تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | أمريكا تعيد ترتيب مصادر المعادن في إفريقيا.. فما موقع المغرب والجزائر ؟

مآل اتفاقية استثمار منجم غار جبيلات

حصلت في إفريقيا تحولات مهمة مؤخرا، تتعلق بالثروات الباطنية.. فقد وقعت الكونغو ورواندا اتفاقية سلام بوساطة أمريكية-قطرية، مقابل جلب استثمارات من أجل استغلال ثرواتهما المعدنية، كما صادق البرلمان الجزائري، منذ أيام، على قانون المناجم الجديد الذي يقضي بالتخلي عن امتلاك الدولة 51 في المائة من حصة أي شركة خاصة مستغلة للمناجم، وينص القانون الجديد على حق الخواص في الاستحواذ على 80 في المائة من المنجم المستغل مقابل 20 في المائة للدولة الجزائرية، ونحن لا نريد التدخل في أمر لا يهمنا، فمن حق الجزائر التصرف في ثرواتها كيفما تشاء، غير أن هناك ملفا عالقا بين المغرب والجزائر، ما يجعل هذا القانون يهم المغرب بالدرجة الأولى، وهو مسألة منجم حديد غار جبيلات، الذي نصت اتفاقية 1972 على الاستغلال المشترك له بين البلدين.

يحاول هذا الملف التذكير بهذه القضية وطرحها من بعض الجوانب القانونية.

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال تحت الإعلان

منجم غار جبيلات.. بداية القصة

تتمة المقال تحت الإعلان

    إن ملف منجم غار جبيلات يعتبر من القضايا العالقة بين المغرب والجزائر، حيث بدأت فصوله سنة 1972 عندما وصلت العلاقات بين البلدين إلى شهر العسل، عندها وقع المغرب مع الجزائر يوم 15 يونيو 1972، على اتفاقيتين: الأولى تتعلق بترسيم الحدود، والثانية تهم الجانب الاقتصادي، وذلك بمناسبة المؤتمر التاسع للقمة الإفريقية الذي عقد في المغرب يومي 15 و16 يونيو 1972.

وهناك ملاحظة مهمة، وهي أن الملك الحسن الثاني خلال مختلف تصريحاته الصحفية، لم يكن يعطي هذا الملف بالغ أهمية، فباستثناء التصريح الصحفي الذي أدلى به يوم 16 يونيو 1972 على هامش المؤتمر التاسع للقمة الإفريقية، وكذلك الاتفاقية المغربية-الجزائرية المتعلقة بالحدود يوم 15 يونيو 1972، لا نجده يتحدث عن هذا الملف كثيرا.. فقد صرح في ذلك اليوم في جواب عن سؤال تقدم به أحد الصحفيين وكان كالتالي: “وقع المغرب والجزائر اتفاقيتين تتعلق إحداهما بالتعاون الاقتصادي، فهل بإمكان جلالتكم إعطاء بعض الإيضاحات في هذا الشأن، وخاصة فيما يتعلق باستخراج المعادن ونقلها؟ ومن أين يتم نقلها وإلى أي ميناء؟ وكذا فيما يخص التمويل وشروط هذا الاتفاق؟”، فقدم الملك الإيضاحات التالية: ((سيتم الإعلان عن هذا الاتفاق الذي سينشر، غير أنه بإمكاني أن أتحدث عن جانبه الاقتصادي. إن الأمر يتعلق بشركة مختلطة جزائرية-مغربية، تتكلف بإيجاد طريقة للتمويل من أجل استخراج المعدن الذي سينقل بواسطة السكة الحديدية من تندوف إلى إقليم طرفاية، قصد تسويقه لفائدة الطرفين بشكل متعادل، والواقع أن هذا الاتفاق في حد ذاته ليس غاية، فهو لا يتطلب سوى أمرا واحدا، وهو أن الثروة التي كانت مكتنزة دون الاستفادة منها، ستبرز إلى حيز الوجود، كما أن الأثار المترتبة عن هذا الاستغلال المشترك لن تظهر فحسب على الصعيد الاقتصادي والمالي بالنسبة للبلدين، ولكنها ستظهر أيضا على المستوى السياسي والبشري، وذلك بانسجام السكان، وبعبارة أخرى، فإن السكك الحديدية شأنها شأن السقي، تخلق الحياة بالنسبة للسكان والمدن والقرى، لذا أرى أن هذا الاتفاق مفيد جدا للجانبين معا، لكن بالإضافة إلى المصالح الاقتصادية، هناك مصالح ذات صبغة جيوسياسية تدخل فيها الجوانب البشرية والاجتماعية والاقتصادية والمالية، وغيرها من الجوانب التي لا ينبغي إهمالها، بل على العكس من ذلك، فإنها تجعل من ذلك الاتفاق اتفاقا له أهمية بالغة على الصعيد الإقليمي)).

