانون 59.24 تركت المجال مفتوحا لمجلس الأمناء لكي يتدخل في شؤون الجامعة ويفرض قراراته ويتدخل في الأمور البيداغوجية، من خلال فقرة في هاته المادة التي منحت للمجلس السلطة لتأسيس لجان داخل نظامه الداخلي، تساعده في أداء المهام، مما يعطيه صلاحية إحداث لجنة متخصصة في الشؤون البيداغوجية التي تعتبر من اختصاصات مجلس الجامعة والكلية.

والمثير للاستغراب، أن المادة 36 جردت مجلس الجامعة الحالي من صلاحياته ودوره، مع تقزيم دور الأساتذة وتخفيض تمثيليتهم من ثلاثة أساتذة إلى أستاذ واحد فقط، مع الإبقاء على عضوية بعض الأعضاء الذين لا علاقة لهم بالشأن الجامعي، مثل تواجد رئيس مجلس العمالة والإقليم الذي توجد بترابه الجامعة، ما يبرز نفوذ السلطة وسيطرتها على هياكل الجامعة، سواء من خلال مجلس الأمناء الذي قد يترأسه الوالي أو من ينوب عنه، أو مجلس الجامعة الذي ربما أصبح دوره شكليا واستشاريا لا يعتمد عليه.

ويطرح تشكيل مجلس الأمناء العديد من التساؤلات لدى المختصين والفاعلين، خاصة وأن أعضاءه يتم تعيينهم من قبل السلطة، أو استقطابهم من قطاعات أو مجالات ومؤسسات خارج الجامعة والكليات والمدارس التابعة لها، ومن خارج سلك الأساتذة الباحثين بالجامعة بجميع درجاتهم وتخصصاتهم، مع منح رئيس المجلس القادم من خارج الجامعة الصلاحية في استقطاب ودعوة أشخاص آخرين للمشاركة في اجتماعات ولقاءات المجلس، بينما للأساتذة عضو واحد في تركيبة المجلس يتم انتخابه من قبلهم، وكذلك ممثل واحد فقط بالنسبة للموظفين والأطر الإدارية، والغريب أن رئيس الجامعة المعنية يكون حضوره صوريا وليست له أي صلاحية أو سلطة لفرض أي قرار داخل جامعته.

وما خلق الجدل أيضا، أن رئيس مجلس الأمناء الذي يتفوق على رئيس الجامعة، حسب المادة 31، يمكن المجيء به من خارج المؤسسة لتولي الرئاسة لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد مرتين، بينما هي نفس مدة انتداب رئيس الجامعة لكنها قابلة للتجديد مرة واحدة فقط دون تحديد اختصاصاته أو طبيعة مهامه، مما يطرح التساؤل حول الهدف من وراء استقدام أو تعيين رئيس للمجلس من خارج الجامعة دون انتخاب عوض اللجوء إلى العملية الديمقراطية من خلال إسناد الرئاسة إلى الأساتذة عن طريق الانتخاب وفق معايير موضوعية، لأن تعيين شخصية أكاديمية أو غيرها للجامعة، حتى لو كانت لديها الكفاءة والخبرة لرئاسة المجلس، لا يمكن أن تنجح في تدبير الشأن الجامعي والبيداغوجي.

فقد أصبحت الجامعة تحت وصاية السلطة الحكومية، من خلال صلاحيات مجلس الأمناء ومواد مشروع القانون 59.24، من 30 إلى 35، التي جاءت لتقويض مبدأ الاستقلالية الإدارية والمالية في المواد الأولى من القانون، بينما تم تقزيم دور مجلس الجامعة الذي يضم ثلاثة ممثلين عن مختلف مكونات الجامعة، سواء الأساتذة الباحثين أو المؤسسات التابعة للجامعة، أو الأوساط المهنية والأطر الإدارية والطلبة.

عبد الحق غريب

في هذا الإطار، يرى النقابي والأستاذ الجامعي عبد الحق غريب، أن مشروع القانون 59.24 لا يمكن إلا أن يندرج في إطار توجه الدولة نحو التحكم مثل قانون 20.22 (تكميم الأفواه)، قانون الإضراب، والمسطرة الجنائية، ويعيدنا إلى قانون 1975 الذي كان يحدد لمجلس الجامعة الدور الاستشاري فقط، لكن بعد نضال نقابي طويل، تم إصدار قانون 01.00 الذي يعطي صلاحيات كبيرة للمجلس ويضم في تركيبته مكونات الجامعة (الأساتذة والموظفين والطلبة)، يساهمون في تسيير الشؤون البيداغوجية والإدارية والمالية للجامعة.

