تحقيقات أسبوعية

مع الحدث | الصين تفرض شروطها على الغرب وأمريكا عبر أضخم استعراض عسكري في التاريخ

شي جين بينغ يجمع أعداء الهيمنة.. بوتين وكيم جونغ

الأسبوع. سعيد الريحاني

    يحتفل الصينيون كل سنة بـ”يوم النصر” خلال الثالث من شتنبر، وهو النصر الذي يعود تاريخه إلى سنة 1945، عندما انتصرت المقاومة الشعبية على العدوان الياباني، الذي كان يستهدف احتلال وإذلال الشعب المسالم، الذي يرزح تحت وطأة التخلف، ولكن الصينيين انتصروا على اليابان، وانتصروا على التخلف، بل إنهم انتصروا على الغرب(..)، وقد اختار الرئيس شي جين بينغ، الذي يمثل “النواة” التي يلتف حولها الجميع في قيادة الدولة والحزب الشيوعي الصيني والمجتمع، أن يعطي للنصر عنوانا جديدا هذه السنة، بتأشيره على تنظيم أكبر وأقوى استعراض عسكري في العالم، ومعلوم أن الاستعراض شعبة من شعب الحرب، لا سيما وأن الرئيس الصيني صاحب الملامح الهادئة والحكيمة، استضاف في نفس اليوم أكثر رؤساء الدول إثارة للجدل في العالم (أعداء الغرب)، ويتعلق الأمر بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.. بالإضافة إلى العشرات من الحكام.

في ميدان “تيان آن من” حيث يرقد الزعيم ماو تسي تونغ، وعبر شارع السلام الدائم في العاصمة بكين، خرجت الصواريخ النووية، والذبابات، والطائرات، والمسيرات، وجحافل مئات آلاف الجنود (من بينهم النساء) بملامح صارمة، لتحية الرئيس الصيني، الذي ركب نفس السيارة التي ركبها المؤسسون (تم تطويرها)، فكانت الرسالة واضحة للغرب، مفادها أن الصين لم تعد تخشى أحدا، وأكثر من ذلك، فهي تسعى إلى قيادة العالم بمبادئ جديدة، بعد أن تأكد أن الغرب لا يصلح لقيادة العالم(..).

تتمة المقال تحت الإعلان

الاستعراض أرعب أمريكا وحلفائها، وأكد أن الاتحاد الأوروبي – على سبيل المثال – بجميع دوله “المتعجرفة” التي تستقوي على الدول الضعيفة(..)، بات يوجد خارج الحسابات الكبرى.. هل يعقل أن نضع اليوم الصين، وأي بلد استعماري آخر من أوروبا، في نفس الكفة عند الحديث عن ميزان القوة(..)؟ هل يعقل أن يكون للصين نفس المقعد في مجلس الأمن، أعلى هيئة تقريرية في الأمم المتحدة، بينما توجد دول أقوى وأكبر من الاتحاد الأوروبي خارج مجلس الأمن؟ لاشك أن الوقت قد حان لإعادة ترتيب أوراق الأمم المتحدة، وتحويلها إلى منظمة عادلة، لتجنب مصير الزوال الذي يهددها(..).

تتمة المقال تحت الإعلان

الرئيس الصيني الذي يقود أكبر استعراض عسكري، وأقوى شعب في العالم، هو نفسه الذي طرح مبادرة الحوكمة العالمية، وتقوم هذه المبادرة التي تتزامن اليوم مع الذكرى 80 لتأسيس الأمم المتحدة، تلك المنظمة التي يفترض أنها تأسست بعد استخلاص الدروس من الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكان يفترض أن تكون منارة لصيانة القانون الدولي والسلام العالمي، تقوم على تجاوز النقص في ثلاث مجالات، لاشك أن الجميع يتفق معه، أولها: النقص الخطير في تمثيل الجنوب العالمي؛ الظلم التاريخي؛ فضلا عن انتهاك قرارات مجلس الأمن، وفرض عقوبات أحادية الجانب؛ وأخيرا تأخر الأمم المتحدة في تطبيق أجندتها التي تعقدت أكثر مع تعقد مشاكل المناخ، والسلام العالمي، وتعمق الفجوات الرقمية(..).