أهم بنود الاتفاقية المنشورة في الجريدة الرسمية الجزائرية

لم يمض الكثير من الوقت على توقيع هذ الاتفاق حتى دخلت العلاقات بين البلدين في توتر، بفعل دعم نظام هواري بومدين لكومندو مغربي معارض من أجل تنفيذ انقلاب في المملكة، غير أن ذلك لم يجبر المغرب على قطع علاقاته مع جارته الشرقية، بل إن الجزائر سارعت إلى المصادقة على اتفاقية الحدود والاتفاقية المتعلقة بالاستغلال المشترك لمنجم غار جبيلات.. فبعد سنة تقريبا، صدر في الجريدة الرسمية الجزائرية يوم 15 يونيو 1973، أمر رئاسي يقضي بالمصادقة على اتفاقية الحدود الموقعة بين البلدين، إلى جانب أمر يحمل توقيع الرئيس هواري بومدين، ويحمل رقم 73-21 بتاريخ 17 ماي 1973، عبارة عن مصادقة على اتفاقية التعاون الثنائية من أجل “استثمار منجم غار جبيلات الموقعة بالرباط بتاريخ 15 يونيو 1972”.

وتتكون نسخة الاتفاقية المنشورة في الجريدة الرسمية الجزائرية، من تسعة عشر مادة، من أهم ما جاء فيها أن “الدولة الجزائرية هي مالكة منجم غار جبيلات، وأنه يوجد على ترابها، وأنه من أجل استغلال الحديد ستحدث شركة مغربية-جزائرية من أجل تصريف الحديد، عبر خط سكك حديدية يتصل بميناء على المحيط الأطلسي، أما الكمية المنقولة، فستكون في حدود 700 مليون طن على مدى 60 عاما، ثم بعد ذلك تتحول ملكية المنجم بشكل دائم للدولة الجزائرية”.

تضم الاتفاقية بعض المواد التي وجب الوقوف عندها.. فقد ذكرنا أن كمية الحديد التي ستنقل هي 700 مليون طن على مدى 60 عاما، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الاتفاقية وقعت سنة 1972 وتمت المصادقة عليها من طرف الجزائر سنة 1973، فمعناه أنه مرت 52 سنة، وأنه تبقت فقط ثمان سنوات كي يعود المنجم بالكامل لملكية الدولة الجزائرية، غير أنه جاء في المادة الخامسة من هذه الاتفاقية ما يلي: “تمنح الشركة الجزائرية-المغربية مدة ستين سنة من أجل تحقيق مهمتها المحددة في المادة الثانية، وذلك اعتبارا من التاريخ الذي تصبح فيه الاتفاقية سارية المفعول. وعند انتهاء مهمة الشركة، تتشاور الدولتان من أجل التوصل لاتفاق مشترك، إلى تحديد الصيغة التي تعطى لتعاونهما من بعد في هذا الميدان”.

