المنبر الحر | المرأة في السياسة .. أرقام صاعدة وتأثير باهت


منذ سنوات، يُقدَّم حضور المرأة في السياسة المغربية كواحد من مؤشرات الانتقال الديمقراطي. قوانين وقرارات فتحت المجال أمامها لتجد مكانًا في البرلمان والحكومة، لكن السؤال يظل مطروحًا: هل هذا الحضور يترجم فعلًا تمكينًا سياسيًا حقيقيًا، أم أنه يظل مجرد واجهة تُرضي منطق التوازنات والترضيات؟
البداية كانت محتشمة سنة 1993 بدخول امرأتين فقط إلى البرلمان. غير أن محطة 2002 مثّلت نقطة تحول، حين تم اعتماد اللائحة الوطنية للنساء وتخصيص 30 مقعدًا لهن. ومع توالي الاستحقاقات، ارتفع العدد إلى 90 مقعدًا في انتخابات 2021. في المقابل، سجلت الحكومة حضورًا نسائيًا متناميًا منذ تعيين أول وزيرة سنة 1997، لتصل حكومة 2021 إلى سبع وزيرات دفعة واحدة.
لكن، ورغم هذا التطور الكمي، تبقى الفعالية النوعية محدودة. فالكوطا هي المدخل الأساسي لترشيح النساء، وغالبًا ما تُبنى الاختيارات على اعتبارات حزبية أكثر من اعتمادها على الكفاءة أو المشروع السياسي. وحتى في الحكومة، فإن الحقائب الممنوحة للنساء غالبًا ما تنحصر في قطاعات اجتماعية وتقنية، فيما تظل المواقع الإستراتيجية حكرًا على الرجال.
دستور 2011 وضع أسسًا واضحة للمساواة والمناصفة، لكنه لم يجد بعد ترجمته الكاملة على أرض الواقع. فالتمكين السياسي الحقيقي لن يتحقق بمجرد رفع الأرقام، بل بضمان استقلالية المرأة داخل الأحزاب، ومنحها الفرصة للتكوين والتأطير، والأهم: الثقة في كفاءتها بعيدًا عن الاستعمال المناسباتي لصورتها.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن دخول النساء إلى المشهد السياسي كسر الكثير من الحواجز، وأعاد النقاش حول قضايا الإنصاف والحقوق. وهناك بالفعل نماذج نسائية استطاعت أن تفرض نفسها بخطابها وحضورها، لتثبت أن الرهان ليس في عدد المقاعد بل فيمن يشغلها وكيف يشغلها.
اليوم، تقف المشاركة النسائية في السياسة المغربية أمام مفترق طرق: إما أن تظل مجرد تمثيل رمزي، أو أن تتحول إلى رافعة حقيقية للديمقراطية والتعددية. الاختيار بين المسارين يتوقف على إرادة سياسية واضحة، ومسؤولية حزبية جادة، وإيمان مجتمعي بأن تمكين المرأة سياسيًا لم يعد ترفًا، بل شرطًا لبناء ديمقراطية مكتملة.