وأوضح نفس المتحدث، أن مشروع القانون عوض أن يقدم المزيد من الاستقلالية للجامعة ويسيرها بشكل ديمقراطي، قام بتراجع خطير يتمثل في قتل مجلس الجامعة، وخلق مجلس الأمناء الذي يضم أستاذا باحثا فقط، ليس له أي دور، بينما جعل دور رئيس الجامعة استشاريا ويقوم فقط بدور الكتابة العامة في تجهيز القاعة وفضاء الاجتماع، في حين أن المجلس الحديث هو من يسير ويقرر، مضيفا أن هذا المستجد خلق احتقانا كبيرا لدى جميع مكونات الجامعة، مما دفع بالنقابات إلى إصدار بلاغات قوية مثل نقابة cdt التي قررت التصعيد ووضع خطة نضالية من أجل سحب القانون.

وانتقد عبد الحق غريب الوزير الحالي عز الدين الميداوي، لكونه تملص من التزامه بمناقشة القانون ويشتغل بشكل فردي، ولا يؤمن بالمنهجية التشاركية، وفاجأ الجميع بإحالة مشروع القانون على المجلس الحكومي دون استشارة الشركاء الاجتماعيين، بعدما اجتمع في يوليوز الماضي مع المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي ووعد بمناقشة القانون والاتفاق عليه قبل عرضه على المسطرة التشريعية، مشيرا إلى أن هذا القانون يسير بوتيرة سريعة في اتجاه خوصصة الجامعة مثل قانون الوزير الأسبق أمزازي، الذي كان يتضمن بابا خاصا عن التعليم الخصوصي، رغم أن مجانية التعليم حق دستوري للجميع، سواء بالنسبة للطلبة أو الموظفين أو المستخدمين، الذين لا يتوفرون على الإمكانيات المالية لدفع الرسوم المرتفعة (مليونين أو ثلاثة للدراسة بالجامعة).

وقال المتحدث ذاته أن مشروع الضوابط البيداغوجية الذي خلق جدلا في عهد الوزير السابق عبد اللطيف الميراوي، أخذ نفس مسار قانون التعليم العالي دون استشارة هياكل الجامعة، ولم تتم مناقشته بشكل كافي داخل المؤسسات، حيث كان من المفروض أن تكون هذه السنة خاصة بطرح الضوابط البيداغوجية على الهياكل والشعب للمناقشة وداخل مجلس المؤسسة، قبل إحالتها على مجالس الجامعات للسماح للأساتذة بإعطاء آرائهم، معتبرا أن مستوى التعليم العالي يسير من سيء إلى أسوأ بوتيرة سريعة منذ أن تسلم الميداوي مهام الوزارة، دون أن ينكب على جميع المشاكل المتعددة التي تعيشها الجامعة العمومية، وفتح نقاش مع الشركاء الاجتماعيين حولها، لكنه فضل الاشتغال بشكل انفرادي وشرع في إقالة 7 مسؤولين في ظرف أربعة أشهر فقط، وتنصيب المقربين من الحزب والمحظوظين.

عبد اللطيف أيت بلا

بدوره، يؤكد عبد اللطيف أيت بلا، الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم العالي والأحياء الجامعية، أن مشروع القانون رقم 59.24 جاء لتعويض القانون السابق 01.00 المنظم للتعليم العالي، وكان الجميع ينتظر أن يصب في مصلحة مكونات الجامعة، الأساتذة والموظفين والطلبة، فإذا به قانون مجحف في حق الفئات الثلاث، فهو يضرب مجانية التعليم، وغير ما كان في القانون القديم حول دور وسلطة مجلس الجامعة الذي يعتبر أكبر هيئة تقريرية في الجامعة تضم الأساتذة والموظفين والطلبة، ويدبر كل ما يتعلق بالمؤسسة، قائلا أن المشروع جاء بمجلس الأمناء الذي يتكون من أعضاء آخرين من خارج الجامعة، منهم الوالي والشركاء الاقتصاديين والقطاع الخاص، ما يجعله مجلسا أقوى من مجلس الجامعة ويتحكم فيها.

واعتبر المتحدث ذاته، أن الوزارة من خلال مشروع القانون 59.24، ترفع يدها عن الجامعات، حيث سيتم ربط التكوين باحتياجات السوق، مثل تكوين الروبوتات، وبالتالي، سيتم القطع مع التكوين الأكاديمي وإنتاج فئة واعية تدفع بالمجتمع نحو الأمام، كما سيتم جعل الموظفين مستخدمين تابعين للجامعات بحسب المادة 84، مثل الأساتذة المتعاقدين الذين تم إلحاقهم بأطر الأكاديميات، وبذلك سيصبح الموظفون يتقاضون أجورهم منها رغم الأقدمية، مشيرا إلى إقصاء موظفي الوزارة وموظفي المكتب الوطني للأعمال الجامعية والثقافية، وموظفي المركز الوطني للبحث العلمي والتقني.

وأوضح المتحدث ذاته، أن الوزارة لم تقم باستشارة مكونات الجامعات بخصوص هذا المشروع المثير للجدل، سواء الأساتذة أو الموظفين أو الطلبة، وحتى النقابات، رغم عقد اجتماع مع الوزارة لم يتم تسليم نسخة من مشروع القانون للاطلاع عليه، ما يجعله مشروعا غامضا يسير نحو تحويل الجامعة إلى مؤسسة خصوصية تبيع وتشتري في التكوينات، من خلال فرض الرسوم والمبالغ المرتفعة على الطلبة، رغم أن التمدرس هو حق دستوري لجميع الفئات مجانا.

وكشف أيت بلا، أن نقابته طالبت الوزارة الوصية بتوقيف المسطرة التشريعية للمشروع، وتسليم نسخة رسمية محيَّنة تتضمن التعديلات الأخيرة التي أُدخلت على مشروع القانون في المجلس الحكومي الأخير، مع الرفض القاطع لصياغة المادة 84، مشددا على ضرورة تحديد أفق زمني لإخراج النظام الأساسي.

وحسب المختصين، فتمرير مشروع قانون التعليم العالي بات قضية مجتمعية مهمة، لأنها لا تتعلق بالوزارة فقط، بل تمتد إلى مستقبل الشباب المغربي والأجيال المقبلة وتطور البلاد، بحيث كان من المفروض أن تقوم الوزارة بالإبقاء على القانون القديم 01.00 ومناقشته وإدخال تعديلات عليه، عوض المجيء بقانون آخر بمنطق التحكم والوصاية.

فقد وصل الموضوع والنقاش إلى قبة البرلمان، حيث دعت النائبة البرلمانية فاطمة التامني، عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، عبر مراسلة وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، إلى توضيح الإجراءات التي تعتزم الوزارة اتخاذها في ظل الاحتقان المتصاعد الذي تعيشه الجامعات المغربية بسبب هذا المشروع الذي تم تقديمه بشكل منفرد ودون مقاربة تشاركية مع الأساتذة والهيئات الجامعية، مما يثير مخاوف جدية بشأن استقلالية الجامعة، وقالت: إن الرفض الواسع الذي عبر عنه أساتذة التعليم العالي ومنسقو المسالك ورؤساء الشعب، ينبع من الحرص على حماية الجامعة من أي انزلاق قد يهدد الإصلاح البيداغوجي أو يضعف مجانية التعليم، مشددة على أن الوضع الحالي ينذر بأزمة حقيقية إذا لم يتم التعامل معه بالجدية المطلوبة، معتبرة أن المشروع يكرس دور مجلس الأمناء الذي لا يضم ممثلين عن الأساتذة والطلبة، وهم الفئة المعنية مباشرة بالمنظومة الجامعية، وهو ما اعتبرته مساسا خطيرا بالعمل التشاركي، وبحقوق الفاعلين في الحقل الجامعي.

وأكد المكتب الوطني للنقابة المغربية للتعليم العالي، أن الإحالة المفاجئة لمشروع القانون رقم 59.24 المنظم للتعليم العالي على مسطرة التشريع، يعتبر سابقة خطيرة تمس المسار التوافقي، وتضرب في العمق المقاربة التشاركية، داعيا الوزارة إلى سحبه وإعادته إلى طاولة الحوار من أجل الإنضاج والتوافق، تحقيقا للمصلحة العامة، وتداركا لما يشكله هذا المشروع من ردة خطيرة، وانتكاسة قانونية وحقوقية تطمس هوية الجامعة العمومية، وتنسف استقلاليتها، وتستهدف بشكل ممنهج الحرية الأكاديمية، وكرامة ومكتسبات الأساتذة الباحثين عبر التهميش والإقصاء من القرار وهياكله، مع التأكيد على الاستعداد للتصدي له في صيغته الحالية بحزم وبجميع الأشكال النضالية المشروعة، خاصة وأنه قانون سيرهن منظومة التعليم العالي والبحث العلمي لعقود.

واستنكرت النقابة انفراد الوزارة الوصية بتفعيل بنود “الإصلاح البيداغوجي” وعدم التزامها بالاتفاق الحاصل على إعادة فتح النقاش التقني والبيداغوجي بشأنه داخل اللجنة المشتركة المختصة، وتدعو تبعا لذلك الأساتذة الباحثين، وجميع الهياكل البيداغوجية (الشعب، اللجان البيداغوجية، مجالس المؤسسات والجامعات) إلى تعليق وتجميد الانخراط في مسار “الإصلاح البيداغوجي” إلى حين توفر الشروط والضمانات الضرورية لإنجاحه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى