تقرير | في غياب القانون.. تحويل الأطفال إلى مواد تجارية على الأنترنيت

أصبح استغلال الأطفال في منصات التواصل الاجتماعي ظاهرة منتشرة داخل في المجتمع، سواء من قبل الأشقاء وحتى من قبل الأسر، وذلك من أجل تحقيق “البوز” ورفع المشاهدات وزيادة المتابعين، كل ذلك بهدف تحقيق الأرباح المادية حتى لو كان المحتوى يضر بصورة الطفل وقد يسيء إليه، ويخلف له أضرارا نفسية على المدى الطويل ويجعله عرضة للتنمر أمام زملائه في المدرسة وفي الشارع.
الرباط. الأسبوع
إن ظاهرة صناعة محتويات خاصة بالأطفال، أو إشراكهم في مقالب أو السخرية أو مقاطع للرقص، بهدف نيل إعجاب المتابعين، تطرح تساؤلات كثيرة حول خطورة الظاهرة في ظل قبول المجتمع والأسر بهذه الممارسات غير المقبولة، والتي تتزايد بشكل كبير خاصة وسط بعض الأسر ولدى الشباب من أجل استغلال متزايد للقاصرين والأطفال وإجبارهم على المشاركة في مقاطع مختلفة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتصوير مشاهد لهم في أوضاع تثير إعجاب المشاهدين دون إرادتهم.
ويرى عدد من النشطاء والمتتبعين، أن استغلال الأطفال في منصات وتطبيقات مثل “تيك توك” أو “اليوتوب” أو “الفايسبوك”.. يهدد الاستقرار الأسري، ويخلف أضرارا نفسية واجتماعية على الأطفال الذين يتعرضون للتنمر والسخرية بسبب تلك المحتويات، أو بسبب استعمالهم لأجل الرفع من المشاهدات، مما يطرح التساؤل حول مدى نجاعة القانون في حماية خصوصيات الأطفال من الاستغلال في مواقع التواصل الاجتماعي، وهل هناك إجراءات تصب في هذا الاتجاه من أجل حمايتهم؟
يمتلك المغرب تشريعات تهدف إلى حماية الأطفال من الاستغلال والانتهاكات، بالإضافة إلى القانون الجنائي المغربي الذي يعاقب على الجرائم والاعتداءات على الخصوصية، بما في ذلك نشر الصور دون إذن أصحابها، لكن بالرغم من هذه التشريعات، لا تزال هناك ثغرات، خاصة فيما يتعلق بحماية الأطفال من الاستغلال على وسائل التواصل الاجتماعي.

الناشط مصطفى الفكاك، الملقب بـ”سوينغا” في مواقع التواصل الاجتماعي، عبر عن رفضه لنشر الفيديوهات وصور الأطفال في منصات التواصل الاجتماعي، لأنها تستغلهم بطريقة غير قانونية وبدون ترخيص، قائلا: “صور الطفل تستعمل بدون ترخيص لأنه قاصر رغم أن ولي أمره أو والدته مسؤولة عنه، ويتم استغلال براءته، لهذا يجب تجنب نشر صور الطفل، حتى يكبر في العمر ويقرر ما يريد، لأن هناك مخاطر كثيرة في ذلك، حيث يمكن تحريف صوره عبر الذكاء الاصطناعي، وقد يتعرض للتنمر من قبل الأطفال والمتابعين، لهذا فأنا ضد فكرة استغلال صور الطفل لأنه لم يعطك الحق رغم أنك وصي عليه، وليست له الأهلية لاتخاذ القرار المناسب الذي يراعي مصلحته الفضلى”.
وأرجع الفكاك سبب استغلال صور وفيديوهات الأطفال في منصات التواصل الاجتماعي، إلى طمع الشخص الذي يريد إنشاء حساب في “التيك توك” أو “اليوتوب” لتحقيق المال، ويقوم بصناعة محتوى وإظهار أطفاله من أجل نيل إعجاب المتابعين عبر المقالب وتصوير تصرفاتهم وسلوكياتهم، والهدف لدى البعض هو الشهرة التي تتحول إلى إحساس غريزي عند بعض الأشخاص لكي يكونوا معروفين لدى الناس، مثل الشعور بتقدير الآخرين، معتبرا أن هذه القضية طبيعية عند كل إنسان من أجل أن يصل للشهرة و”النجاح”، لكن لا يجب أن تكون عبر استعمال الأطفال أو الأبناء، لأنها تصبح ممارسة لاأخلاقية ناجمة عن الجهل وغياب التوعية والتحسيس من قبل الجمعيات والمساعدين الاجتماعيين لكشف أضرار هذه السلوكيات على الأطفال.
وبخصوص محاربة هذه الظاهرة أو التصدي لها، أكد نفس المتحدث على ضرورة إجراء دراسات وأبحاث مجتمعية من قبل أكاديميين وسوسيولوجيين، من أجل دراسة المجتمع المغربي، ثم إصدار قانون يحمي الأطفال من هذا الاستغلال، معتبرا أن دراسة متخصصة مفيدة ومهمة لفهم عمق المجتمع والظاهرة قبل إصدار القانون بطريقة جيدة ووفق مقاربة سوسيولوجية، عوض أخذ تجارب غربية وإسقاطها على المجتمع المغربي بدون فهم واقعه وخصوصياته.

من جانبها، قالت الدكتورة والباحثة فرح أشباب، أن استعمال الأطفال في مواقع التواصل الاجتماعي موضوع شائك جدا، خصوصا وأن استغلالهم يكون من طرف الوالدين وأولياء الأمور دون أن يتم أخذ رأيهم لنشر صورهم في منصات التواصل والتطبيقات، ودون الأخذ بعين الاعتبار موقف أبنائهم عندما يكبرون ويرفضون بقاء صورهم في مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن هذه الظاهرة خطيرة وتثير المخاوف والقلق، لأنها تستغل صور الأطفال وفيديوهاتهم في مواقع ممنوعة قانونيا، مثل “الدارك ويب” والتجارة ربما فيها، أو قد يتم تصوير الأطفال في وضعية مخلة وغير مقبولة بتاتا.
واعتبرت المتحدثة ذاتها، أن تصوير الأطفال من أجل “البوز” أو جمع المشاهدات هو جريمة يجب أن يتصدى لها القانون لحماية الطفل، الذي ليست له القدرة على اتخاذ القرار أو رفض التصوير، لأنه يكون تحت سلطة الأب أو الأم، الذين يكون هدفهم في أغلب الأحيان إظهار أطفالهم للحصول على مشاهدات أكثر وجمع الإشادات، ومن ناحية أخرى، يتم تصوير الأطفال بطريقة عادية ونشر صورهم في المنصات لنيل الإعجاب، لكن يتم العبث بتلك الصور، داعية إلى تقليل نشر صور الأطفال في المواقع وتغطية وجوههم، وحماية خصوصياتهم وهوياتهم، التي قد تقع في أيادي غير نظيفة تقوم باستغلال صورهم في أمور لم تكن في الحسبان.
وقالت نفس المتحدثة، أن حماية الأطفال من الاستغلال في مواقع التواصل الاجتماعي تتطلب قانونا يحميهم، من أجل الحفاظ على سلامتهم وحقوقهم وخصوصياتهم، لأن هناك من يستعمل سلوك الأطفال كوسيلة للضحك، ويقوم بتركيب فيديوهات لإضحاك الناس، والبعض يستثمر ذلك للربح المادي للأسف، مشددة على وضع قانون حازم لمنع استغلال الأطفال حتى من الآباء والأمهات، لأنه ليس لهم الحق في استعمال صورهم في صناعة محتوى للربح منه.
ويرى خبراء في علم الاجتماع، أن ظاهرة استغلال الأطفال في منصات التواصل الاجتماعي لها أبعاد نفسية خطيرة في حالة ما تعرضوا للتفاعل السلبي أو انتقادات من قبل المتابعين، أو التنمر عبر التعليقات، مما يتسبب لهم في ضرر عاطفي يؤدي بهم إلى الدخول في فترة حزن قد تتحول إلى مرض نفسي خطير، بسبب تعلقهم بالفضاء الرقمي ومعاناتهم من التعليقات السلبية.



