متابعات | انتفاضة المغرب العميق تكشف الفجوة بين سرعة مشاريع المونديال وبطء المشروع التنموي

أعاد الحراك الاجتماعي لمنطقة أيت بوكماز إلى الواجهة طرح تساؤلات عريضة على الدولة والحكومة وعلى الأحزاب السياسية، بخصوص التنمية المجالية والعدالة الاجتماعية بالنسبة لساكنة المغرب العميق أو “المغرب غير النافع”، والذين يطالبون بخدمات وحقوق متوفرة لدى ساكنة المدن الكبرى والمتوسطة، مما يطرح التساؤل: من المسؤول عن الأزمة التي تعيشها ساكنة المناطق الجبلية والواحات والقرى.. هل هي المجالس المنتخبة، أم السلطات الإقليمية، أم الحكومة، أم الدولة ؟
إعداد: خالد الغازي
قضية الاحتجاج اليوم لا تتعلق بساكنة قرية أيت بوكماز وحدها، بل تشمل مناطق أخرى: سكان إقليم الحوز المتضررين من الزلزال، وسكان طاطا وتنغير وزاكورة المتضررين من الفيضانات، والذين مطلبهم يقتصر فقط على توفير السكن اللائق والاستقرار الاجتماعي في مناطقهم، والحفاظ على الواحات والموارد المائية، وتوفير الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وطرق ومواصلات، ما يعيد طرح سؤال: أين توصيات اللجنة الوطنية للنموذج التنموي، وتوصيات مؤسسات الحكامة والوساطة، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والمندوبية السامية للتخطيط، ولجان الاستطلاع البرلمانية ؟
خروج ساكنة هذه المنطقة كسر جدار الصمت والخوف لدى هؤلاء المواطنين، الذين قرروا الخروج في مسيرة وتحدي السلطات المحلية لإيصال مطالبهم إلى العمالة والجهات المسؤولة، بعد عدة أشهر من الشكايات والمراسلات، التي لم تلق أي تفاعل أو تجاوب من قبل المسؤولين، سواء على مستوى المركز أو الجهة أو الإقليم، ما يؤكد وجود تجاهل للمطالب الاجتماعية قبل الانتفاضة والخروج للشارع، الأمر الذي يسائل الأحزاب السياسية التي تترأس بدورها مجالس الجهات والعمالات والجماعات الترابية، والتي عجزت عن توفير الحد الأدنى من الخدمات المطلوبة من قبل الساكنة.

في هذا السياق، يرى مبارك أوتشرفت، رئيس منتدى “إفوس” للديمقراطية وحقوق الإنسان، أن الوضع الاجتماعي يعرف تفاوتات خطيرة ومؤشرات مقلقة اجتماعيا، والدولة لديها الإحصاء العام للسكان 2024، حول الأوضاع المزرية للطبقات الفقيرة، خصوصا في العالم القروي والجبلي، ومستوى الفقر والهشاشة في هذه المناطق النائية بالدرجة الأولى، وذلك على مستوى توزيع المشاريع التي تشكل رافعة للتنمية في العالم القروي، مثل الشركات والمراكز المهنية لتوفير فرص الشغل، وبالتالي، ارتفاع نسبة البطالة، فهذه أشياء تدق ناقوس الخطر لدى الفاعلين الحقوقيين، خاصة وأن هذه الاحتجاجات التي تعتبر مشروعة، لها ما يبررها بسبب ضعف التفاوض والحوارات التي كانت مع السلطات والمنتخبين، والتي لم تلبّ الوعود والمطالب، المتمثلة في الطريق والطبيب وشبكة الاتصالات..