ولا يجادل أحد فيما تطلبه الصين من العالم، بعد نجاح الاشتراكية الصينية النمط(..)، وتتجه لفرضه على الغرب بالقوة، إذا لم تنجح الدروس النظرية(..)، حيث تشترط مبادرة الرئيس شي جين بينغ، وهو بالمناسبة صاحب فكر إمبراطوري، يتجاوز مستوى القيادة السياسية، حيث يكتب هو شخصيا مؤلفات تتراوح بين الفلسفة والحكمة والمبادرات السياسية، ما يجعله زعيما ومفكرا في نفس الوقت(..)، وتقوم هذه الشروط على عدة مبادئ، أهمها الالتزام بالمساواة في السيادة بين البلدان (أي عدم التدخل في شؤونها الداخلية)؛ وحقها في تطبيق النموذج الذي تريد، والالتزام بسيادة القانون الدولي؛ والالتزام بتعددية الأطراف (أي مشاركة الجميع في بناء الحوكمة)؛ وأخيرا دفع الأمم المتحدة إلى تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع(..).

نموذج بعض الأسلحة التي تم استعراضها عن جريدة «الشرق الأوسط»

كل ما سبق، يصب في قالب بناء مستقبل مشترك للبشرية، وهي مبادرة صينية أيضا يتزعمها الرئيس شي جين بينغ، بالإضافة إلى مبادرات أخرى مثل مبادرة المجتمع الإفريقي الصيني، والمجتمع العربي الصيني، ومنظمة شانغهاي.. لكن وضع أكبر استعراض عسكري في التاريخ كعنوان لهذه المبادرات، يعني أن الصين انتقلت إلى مرحلة أخرى في التعامل مع الغرب، ورغم أن الصين لم تشارك في أي حرب أو نزاع دولي منذ عشرات السنين، إلا أن “استعراض القوة” يعني بداية فرض شروطها لوضع “الأطراف المهيمنة” عند حدودها، ومخطئ جدا من يعتقد أن حدود الصين تقف عند “السور العظيم”، بل تتجاوزه بآلاف الكيلومترات في كل الاتجاهات(..).

العالم الآن أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الحرب أو السلام، وهذا ما أكده الرئيس الصيني خلال الاستعراض العسكري المرعب، حيث قال: ((اليوم، تواجه البشرية مجددا خيار السلام أو الحرب، الحوار أو المواجهة، المنفعة المتبادلة أو لعبة محصلتها صفر. ويقف الشعب الصيني بثبات على الجانب الصحيح من التاريخ، وفي صف تقدم الحضارة الإنسانية، ويلتزم بمسار التنمية السلمية، ويعمل مع شعوب العالم لبناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية))، ورغم الطابع العالمي للمناسبة، إلا أن الرئيس خص شعبه بدعوته إلى ((التوحد لبناء دولة قوية وتحقيق قضية النهضة الوطنية العظيمة.. تحت القيادة القوية للحزب الشيوعي الصيني، يجب على جميع أبناء بلادنا أن يتبعوا بثبات طريق الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، وأن يطوروا الروح العظيمة لحرب المقاومة ضد العدوان الياباني، وأن يتقدموا بجرأة وعزم إلى الأمام، وأن يتحدوا ويكافحوا من أجل بناء دولة قوية على نحو شامل من خلال التحديث الصيني والقضية العظيمة المتمثلة في تجديد شباب الأمة)).

ولا شك أن اليابانيين الذين تحركوا لمنع رؤساء من حضور هذه الفعاليات، ومعهم الغرب والانفصاليون.. سيضعون أيديهم على قلوبهم بعد هذا التصريح المدعوم برؤوس نووية خارقة كانت توجد في عين المكان.. وليس هذا فحسب، بل إن الصين استعرضت أسلحة من الجيل الجديد، بما في ذلك طائرات ومقاتلات من الجيل الرابع تحمل على حاملات الطائرات، ومركبات مضادة للطائرات دون طيار، وصواريخ متطورة، بما في ذلك صواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت (انظر بعض التفاصيل رفقته عن جريدة الشرق الأوسط).

وقد سبق لمسؤول في السفارة الصينية بالرباط، حيث يوجد طاقم نشيط جدا، بقيادة السفير المميز لي شانغلين، أن أوضح في حوار خص به “الأسبوع”، المغزى من الاحتفال “يوم النصر” قائلا: ((نقيم هذا الحفل التذكاري هدفا إلى تذكر تاريخ الانتصار العظيم الذي حققه الشعب الصيني بعد 14 عاما من النضال الدموي، وتمجيد الأبطال الراحلين، وتكريس الروح القومية التي تركز على حب الوطن.

تحت موضوع “تذكر التاريخ، وتمجيد الأبطال الراحلين، والاعتزاز بالسلام، وخلق مستقبل أفضل”، يسعى هذا الحفل التذكاري إلى تكوين الفهم الصحيح لتاريخ الحرب العالمية الثانية، ودعم النظام الدولي بعد الحرب، وحشد قوة التضامن من أجل القضية السامية المتمثلة في تعزيز التنمية السلمية للبشرية، وتعزيز بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية)).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى