متابعات | سوق الأدوية بالمغرب.. مجال للريع والاحتكار والاتجار في صحة البشر أمام صمت الدولة

يتواصل النقاش والجدل وسط الرأي العام حول الأسعار المرتفعة للأدوية في السوق الوطنية وانقطاعها بشكل متكرر مقارنة مع الدول التي تصنع فيها هذه الأدوية، حيث يتم ضرب سعر الدواء في 3 أو 5 مرات أو 10 مرات، ما يؤكد أن سوق الأدوية مثل سوق المحروقات، يخضع لسيطرة لوبي الشركات الذي يتحكم في عملية البيع وتحديد الأسعار مستغلا غياب المراقبة والجدية من قبل الحكومة والمؤسسات الوصية مثل وزارة الصحة والوكالة المغربية للأدوية ومجلس المنافسة.
إعداد: خالد الغازي
أصبحت أسعار الأدوية تشكل عائقا أمام المرضى، خاصة المصابين بأمراض مزمنة، للوصول إلى الحق في العلاج والاستشفاء في ظل الأثمنة الخيالية التي تفرضها شركات الأدوية والتوزيع والصيدليات، والتي تفوق القدرة الشرائية للمواطنين، وتعتمد أسعارا مثل الدول الأوروبية أو تفوقها بكثير، رغم أن الحد الأدنى للأجر للمواطن المغربي لا يتعدى 2500 درهم، مقارنة مع الحد الأدنى للأجر في أوروبا الذي يفوق 1500 يورو، وهو ما يبين تحكم لوبي الأدوية في التشريع وتحديد معايير سعر بيع وشراء الأدوية المصنعة محليا والمستوردة، من خلال المرسوم رقم 2.13.852، الذي يحافظ على هوامش ربح عالية وخيالية، ويحدد سعرها وفق مقارنة غير منطقية مع ست دول بعيدة كل البعد عن المستوى المعيشي للمغاربة، مثل فرنسا وبلجيكا وتركيا والسعودية وإسبانيا والبرتغال.
والملاحظ أن هناك مجموعة من الأدوية المستوردة من الخارج، تباع بأثمنة خيالية في السوق الوطنية، بسبب ضعف المراقبة وغياب الإرادة من قبل الحكومة والوكالة الوطنية للأدوية، لضبط الأسعار حماية للمستهلك وللمصابين بالأمراض المزمنة، ومن بين الأدوية التي تباع بأثمنة خيالية، هناك دواءBaraclude 0.5 mg لمرضى تشمع الكبد، وهو مستورد، والذي يتم بيعه للمرضى بـ 5266 درهما، بينما يبلغ سعره في الخارج 580 درهما فقط، مثل تركيا وفرنسا، ودواء التهاب الكبد الفيروسي الذي يتراوح ما بين 3000 و6000 درهم، في حين أن ثمنه لا يتجاوز 800 درهم في مصر، ودواء Elxoatine لعلاج السرطان، الذي يباع في المغرب بـ 1200 درهم بينما سعره في فرنسا هو 117 درهما، والعلبة الكبيرة من نفس الدواء يبلغ سعرها 2200 درهم، بينما سعرها 234 درهما في فرنسا، ودواء vidaza 25 mg الذي يباع في المغرب بـ 3259 درهما، لا يتعدى ثمنه في فرنسا 800 درهم، بنسبة زيادة تفوق 300 في المائة، ودواء pradaxa سعره 1026 درهما بينما في فرنسا 25.93 يورو، أي 278 درهما.

في هذا الإطار، يرى الحقوقي الحسين اليماني، أن هناك مجموعة من القطاعات في المغرب تشتغل خارج شعارات الحكامة والمنافسة والسوق الحرة، ويمكن اعتبارها محميات اقتصادية، يسودها الريع بالعنوان العريض، من بينها قطاع الأدوية، التي أسعارها لا علاقة لها بالأثمنة في الخارج، بحيث هناك أشخاص يحتكرون بعض الأنواع من الأدوية ولهم حق الاستيراد من الخارج ويطبقون الأثمنة التي يريدون، لأن السوق مغلقة، مما يؤدي إلى ارتفاع صاروخي في أسعار الأدوية، وقال: “المسؤولية الحقيقية تبقى على عاتق الحكومة التي تتفرج على ما يحصل وفي نفس الوقت ترفع شعار الدولة الاجتماعية، فماذا تبقى من شعارها أمام واقع القطاع الصحي في المغرب.. أدوية مرتفعة الثمن، التعامل بالمال الأسود في المصحات الخاصة وغيرها، والخراب الذي يضرب الصحة العمومية رغم ما يقال عن بناء مستشفيات جامعية جديدة.. كلها تبقى شعارات متدنية لأن المسؤولية الأولى تبقى سياسية للحكومات المتعاقبة، خاصة الحكومة الحالية التي يكذب الواقع الصحي في عهدتها، سواء في مجال الاستشفاء أو الأدوية، كل هذه الشعارات الرنانة”، معتبرا أن القطاع الصحي اليوم يشتغل في إطار الريع بالمفهوم الحقيقي، وهو مجال يضمن الكسب غير المشروع، رغم أنه يتعلق بصحة وأرواح الناس. للأسف، في الوقت الذي نطالب فيه بالعودة للمجانية في المرفق العمومي ومساعدة المواطن المريض والتكفل به، نسجل تغول القطاع الصحي الخاص والتحكم في أسعار الأدوية.
وأضاف اليماني، أن كلفة العلاج بالنسبة للمغاربة مرتفعة رغم الحديث عن تأمين التغطية الصحية، حيث أن نسبة الاسترداد تكون ضعيفة، خصوصا في الأمراض المزمنة وطويلة الأمد، حتى لو كانت النسبة مرتفعة 70 أو 80 أو 90 في المائة، ولكن نسبة 10 في المائة التي تقتطع من المبالغ الكبيرة، لا تتحملها القدرة الشرائية للمواطن، ومن خلال التجربة التي قضيتها في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، تمكنا بعد سبع سنوات من الصراع، من إخراج قرار حول التعريفة الوطنية المرجعية للأدوية والاستشارة والاستشفاء، وبعد نضال طويل، تم إصدار القرار في سنة 2019، لكن الغريب في الأمر، أنه تم تجميده لاعتبارات لم نفهمها لحد اليوم، رغم أن الهدف منها هو رفع نسبة التعويضات ومراجعة التعريفة المرجعية المجمدة منذ سنة 2005، ورغم مرور 20 سنة، لا زالت نفس الأسعار والفارق يتحمله فقط المستهلك والمريض.
وكشف نفس المتحدث عن تزايد إصابات السرطان في المحيط الاجتماعي عند الجميع مقارنة مع السنوات السابقة، حيث نسمع يوميا بحدوث إصابات جديدة، في ظل الصمت الحكومي وغياب الحس الاجتماعي وعدم التجاوب مع آلام المواطنين، وهذا ما يؤكد أن الحكومة مسؤولة عن تغذية المواطنين، خاصة بعد تقرير المجلس الأعلى للحسابات في عهد إدريس جطو، الذي اتهم بشكل مباشر التغذية والمنتوجات الفلاحية بالتسبب في الأمراض، بمعنى أن الحكومة تتحمل بعض المسؤولية في الإصابة بالمرض، وعليها مسؤولية تحضير الاستشفاء وتوفيره، لكن التعويض عن الملفات الطبية بـ 10 في المائة فقط، يبقى ضعيفا مقارنة مع كلفة العلاج بالملايين، مشيرا إلى أن مفهوم الصحة العمومية لم يعد له وجود في الواقع الحالي، وأموال كبيرة صرفت في المجال بدون نتيجة، منها أموال صندوق المقاصة 56 مليار درهم، التي قال عنها رئيس الحكومة السابق، أنها ستذهب للقطاع الصحي، في حين أن النفقات والمصاريف اليوم والتي تقدر بحوالي 90 في المائة، تذهب إلى المصحات، وبعبارة أوضح، يمكن القول أن أموال صندوق المقاصة تم الإجهاز عليها لمنحها للقطاع الصحي الخاص.

من جانبه، أكد علي لطفي، رئيس الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة، على وجود ارتفاع مهول في أسعار الأدوية بالمغرب، خاصة المستوردة من الخارج، حيث يتم استيراد الأدوية من دول مثل الصين والهند وفرنسا بأثمنة رخيصة، لكن يتم توزيعها وبيعها بأثمان باهظة جدا، الشيء الذي أكده في وقت سابق، الوزير المكلف بالميزانية فوزي لقجع، بأن أثمنة الأدوية مرتفعة ما بين 2 إلى 5 مرات مقارنة مع بلد التصنيع، وأكدته المؤسسات الدستورية المعنية، على غرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، وحتى مجلس المنافسة في تقريره الذي قال فيه أن المغرب يعرف ارتفاعا في أسعار الأدوية بشكل غير مقبول وبعيد كل البعد عن القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة الطبقة المتوسطة والفقيرة، مضيفا أن شركات الأدوية مسموح لها بأن تبيع بالثمن الذي تريد وفق قانون حرية الأسعار والمنافسة، ورغم وجود مرسوم لتحديد أسعارها، لا يتم احترامه، بالإضافة إلى أن هناك عدة شركات مفروض عليها صناعة الأدوية محليا، لكنها تفضل استيرادها والقيام بتعليبها ثم بيعها بأثمنة مرتفعة ثلاث أو خمس مرات مقارنة مع بلد المنشأ.
وقال علي لطفي: “الأدوية مرتفعة في المغرب بخمس مرات مقارنة مع سعرها في بلد المنشأ وربما أحيانا أكثر، خاصة بالنسبة للأمراض المزمنة كأدوية السرطان التي تتجاوز 20 إلى 30 ألف درهم، بالإضافة لأمراض أخرى أسعارها مرتفعة بشكل غير مقبول مقارنة مع الوضع المعيشي للمواطنين، لذلك على الدولة أن تتحمل تكاليف علاج المصابين بالأمراض المزمنة (مرض السل، السرطان، القلب والشرايين، الفشل الكلوي…)، ولا بد من تأمين صحي وتغطية مجانية 100 في المائة لهؤلاء المرضى، الذين يعيشون ما تبقى من حياتهم على تناول الأدوية، وعلى الحكومة عبر الضمان الاجتماعي تغطية نفقات الاستشفاء ومصاريف الأدوية كاملة، لأن العديد من المرضى أصبحوا يتخلون عن العلاج بسبب ضعف الإمكانيات المالية نظرا لارتفاع أسعار الأدوية، مما يؤدي إلى تفاقم الأعراض ثم الوفاة”.
وشدد المتحدث ذاته على ضرورة إعادة النظر في مرسوم تحديد سعر الأدوية، الذي تمت صياغته حرفيا من طرف لوبي صناعة الأدوية، لأنه قارن سعر الأدوية بأقل سعر في دول تركيا وإسبانيا والسعودية، والتي لا علاقة لها بالدخل الوطني الخام والدخل الفردي للمواطن المغربي، ما يتطلب ضرورة إعادة النظر فيه، لأن أسعار الأدوية جد مرتفعة، مشيرا إلى أنه اليوم لدينا الوكالة المغربية للأدوية والمواد الصحية، التي عليها أن تقوم بدورها السياسي والإداري والحكامة ومراقبة التلاعب في أسعار الأدوية ببلادنا، ومواجهة لوبي صناعة الأدوية، لأن الأغلبية يستوردون الدواء ثم يقومون بتعليبه وتسويقه بأسعار غير مقبولة، خاصة وأن المجلس الأعلى للحسابات سبق أن تطرق – في تقرير له – لتجارة الأدوية والأرباح التي تراكمها شركات الأدوية ومن معها وهي غير مقبولة ومرفوضة.
فالكثير من الأدوية المستوردة غير خاضعة للمراقبة أو لتحديد سعرها، رغم أن هناك إمكانية لوضع معايير خاصة للأدوية المستوردة من الخارج قصد تحديد سعرها وهوامش أرباحها، وذلك لحماية المرضى والحفاظ على حياتهم وضمان الحق في العلاج واستمرار اقتناء هذه الأدوية بأثمنة تراعي مستوياتهم المعيشية، وفق معايير معقولة محددة بناء على مستوى الدخل الفردي للمواطن المغربي وأسعار الأدوية في الدول النامية، وليس بأسعار الدول الأوروبية المتقدمة ودول البترول والدولار.
وهناك إشكالية أخرى يعاني منها المرضى والمصابون بأمراض مزمنة، تكمن في انقطاع الأدوية الأساسية من سوق الأدوية ومن الصيدليات، مما يحرمهم من حق العلاج ويهدد حياتهم، رغم النداءات والتحذيرات الموجهة من قبل هيئات مدنية وحقوقية، من بينها الجامعة المغربية لحماية المستهلك، التي دعت إلى تدخل وزارة الصحة والوكالة المغربية للأدوية، من أجل العمل على توفير الأدوية الأساسية، والبحث عن حلول عاجلة، خاصة وأن الأرقام تكشف عن 600 نوع من الأدوية تعرف انقطاعا مستمرا، رغم تقاطر الشكايات من المرضى وأقربائهم، الذين يعانون من صعوبة كبيرة في توفير أدوية السكري، وضغط الدم، وأمراض القلب والأعصاب، وحتى بعض أدوية السرطان.
واعتبرت جامعة حماية المستهلك، أن تنقل المواطنين بين الصيدليات بحثا عن أدويتهم أصبحت مشهدا يوميا يعكس هشاشة المنظومة الدوائية في المغرب، ويطرح تساؤلات جدية حول فعالية السياسات العمومية في مجال تدبير وتوزيع الأدوية، محملة الوزارة الوصية والحكومة المسؤولية الكاملة عن ظاهرة انقطاع الأدوية التي تهدد حياة المرضى، مطالبة بفتح تحقيق حول أسباب الانقطاعات المتكررة ومحاسبة المتورطين والمتواطئين في احتكار الأدوية والتلاعب في توزيعها.
وقالت الشبكة أن “قطاع الأدوية في المغرب أصبح عالما يسود فيه الاحتكار والريع والجشع، وغياب الشفافية في مراقبة أرباح الشركات وجودة المواد الأولية المستوردة التي تستخدم في صناعة الدواء الأصلي أو الجنيس، ومراقبة علمية لجودة المنتوج الدوائي وللمستلزمات الطبية”، مسجلة أن “ارتفاع أسعار الأدوية لا يثقل كاهل الأسر المغربية فحسب، بل يهدد أيضا، على المدى القريب والمتوسط، توازن نظام التغطية الصحية، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي كهيئة التدبير الموحدة للنظام الأساسي، بالعجز المالي، وذلك بعدما كانت السبب الرئيسي في عجز وتراجع احتياطات الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي”، ودعت إلى المراجعة الجذرية للمرسوم رقم 2.13.852 الصادر سنة 2013، والذي نسج خيوطه لوبي شركات الأدوية المستوردة مع وزير سابق، وذلك بغرض الحفاظ على هوامش ربح عالية إن لم نقل خيالية، والمتعلق بشروط وكيفيات تحديد سعر بيع الأدوية المصنعة محليا أو المستوردة للعموم.