وأضاف نفس المتحدث، أن سكان أيت بوكماز يطالبون بمدارس جماعاتية، وهو مشروع وضعته وزارة التعليم، لكن لم يشمل بعض المناطق مثل تلك المتضررة من الفيضانات، مما يتطلب إعادة النظر في المقاربة وتعميم مشروع المدارس الجماعية التي تتضمن مجموعة من الفرعيات التي توفر الدراسة لتلاميذ هذه المناطق والاستقرار والتحصيل الدراسي، واعتبر أن قرى الجبال والواحات يجب أن تحظى باهتمام كبير على مستوى تعميم المدارس الجماعاتية التي تضمن التمدرس لأبناء هذه المناطق، إلى جانب مطلب رخص السكن وتصاميم البناء في المجال القروي، الذي لا ينطبق عليه قانون التعمير، مما يفرض على الساكنة دفع رسوم وضرائب مكلفة لا تراعي الوضع الاجتماعي الهش، عكس سكان المدينة، وتبسيط المساطر وتمكين الأسر القاطنة فيها من الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، في ظل تنامي ظاهرة الهجرة من هذه المناطق إلى المدن، مشيرا إلى أن المغرب انخرط في تحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، والتي تتضمن محاربة الفقر والهشاشة والبطالة، لكن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والبيئية مازالت فيها تفاوتات ولا يمكن الحديث عن الدولة الاجتماعية في غياب التوازن وفي غياب شبه تام للخدمات العمومية، والعدالة المجالية والاجتماعية على مستوى القرى والمداشر.
واعتبر أوتشرفت أن مشاريع مونديال 2030 المتعلقة بإنجاح التظاهرات الرياضية، ليست وحدها رافعة للتنمية، حيث أن هناك تركيزا على الجهات والمدن التي تستضيف المباريات، بينما يتم إهمال وإقصاء المدن والأقاليم غير المستضيفة، ما يستوجب إنصاف هذه المناطق فيما يتعلق بحصتها من الاستثمارات العمومية التي بدونها لا يمكن الرهان على التنمية ومعالجة المشاكل وتمكين الساكنة من امتلاك أراضي الجموع واستثمارها لتحقيق التنمية، وتشجيع السياحة الإيكولوجية الجبلية، والاستفادة من مداخيل الثروة المعدنية النفيسة، والطاقة الشمسية، للنهوض بمستوى البنية التحتية والخدمات، مشددا على ضرورة فتح نقاش عمومي حول أي مغرب نريد وكيف يمكن تجاوز هذه المعضلات وتحقيق الاستقرار والأمن الاجتماعي، وينبغي قول الحقيقة، فهذه المناطق يجب إنصافها، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ووضع خارطة طريق لمغرب تسود فيه العدالة الاجتماعية وتقليص الفجوة الموجودة بين المدينة والقرية.

من جانبه، يؤكد محمد الديش، رئيس الائتلاف الوطني من أجل الجبل، أن مسيرة أيت بوكماز الأخيرة نموذج من نماذج ساكنة المناطق الجبلية، التي أغلبها تعاني في صمت ولا ترغب في الاحتجاج والصراع، مفضلة الرضى بالقدر وانتظار أن تصحو ضمائر المسؤولين السياسيين والإداريين لمعالجة الأوضاع والمشاكل الاجتماعية وتحقيق التنمية والخدمات الأساسية، مشيرا إلى أن مطالب الساكنة بسيطة، فهي متعلقة بشبكة الاتصالات وبطبيب للمركز الصحي وإصلاح الطريق، فكان من الممكن أن تعالج هذه الإشكاليات عن طريق وساطة المنتخبين والاستماع إليهم، أو القيام بزيارات ميدانية للمسؤولين الذين يظلون في مكاتبهم، سواء على صعيد الجهة أو الإقليم أو المركز، وهي مطالب أقل بكثير من الحدود الدنيا للعيش الكريم للمواطنين.
وأوضح المتحدث ذاته، أن المغرب يراهن على مجالات استراتيجية كبرى، في الوقت الذي تعاني فيه ساكنة كبيرة في المناطق الجبلية من انعدام خدمات بسيطة، بينما المسؤولون في مكاتبهم يخططون فيها بعيدا عن الواقع الحقيقي الذي يعيشه الناس في أعالي الجبال والمناطق القروية والواحات، ودون الإلمام بالحاجيات الأساسية للساكنة، أما الجماعات القروية والجبلية، فلا يمكن تحميلها مسؤولية المطالب المتعلقة بإصلاح طريق وطنية، وتوفير طبيب، أو توفير اللاقط الهوائي، لأنها أمور تتجاوز صلاحيات وإمكانيات الجماعات المحلية التي لديها موارد مالية محدودة، مضيفا أن أيت بوكماز الملقبة بـ”الهضبة السعيدة”، تزخر بمؤهلات سياحية وطبيعية ومجالية تتطلب الحفاظ عليها وعلى ساكنتها، من خلال مراجعة المسؤولين لتصوراتهم للمناطق الجبلية تحفظ كرامة المواطنين في الجبل ولا يمكن تصنيفهم كفئات من الدرجة العاشرة.
وتابع محمد الديش، أن الحكومة الحالية التي يجب أن تسير على أساس النموذج التنموي الجديد، بعيدة كل البعد عنه، ولديها أولويات أخرى للأسف، ولم تستطع تحقيق الاستقرار الاجتماعي والأمن الغذائي والقانوني للناس، إذ أن هناك إشكالات كثيرة لم تسطيع الاستجابة لها، خاصة بالنسبة للمناطق الجبلية في الأطلس الصغير والكبير والتي تبقى نموذجا للتهميش والتجاهل، بعدما كان الأمل معقودا على وكالة تنمية الأطلس بأن تكون المحور بين الإدارات لتسرع عملية إعادة الإعمار وتعطي النموذج لكيفية تنمية المناطق الجبلية، بالمحافظة على تراثها ومواردها، إلا أن بلاغها الأخير تضمن أرقاما تحمل مغالطات حول الإعمار بينما الواقع يثبت العكس.
صرخة مناطق أيت بوكماز
أثارت انتفاضة ساكنة أيت بوكماز بإقليم أزيلال، نقاشا إعلاميا وفي مواقع التواصل الاجتماعي، حول نوعية المطالب الاجتماعية البسيطة التي طرحتها الساكنة، والتي ربما كانت في علم السلطات الإقليمية والجماعة الترابية، ومجلسي الجهة والإقليم والمندوبية الجهوية للصحة، وغيرها من المؤسسات، ما يبرز إشكالية حقيقية تكمن في غياب التنسيق بين هذه المؤسسات للتفاعل مع نوعية المطالب قبل أن تتحول إلى خطوات احتجاجية على الأقدام.
فقد تساءل الكثيرون عن نوعية هذه المطالب، التي طرحتها ساكنة أيت بوكماز والمتمثلة في طريق معبدة، طبيب قار، مدرسة جماعاتية، شبكة للاتصالات، رخص لبناء السكن، توفير وسائل النقل، رفع عدد المستفيدات من دور الطالبة، مركز لتكوين الشباب، ملعب للقرب، التواصل الرقمي، إنجاز سد تلي ومطفيات لتجميع المياه.
وقد كانت مسيرة المغاربة القاطنين في المغرب المنسي أو غير النافع، صرخة حق لأجل حفظ الكرامة والحصول على أدنى مقومات الحياة والعيش الكريم، وكشفت غياب رؤية واضحة لدى المجالس المنتخبة والأحزاب التي تتولى رئاسة مجالس الجهات والجماعات في تنزيل توصيات النموذج التنموي، والتوجيهات الملكية بخصوص المغرب العميق.
معاناة ساكنة الحوز متواصلة
تعاني ساكنة إقليم الحوز المتضررة من الزلزال منذ أكثر من عامين، من تردي الأوضاع واستمرار السلطات في تجاهل مطالبها الأساسية المتمثلة في توفير السكن اللائق، وصرف الاعتمادات المالية مثل سائر الأسر المستفيدة، ومنح الرخص لإعادة بناء منازلها المتصدعة والمهددة بالسقوط، وتبسيط المساطر الإدارية.
فهناك المئات من الأسر التي لازالت قاطنة في الخيام منذ أيام الزلزال، بسبب “البيروقراطية” التي تعاملت بها السلطات المحلية وأعوانها في إحصاء اللوائح وأسماء المتضررين، حيث تم حرمان العديد من الأسر من الاستفادة من الدعم المخصص لإعادة الإعمار وبناء مساكن جديدة بدعم من صندوق زلزال الحوز، ما خلف استياء كبيرا في صفوف الأسر المتضررة والأرامل والمطلقات والمسنات اللواتي تم إقصاءهن بسبب “تفشي المحسوبية والزبونية”، حسب تنسيقية المتضررين، وقد طالبت تنسيقية ضحايا زلزال الحوز في عدة بلاغات، بتشكيل لجنة مستقلة للوقوف على الاختلالات والتلاعبات العديدة والخروقات التي شابت ملفات المتضررين المقصيين والمحرومين من الدعم والتعويضات الملكية.
احتجاج سكان تارودانت
بدورهم، نظم مئات السكان من إقليم تارودانت وقفات احتجاجية خلال الأشهر الماضية أمام مقر العمالة، تعبيرا عن رفضهم للإقصاء الذي طال العديد من المتضررين من زلزال الحوز، خاصة خلال مراحل الإحصاء وبرامج إعادة الإعمار.
وأكدت تنسيقية “أدرار ندرن” لمتضرري الزلزال بإقليم تارودانت، في بيان لها، استمرار إقصاء عدد كبير من الأسر المتضررة من الزلزال، رافضة قيام السلطات بإزالة خيام المتضررين دون توفير بدائل سكنية، في وقت لم تُستكمل فيه أعمال إعادة البناء، مشددة على ضرورة فتح تحقيق نزيه وشفاف حول ما سمته “تجاوزات خطيرة” رافقت توزيع الدعم.
وشارك سكان العديد من الجماعات الترابية في وقفات احتجاجية منظمة خلال الأشهر الماضية أمام عمالة الإقليم، ينتمون إلى جماعات ترابية مختلفة (إمي لمايس، سيدي واعزيز، تفنكولت، تيزي نتاست، أداوكيلال، تمالوكت، إيمولاس، إداومحمود، وغيرها).
حراك ساكنة فجيج
منذ سنة 2023، تصر ساكنة مدينة فجيج بجميع مكوناتها على حقها في الموارد المائية الطبيعية، التي ظلت تستفيد منها منذ فجر الاستقلال، لكونها تعتبر الماء من الممتلكات الأساسية الجماعية للساكنة والقبائل المكونة لها، لكن المنظور الجديد للسلطات بتأسيس الوكالات الجهوية لتوزيع المياه، رفضته الساكنة لأنه يصب في خوصصة المياه المحلية.
وعرفت مدينة فجيج مسيرات واحتجاجات جديدة عبرت من خلالها الساكنة عن رفضها القاطع للتفريط في السيادة المحلية على الماء والمس بمدخرات الواحة الطبيعية، في تحد لقرار السلطات بضم جماعة فجيج إلى مجموعة الشرق لتدبير وتوزيع الماء، حيث تصر الساكنة، رغم المقاربة الأمنية للسلطات والاعتقالات التي طالت النشطاء، على التدبير المحلي للمياه، وترفض منطق الشركات الذي يحول الخدمة إلى سلعة بدلا من الإنصاف المجالي.
يعيد الحراك الاجتماعي لساكنة أيت بوكماز طرح إشكالية تنزيل وتنفيذ مضامين النموذج التنموي 2021، الذي أوصى بضرورة النهوض بالخدمات الأساسية في المناطق الجبلية والقروية، ورصد مجموعة من النواقص التي تعيق التنمية المحلية لساكنة الأقاليم الجبلية والواحات وغيرها، كما يطرح إشكالية التواصل لدى الأحزاب السياسية والمجالس المنتخبة ومؤسسات الوساطة مع ساكنة هاته المناطق، التي تعيش في المغرب المنسي، خارج اهتمامات الدولة والحكومات المتعاقبة.



