المنبر الحر

المنبر الحر | انتهت الحرب بين إيران وإسرائيل.. من نصدق إذن ؟

بقلم: بنعيسى يوسفي

    الآن وقد وضعت الحرب المدمرة والمروعة بين إيران وإسرائيل أوزارها مخلفة ما خلفته من خسائر وردود، وتصدع في المنتظم الدولي، بعد إعلان الرئيس الأمريكي لوقف إطلاق النار بشكل غير متوقع بين الطرفين، تلقفه الجميع بدون تردد، هل يصح لنا أن نتساءل عن المنتصر وعن المنهزم في هذه الحرب؟ وإذا كان الأمر كذلك، فعلى أي مقاييس ومعايير؟ وبأي مؤشرات ومعطيات وحسابات؟ هل يمكن الحديث عن منطق النصر والهزيمة من المنظور التقليدي، ونقول هذا طرف انتصر وهذا طرف انهزم، وبالتالي يخضع الطرف المنهزم لشروط الطرف المنتصر، وتفرض عليه معاهدات وشروط الاستسلام، مثلما حدث في حروب سابقة كالحربين العالميتين، حيث بمجرد ما انتهت الحرب العالمية الثانية مثلا حتى ظهر المنتصر وظهر المنهزم، وتشكلت خريطة العالم بناء على نتائج هذه الحرب، وتحددت موازين القوى بشكل مختلف ؟

ففي الحروب الحديثة بات مفهوما الانتصار والانهزام يحيلان على تعريفات غير التي عهدناها سالفا ومعه يصعب الحديث عن ثنائية الانتصار والانهزام بنفس المنطق السابق، فهل يمكن أن نتحدث عن ذلك فور انتهاء الحرب، أم نتائجها وتداعياتها قد لا تظهر في حينه، ومنه وجب الانتظار لمدة زمنية معينة حتى تنجلي الأمور وتظهر الحقائق، أم في النهاية يبقى مفهوما الانتصار والانهزام نسبيان إلى حد بعيد ؟

فالولايات المتحدة الأمريكية ومعها حليفتها إسرائيل، تقول أنها كبدت إيران خسائر فادحة على مستوى برنامجها النووي، ومن المستحيل العودة إلى هذا البرنامج ثانية، وبالتالي سيتبخر حلمها في امتلاك قنبلة نووية، ناهيك عن تدميرها للعديد من المنشآت الحيوية الأخرى واغتيال العديد من القيادات العسكرية من الصف الأمامي، ونخبة من العلماء النوويين المرموقين بشكل ينم عن اختراق استخباراتي كبير تعرفه إيران أكثر من أي وقت مضى، ومن المرجح أن تؤدي تكلفة باهظة إزاء ذلك، في الأفق المنظور على الأقل، وسيطرة مطلقة للطائرات الحربية على الأجواء الإيرانية بشكل لم يسبق له مثيل، وتجولها فيها بشكل مستباح وبحرية تامة، مما يعني أن إيران فقدت السيطرة على أجوائها كلية، ولم تعد أي طائرة إيرانية قادرة على الإقلاع من أي مطار إيراني كان. هذه الحصيلة باختصار تجعل الولايات المتحدة وإسرائيل تدعيان الانتصار لأن الأهداف التي من أجلها شنت الحرب، قد تحققت بنسبة عالية. في المقابل، إيران وبالارتباط ببرنامجها النووي، قالت أنها رحلت اليورانيوم المخصب من محطاتها النووية الثلاث إلى أماكن آمنة قبل الضربة الأمريكية الموجعة والقاصمة لمفاعلاتها النووية، وبإمكانها زرع الروح ثانية في برنامجها النووي وسيعود إلى سابق عهده أو أكثر، وبالتالي، هذا النصر الذي تنتشي به أمريكا وإسرائيل ويسوقان له، لا يوجد إلا في مخيلتهما. صحيح أن هذه المفاعلات النووية الإيرانية عرفت خسائر فادحة باعتراف القيادة الإيرانية نفسها، لكن هذا لا يعني البتة أنها اندثرت ولم تعد صالحة للاشتغال، فإيران لها من القدرات والإمكانيات والتجربة والخبرة ما يجعلها قادرة على الترميم والإصلاح وإعادة الهيكلة، هذا في الوقت الذي تتحدث فيه تقارير إخبارية عن محدودية هذه الضربات الأمريكية، ولم تصل إلى العمق، وبالتالي، باستطاعة إيران إعادة تشغيل هذه المفاعلات في أقرب وقت ممكن، وبالفعل، يبدو أن إيران باشرت بشكل مستعجل ترميم وإصلاح ما دمرته الآلة الأمريكية، وتسابق الزمن لإكمال مشروعها النووي الذي يقض مضجع إسرائيل بالدرجة الأولى والولايات المتحدة والغرب في المقام الثاني..

تتمة المقال تحت الإعلان

بالمقابل، إيران ضربت العمق الإسرائيلي بشكل مسترسل لمدة اثني عشر يوما، بصواريخ باليستية عابرة للقارات، خلفت خسائر في الأرواح وفي البنية التحتية للمدن المستهدفة.. ولم تستسلم إيران كما كان متوقعا، ووقفت الند للند مع إسرائيل، ولولا تدخل الولايات المتحدة المفضوح والمتواطئ في الحرب، وضرب المفاعلات النووية الإيرانية، لعرفت الحرب منحى آخر، وإيران وهي تحصي خسائرها وتستفيق تدريجيا من هول الضربة الأمريكية رغم تبخيس قيمتها وأهميتها، وجهت بوصلة ضرباتها إلى قطر، فاستهدفت القاعدة العسكرية الأمريكية في العديد، هذه الضربة رغم أنها لم تحدث خسائر كبيرة كما قيل، وأنها تمت باستشارة مع الإدارة الأمريكية، وتقديم الشكر من طرف الرئيس ترامب لإيران على هذا “السلوك الحضاري” في الحرب، فإنه يمكن اعتبارها نقطة تحول في الحرب، لأن الحرب دائما مفتوحة على جميع الاحتمالات، ومن الصعب التحكم فيها، وقد تدخل على الخط دول أكثر قوة وتأثيرا، فمن دون شك الإدارة الأمريكية استشعرت بهذه الضربة أن الحرب يمكن أن تتسع دائرتها، وبالتالي يمكن أن تكون الخسائر الأمريكية كبيرة، ومصالحها أصبحت على رأس الأولويات والأهداف الإيرانية، ولهذا صار من الأفيد إيقافها بأي طريقة، وهكذا، في الوقت الذي كان العالم ينتظر ردا أمريكيا قويا على ضرب قاعدة العديد، أعلن ترامب عن وقف إطلاق النار، وهو ما اعتبرته إيران رغم الترحيب به، هروب أمريكا وإسرائيل من أرض الوغى، وعدم القدرة على مجاراة إيران في هذه الحرب، هذا ما يبدو ظاهريا على الأقل.. كل هذه الحيثيات جعلت إيران تعتبر نفسها المنتصرة. صحيح أنها على مر أيام الحرب تطالب بوقف العدوان الإسرائيلي عليها باعتباره خرقا سافرا للقانون الدولي، لكن كل ذلك لم يمنعها من ضرب كبرياء إسرائيل وتقويض عجرفتها، وهي التي تشن حرب إبادة على الشعب الفلسطيني لما يناهز السنتين.

تتمة المقال تحت الإعلان

إسرائيل والولايات المتحدة تقولان أن الأهداف التي من أجلها تم خوض الحرب مع إيران، قد تحققت، بينما تقول التقارير أن هذه الأهداف لم تتحقق كاملة، ورغم ذلك تنتشي إسرائيل وأمريكا بالانتصار في هذه الحرب، وتتوعدان إيران بالضرب مرة أخرى إذا سولت لها نفسها التفكير ثانية في إحياء برنامجها النووي بالخصوص. إيران تقول أنها حصنت اليورانيوم المخصب عن القنابل الأمريكية والتي يبدو في ذلك أنها استهدفت السراب، واستعرضت القوة فقط، خاصة إذا استحضرنا شكوك رئيس المنظمة الدولية للطاقة الذرية، الذي يقول أن إيران ربما نقلت اليورانيوم إلى أماكن غير معروفة إلى الآن، ضربت الكبرياء الإسرائيلي الذي يظن أن ليس هناك في الوجود يد قد تصل إليه، ضرب القاعدة الأمريكية في قطر، وبالتالي، لقنت درسا قاسيا لأمريكا، بأنها لا قوة يمكن أن تقف في وجهها إذا مست مصالحها، كل هذا وغيره جعل خامنئي يعلن النصر في هذه المعركة ويدعو الإيرانيين إلى الاحتفال.. فمن نصدق نحن إذن ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى