المنبر الحر | حماية الطفل مدخل لبناء الدولة الاجتماعية

رغم التطور المؤسساتي والتشريعي الذي عرفه المغرب خلال العقود الأخيرة، خاصة فيما يتعلق بورش الدولة الاجتماعية، لا تزال قضايا حماية الطفل تثير العديد من التساؤلات الجوهرية حول مدى نجاعة السياسات العمومية، وفعالية الآليات المؤسساتية، ومدى التزام الدولة فعليا بتعهداتها الدستورية والدولية.. فهل استطاع المغرب إدماج حقوق الطفل كأولوية فعلية ضمن تصوره لبناء الدولة الاجتماعية؟ وما مدى انسجام الإطار القانوني الوطني مع الممارسات الميدانية داخل المؤسسات التي تقدم خدمات لفائدة الأطفال في وضعية صعبة؟ وهل تتوفر لدينا آليات كافية للرقابة والتقييم وتحميل المسؤولية ؟
هذه الأسئلة تفرض نفسها في ظل تزايد عدد الأطفال في وضعيات هشاشة وارتفاع مؤشرات الإقصاء والعنف والتخلي، مما يحيلنا على إشكال جوهري: هل يمكن الحديث عن دولة اجتماعية في ظل طفولة غير محمية أو مهمشة في السياسات العمومية ؟
1) حماية الطفل كدعامة قانونية للدولة الاجتماعية: تنص اتفاقية حقوق الطفل سنة 1989 (التي صادق عليها المغرب سنة 1993)، على أن “الطفل كائن إنساني مستقل وله الحق في الحماية، والبقاء، والنمو، والمشاركة”. وطنيا، يشكل القانون 22.01 والقانونان 14.05 و65.15 والقانون 45.18 إطارا لحماية الطفل وتنظيم مؤسسات الرعاية، مع التأكيد الدستوري في الفصل 32 على مسؤولية الدولة في توفير الحماية الاجتماعية للأطفال.
ورغم تعدد النصوص القانونية، لا تزال حقوق الطفل حاضرة بشكل محدود في السياسات العمومية، مما يخلق فجوات في التطبيق الفعلي.
2) المقومات المؤسسية لحماية الطفل في الدولة الاجتماعية: تتوزع مسؤوليات حماية الطفل بين القضاء، ومؤسسات الرعاية، والقطاعات الحكومية، والمجتمع المدني، ما يفرض اعتماد منهجية تنسيقية فعالة وتكاملية بين الفاعلين، كما يتطلب ذلك تأهيل الموارد البشرية وتثمينها، وضمان العدالة المجالية عبر إحداث وتعميم مراكز المواكبة لحماية الأطفال في كافة جهات المملكة.
ويظل من الضروري تفعيل البرامج التربوية المعتمدة في المؤسسات الاجتماعية، وضمان تنفيذها بجودة عالية مع التقييم المستمر لمؤشرات الأثر.
3) مناقشة تحديات التطبيق الفعلي للقوانين: تواجه عملية تطبيق القوانين والسياسات المتعلقة بحماية الطفل مجموعة من التحديات العملية، أبرزها نقص الموارد البشرية المؤهلة، وضعف التنسيق بين القطاعات، وضعف المتابعة الميدانية لتنفيذ الإجراءات.
ولتجاوز هذه الإشكالات، ينبغي تعزيز القدرات البشرية، وإحداث لجان تنسيقية متخصصة، وتبسيط الإجراءات الإدارية، مع وضع نظام رقابي وتقييمي فعال ومستدام.
4) أهمية دور المجتمع المدني والأسرة: تعد منظمات المجتمع المدني والأسر شركاء أساسيين في نجاح سياسات حماية الطفل، فالمجتمع المدني يملك خبرات عملية مباشرة مع الحالات الاجتماعية الصعبة، ويمكنه المساهمة في رصد الانتهاكات والتوعية، كما تقوم الأسر بدور مركزي في تطبيق السياسات الوقائية وتعزيز الوعي الحقوقي لدى الأطفال، مما يجعل إشراكهما في وضع وتنفيذ وتقييم السياسات ضرورة استراتيجية لا غنى عنها.
5) أهمية الإعلام والتوعية: عبر التوعية يضطلع الإعلام بدور أساسي في تعزيز الوعي المجتمعي وترسيخ ثقافة حقوق الطفل وطرق الحماية، ويمكن للحملات الإعلامية والتوعوية الهادفة إحداث تحول إيجابي في السلوكيات المجتمعية، وترسيخ الممارسات الفضلى، وتعزيز التزام المجتمع بالقوانين والسياسات الحمائية.
6) الرقابة والتقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة: تعد حماية الأطفال داخل مؤسسات الرعاية الاجتماعية رهينة بوجود آليات مراقبة مستقلة وفعالة، تضمن التتبع المنتظم لجودة الخدمات والبرامج المقدمة، وكذا ظروف الإيواء والرعاية اليومية، بما يكفل احترام حقوق الطفل وصون كرامته.
ويعد تفعيل لجان المراقبة الداخلية، والتبليغ الفوري عن أي تجاوزات أو عنف، وتأهيل الأطر التربوية والإدارية، من أولويات العمل لضمان الحماية الفعلية للأطفال.
توصيات : إدماج حماية الطفل كأولوية استراتيجية في السياسات العمومية؛ تعزيز الرقابة والتقييم داخل مؤسسات الرعاية؛ تعميم وتفعيل مراكز المواكبة لحماية الأطفال؛ تفعيل البرامج التربوية ومراقبتها بشكل دوري؛ تعزيز القدرات البشرية وتبسيط الإجراءات الإدارية؛ تقوية الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني والأسرة؛ تفعيل آليات الرقابة الداخلية وإرساء نظام للتبليغ الفوري؛ تكثيف الحملات الإعلامية والتوعوية لترسيخ حقوق الطفل؛ ضمان العدالة المجالية في توفير خدمات الحماية للأطفال؛ ربط نتائج التقييم بالمحاسبة لضمان حماية مستدامة للأطفال.
إن بناء الدولة الاجتماعية رهين بحماية الطفل وتمكينه حقوقيا واجتماعيا، ولن تتحقق هذه الغاية إلا من خلال سياسة عمومية منسجمة، وتنفيذ فعال، وتنسيق متكامل، ورقابة صارمة، ومشاركة فعلية للأسرة والمجتمع المدني، وإعلام توعوي هادف، باعتبار الطفل مواطنا كاملا وشريكا أساسيا في المستقبل.