تشير هذه المادة إلى أن احتساب مدة ستين سنة يبدأ فعليا مع سريان مفعول هذه الاتفاقية، لكن الإشكال المطروح هو متى أصبحت هذه الاتفاقية سارية المفعول ؟ إن كل ما وصلنا له في هذا الباب، أن المغرب أخر التوقيع على الاتفاقيتين معا، وكانت هذه القضية موضوعا لعدة أسئلة طرحت على الملك الحسن الثاني، منها سؤال طرح في 11 نونبر 1977، من طرف وكالة أنباء الشرق الأوسط، وكان كالتالي: “ما هو مستقبل الاتفاقية المغربية-الجزائرية التي وقعت بين جلالتكم والجزائر سنة 1972 هنا بالرباط والمتعلقة بالحدود على ضوء التطورات والمشاكل الحالية بين البلدين؟”، فأجاب الملك بالتالي: ((إن حل جميع المشاكل بين المغرب والجزائر مرهون بالتوضيح النهائي من دون غموض للعلاقات المغربية-الجزائرية ولسياسة الجزائر بخصوص الأراضي المغربية المسترجعة، ومن المؤكد أنه بعد اتفاق 1972، لم تنتقد أي صحيفة من صحف المعارضة كلمة ملك المغرب أمام عشرات رؤساء الدول، وهذا خلال سنتين، وإنني أعترف لهم بذلك، ولكن عندما بدأ الالتباس يظهر للعيان، وخاصة لما أظهرت الجزائر إرادتها في إقحام الأطراف المعنية في قرار الأمم المتحدة، ابتداء من هذا الوقت، بدأت صحف المعارضة وأحزاب المعارضة تبدي نوعا من الاعتراض على هذا الاتفاق)).

كما أوضح الحسن الثاني بعض الملابسات المحيطة بهذا الموضوع، حيث قال خلال إجابته عن نفس السؤال: ((طلب مني الرئيس بومدين أن أصادق على الاتفاق، فقلت “لا”.. لا تدخل من النافذة لأنني سأفتح لكم الباب، فالبرلمان سيحدث وسيصادق على الاتفاق، وهل تعتقدون بأن هناك برلمانا شرعيا يرفض لي المصادقة في إطار إعادة الأمور إلى حالتها الطبيعية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتعاون على الصعيد الوطني بين البلدين، وقلت لا أعتقد أن هناك برلمانا سيرفض لي هذا الاتفاق، إذن، يجب الانتظار، وهناك مثال آخر، هو الاتفاق بين المغرب وموريتانيا الذي صادقت عليه، لكنه سيعرض على البرلمان رغم أنني لست في حاجة إلى عرضه عليه لأنه مصادق عليه، ورغم ذلك سأعرضه على البرلمان لأوضح جيدا بأن الاتفاق المغربي سيدخل من الباب الواسع لمؤسساتنا، فلو أن الرئيس بومدين أبدى قليلا من الصبر، وإذا لم يرد أن يخبر نيته، سيعرف أن الحسن الثاني رجل له كلمته)).

هل المغرب لم يصادق بعد على هذه الاتفاقية ؟

بعد ذلك، أصبح الحديث يدور كثيرا عن مآل اتفاقية الحدود، خلال نهاية السبعينيات والثمانينات، والمثير في الأمر أنه لم يكن هناك حديث بالمرة عن اتفاقية استغلال منجم غار جبيلات، بل كان التركيز منصبا فقط على اتفاقية الحدود، وهكذا لم يصادق البرلمان المغربي على المعاهدة المتعلقة بخط الحدود القائمة بين المملكة المغربية والجمهورية الجزائرية إلا سنة 1992، وقد صدر ظهير شريف رقم 1.89.48 في 20 ذي الحجة 1412 (22 يونيو 1992) بنشر المعاهدة المتعلقة بخط الحدود القائمة بين المملكة المغربية والجمهورية الجزائرية والموقعة بالرباط في 3 جمادى الأولى 1392 (15 يونيو 1972) في الجريدة الرسمية للمملكة المغربية عدد 4156 بتاريخ 22 ذي الحجة 1412 الموافق لـ 24 يونيو 1992، غير أنه لم تتم المصادقة على اتفاقية استغلال منجم غار جبيلات، وحسب الأبحاث التي أجريناها في الجريدة الرسمية للمملكة، فإننا لم نعثر على هذه الاتفاقية، فهل معنى هذا أن المغرب ما زال لم يصادق عليها إلى اليوم؟ وإذا كان المغرب لم يصادق عليها، فلماذا، هل له قراءة قانونية لذلك، أم أنه ينتظر الأجواء الملائمة للمصادقة عليها؟ فكل ما نعلمه أنه وقعت بين البلدين مشاريع كبرى من ضمنها خط أنبوب الغاز، فلماذا أجل المغرب المصادقة على اتفاقية بهذه الأهمية ؟

