تقرير | الموسم الدراسي وعثرات الواقع
بدأت تظهر مؤشرات احتقان جديد في قطاع التعليم، بعدما شهد الموسم الدراسي المنصرم العديد من الاختلالات والمشاكل والفضائح التي وصلت إلى القضاء، وشهدت – كما هو معلوم – العديد من المؤسسات التعليمية احتجاجات متفرقة على النتائج المتحصل عليها، كما جددت بعض نقابات القطاع الاحتجاج على عدم تطبيق كافة مخرجات الحوار مع الوزارة الوصية، وهو ما ينذر بدخول دراسي ساخن رغم الاجتماعات التي عقدتها على حدة كل من وزارة التعليم العالي ووزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي، من أجل تفادي المزيد من المشاكل التي تعصف بمستوى وسمعة التعليم في المغرب.. فكيف السبيل إلى إيقاف نزيف أهم قطاع في البلاد ؟

رغم أن قطاع التعليم في المغرب عرف عدة إصلاحات منذ الاستقلال إلى اليوم، إلا أنه لا زال يراوح مكانه، وفي كل مرحلة يرافقه جدل كبير نتيجة كثرة البرامج الإصلاحية التي تتغير باستمرار، لعدم مطابقتها للمرحلة أو بسبب العقبات التي تعترض الإصلاح، أو نتيجة وقوع فضائح واختلالات تستوجب اتخاذ قرارات جديدة وإصلاحات جديدة.. ومن ذلك القرار الذي اتخذه وزير التعليم العالي مؤخرا فيما يخص شعب الماستر بعد فضائح “الماستر مقابل الجنس” و”الماستر مقابل المال”، وغير ذلك، حيث أقدم الوزير عز الدين الميداوي – من خلال القرار 25-1891 المؤرخ بـ 25 يوليوز 2025، المنشور في الجريدة الرسمية عدد 7430 بتاريخ غشت 2025، والقاضي بالمصادقة على دفتر الضوابط البيداغوجية الوطنية لسلك الماستر – أقدم الوزير على إلغاء شرط اجتياز الامتحان الكتابي والشفوي للولوج لسلك الماستر كما كان معمولا به في السابق، واعتماد بدل ذلك “الانتقاء” كآلية جديدة ستقوم على دراسة الملفات المرشحة وسيتم قبول الطلبة وفق “معايير مضبوطة في الملف الوصفي لكل مسلك”.. هذا القرار خلق جدلا واسعا، فبقدر ما لقي ترحيبا من قبل فعاليات في أوساط التعليم بقدر ما قوبل بتخوف الطلبة من طريقة انتقاء ملفاتهم، وهو ما قد يشكل نقطة احتجاج جديدة تضاف إلى عودة احتجاج الدكاترة مع نهاية الموسم الدراسي المنقضي في ظل تماطل الوزارة الوصية في تطبيق مخرجات اتفاق 26 دجنبر 2023، مطالبين بـ”التسوية الشاملة لهذا الملف”..
في نفس السياق، ومع نهاية الموسم الدراسي، جدد المتصرفون التربويون مطالبهم للوزارة الوصية بخصوص “الإقصاء من الترقية بالاختيار برسم سنوات 2021 و2022 و2023، والاقتطاع من الأجور بعد تغيير الإطار”، وقد اتهم المتصرفون الوزارة – في بيان لهم – بأنها “تنهج سياسة الهروب إلى الإمام وإغلاق الباب أمام أي خطوة لحل الملف”، هذا إضافة إلى تحركات أساتذة ما يسمى بـ”الزنزانة 10” وغيرها من فئات الأساتذة، مما ينذر بعودة الحراك التعليمي، وهو ما حدا بالوزير سعد برادة إلى الاجتماع، يوم 6 غشت 2025، باللجنة العليا للحوار الاجتماعي بين وزارة التعليم والنقابات التعليمية الأكثر تمثيلية، وحسب ما أورده موقع “هسبريس”، فقد أكد الوزير برادة أن الوزارة منخرطة في تنزيل مقتضيات الإصلاح التربوي من خلال خارطة الطريق 2022-2026، وهي حريصة على توفير أفضل الظروف لضمان نجاح الدخول المدرسي، الذي يشكل لحظة وطنية تتطلب تظافر الجهود جميع الشركاء والمتدخلين لضمان الانطلاقة الفعلية للدراسة في ظروف جيدة”.
ومن جهتهم، سجل ممثلو النقابات التعليمية أن “الدخول المدرسي الجديد سيكون مفصليا في تعاطي الوزارة مع الملفات العالقة”، وهو ما يعتبر جرس إنذار ما لم تف الوزارة بالتزاماتها.
الملاحظ من خلال هذه النقط التي تطرقنا لها باقتضاب شديد، الجدل الكبير الذي يرافق أهم قطاع في المغرب، التعليم الذي هو قاعدة الانطلاقة نحو جميع القطاعات الأخرى، فهو العقل المدبر للاقتصاد، للفلاحة، للزراعة، للصناعة، للتعليم العالي نفسه، للطب… إلخ، فقد تعددت البرامج الإصلاحية والنتيجة واحدة: قطاع يعاني من عدة مشاكل تؤثر بشكل سلبي على جودة ومستوى التعليم في بلادنا، فغالبا ما يتبوأ القطاع مراتب متدنية حسب مختلف مؤشرات التصنيف، ولا نظنه سيحقق أي طفرة في ظل ما عرفه الموسم المنصرم من فضائح واختلالات..
وما أجج الصراع أكثر بين وزارة التعليم والأساتذة الباحثين، تمرير مشروع القانون 59.24 المنظم للتعليم العالي، والذي أحالته الوزارة الوصية على مجلس الحكومة يوم الخميس 28 غشت 2025، وتمت المصادقة عليه دون إشراك الأطراف المعنية، وهو ما استنكرته النقابة الوطنية للتعليم العالي رافضة اتخاذ أي قرار يخصهم دون إشراك الأساتذة المعنيين، ولذلك أصدرت النقابة بيانا رفضت فيه ما سمته “مصادرة حق مكونات الجامعة في صناعة القرار الجامعي، وضرب وحدة التعليم العالي والسعي إلى إسقاط مبدأ المجانية، وترجيح كفة الخوصصة، وإضعاف دور الجامعة العمومية، واستهداف السيادة الوطنية في مجال التعليم، وتكريس التراجع عن بعض المكتسبات، ومنها اتفاق 20 أكتوبر 2022 بين الحكومة والنقابة الوطنية للتعليم العالي”، ودعت اللجنة الإدارية إلى الانعقاد يوم الأحد 14 شتنبر 2025، لتسطير برنامج نضالي يوقف المسطرة التشريعية لمشروع قانون التعليم العالي، ويعيده إلى طاولة المفاوضات والحوار مع النقابة الوطنية للتعليم العالي، “حفاظا على السلم الاجتماعي وضمانا للسير العادي للمرفق الجامعي”.
أليس هذا أكبر عائق أمام الارتقاء بمستوى التعليم؟ ما جدوى تغيير الخطط والبرامج الإصلاحية إن لم تكن لها نتائج على المدى البعيد؟ ألم يحن الوقت لجعل وزارة التعليم وزارة سيادية وتخرج من جبة الأحزاب وتضارب المصالح؟ هذه الأسئلة تحيلنا إلى سؤال آخر جوهري: ما دامت عهدة الحكومة أوشكت على الانتهاء، وبالتأكيد سيتحمل حقيبة التعليم وزير آخر.. كيف سيتعاطى المسؤول القادم مع هذه المتغيرات والتغييرات التي تعمل الوزارة على تطبيقها حاليا ؟
في الجانب الآخر من القطاع، سواء الخصوصي أو العمومي، يعيش التعليم الإعدادي والثانوي وفي المدارس، غليانا لا يقل سخونة عن التعليم العالي.. عدم كفاية الأساتذة، قلة التجهيزات والاكتظاظ، وعدم توفر مؤسسات تعليمية على ملاعب لممارسة الرياضة.. كما أغلق الموسم الدراسي على احتجاجات في بعض المدن حول النتائج المتحصل عليها، وعدم الاستجابة لمراجعة النقط وأوراق الامتحانات، وهو ما يستدعي الوزارة الوصية إلى الوقوف بحزم على مثل هذه الأمور وتفعيل دور المفتشين وتشديد المراقبة، وإعطاء حصة زمنية محددة بعد صدور النتائج للسماح لأولياء أمور التلاميذ وإدارات المؤسسات التعليمية بالوقوف على مكامن الخلل، وذلك بهدف الحد من الاحتجاجات التي تضرب في العمق سمعة التعليم في بلادنا وتضعه في قفص الاتهام كل سنة، كما لا يجب إغفال جانب مهم، يتعلق بتجهيز البنى التحتية التعليمية حتى يتلقى التلاميذ تعليمهم في ظروف جيدة تساهم في الرفع من مستوى العلم والمعرفة، لا أن تكون المؤسسات التعليمية منطلقا لـ”مشروع مجرمين”، فما يتم تداوله من حين لآخر من عنف وتعاطي المخدرات داخل إعداديات وثانويات، لا يمكن تصنيفه إلا في خانة غياب الصرامة والمراقبة الدائمة من جميع الجهات المعنية، في ظل غياب دور الأسرة والمجتمع في تأطير الصغار والمراهقين، كما يشتكي التلاميذ من الغياب الكثير للأساتذة دون تعويضهم، خاصة في المستويات الإشهادية، وهو ما يؤثر على مستوى التلاميذ، وبالتالي على النتائج… وهلم جرا من المشاكل والاختلالات التي تعيق تطور وتقدم التعليم في المغرب.
إن مغرب 2030 وما يشهده من برامج تنموية عملاقة.. يجب أن يوازيها إصلاح عملاق أيضا في قطاع التعليم، بمختلف مستوياته، يضع حدا للاختلالات والفضائح التي تضع جميع القطاعات والمجالات على المحك، فالتخبط الذي يعرفه القطاع حاليا والجدل الذي يخلقه وكثرة الاحتجاجات والفساد الذي ينخر الجامعات.. كلها معطيات تنذر بتفجر الوضع وبحراك أكثر حدة من الذي سبق، وهو ما قد يعقد الوضع أكثر في ظل تلويح النقابات التعليمية بالإضراب مع بداية الدخول المدرسي إن لم يتم تدارك الوضع.