مآل اتفاقية 15 يونيو 1972 بعد قانون المناجم الجزائري الجديد

منذ ذلك التاريخ، ظل الحديث عن موضوع حديد غار جبيلات في طي النسيان، غير أنه عاد إلى الواجهة سنة 2023، عندما تم توقيع اتفاق مع ائتلاف صيني، يضم 3 شركات، بقيمة مالية قدرها مليار دولار، قصد بناء مصنع بمدينة بشار، يهم تحويل الحديد الخام للمنجم.. يومها أعلنت وزارة الطاقة والمناجم الجزائرية -في بلاغ لها – أن “المصنع سيبدأ في تحويل الحديد الخام إلى مواد نصف مصنعة كالبلاطات، وذلك بطاقة إنتاج تصل إلى مليون طن سنويا، باستثمار كبير رقمه المليار دولار”، ثم عاد الحديث بقوة عن هذه القضية وأصبحت العديد من الأسئلة تطرح حول خرق الجزائر لاتفاقية 1972، وهناك من أشار إلى أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد استفزاز جزائري للمغرب، غير أن الحديث عن الاستثمار الصيني توقف بعدما انسحبت كل الشركات الصينية من استثمارات منجمية أخرى ضخمة بالجزائر، وتجدد الحديث بعد ذلك عن هذا الموضوع، بعد بناء المغرب لسد قدوسة الذي منع المياه التي كانت تتدفق على سد الجرف الأصفر، وهو السد الذي كانت تعول عليه الجزائر من أجل استغلال حديد منجم غار جبيلات، يومها تم الترويج بأن المغرب قام بهذه الخطوة من أجل منع الطريق أمام الجزائر.

أما اليوم، فهناك تحولات متسارعة تجري في القارة الإفريقية، فقد وقعت رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية اتفاق سلام بوساطة أمريكية وقطرية في واشنطن، مما عزز الآمال في إنهاء القتال الذي استمر نحو 30 عاما وأسفر عن مقتل الآلاف وتشريد مئات آلاف، ويمثل الاتفاق انفراجة في المحادثات التي أجرتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تهدف أيضا إلى جذب استثمارات غربية بمليارات الدولارات إلى منطقة غنية بالتنتالوم والذهب والكوبالت والنحاس والليثيوم ومعادن أخرى، وبموازاة مع ذلك، وافق البرلمان الجزائري بالإجماع على قانون يقضي بمنح الدولة للخواص بامتلاك 80 في المائة من حق استغلال الثروة المنجمية في الجزائر، وقبل أيام قليلة استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وفدا رفيع المستوى من شركة “شيفرون” الأمريكية، إحدى أكبر شركات الوقود الأحفوري في العالم، وهو ما يشكل بداية انفتاح الجزائر على الشركات الدولية الكبرى في مجال المعادن والطاقة، فهل سيجلب منجم غار جبيلات مستثمرين كبار في ظل حاجة الاقتصاد العالمي إلى مادة الحديد الحيوية، وكيف سيتم التعامل مع الاتفاقية المغربية-الجزائرية من طرف المؤسسات المستثمرة، أم أن أمريكا تسعى إلى حل الخلافات بين بلدان إفريقيا، مقابل جلب استثمارات ضخمة من أجل استغلال المعادن؟ وهل سيكون منجم غار جبيلات مدخلا لعودة العلاقات بين البلدين ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى