المنبر الحر | هل من سبيل إلى إصلاح عميق لتعليمنا العالي ؟

بقلم : عثمان محمود
لا يخفى على أحد أن تعليمنا العالي قد وجد له في العقود الأخيرة مكانا على طول وعرض جهات بلدنا الغالي، فتعددت بذلك الجامعات والكليات متعددة التخصصات والمعاهد والمدارس العليا بأنواعها المختلفة، كما دخل القطاع الخاص الغمار فاستقطب فئة من الطلبة والطالبات، وساهم في إمداد البلد بالكفاءات والأطر في مختلف المجالات، ولم يعد بذلك أي عذر أمام الطالب والطالبة لإكمال الدراسة العليا، كما كان عليه الحال في زمان كانت فيه الجامعات والمعاهد متمركزة في المدن الكبرى دون غيرها، إلا أن هذا التوسع والانتشار والتنوع على مستوى البنايات وانتشارها، وتعدد التخصصات وتنوعها، لم تصاحبه للأسف البالغ إصلاحات عميقة تستهدف بالخصوص الأبحاث الموكولة إلى الطلبة والطالبات، والإعداد الجيد، والتكوين المتواصل للمشرفين عليها حتى ترقى إلى مصاف الجامعات العالمية، لا نقول ذات الصيت والشهرة التي لا تضاهى، ولكن المرتجى هو تلك المراتب المشرفة التي “يا للحسرة” لا نجد في الغالب جامعاتنا تحتلها، كلما أعلن عن مثل تلك التصنيفات بين الحين والآخر، بل الأنكى من هذا، أننا في الأعوام الأخيرة بتنا نعيش هزات ارتدادية تحمل طابع الفساد والغش الذي يسيئ إلى الشواهد الجامعية، لعل آخرها الفضيحة التي تردد صداها في مدينة أكادير، من هنا وجب الاشتغال المكثف والعمل الدؤوب قصد وضع تعليمنا العالي على السكة الثابتة قصد السير البعيد في الاتجاه الصحيح حتى يكون بمثابة القمة الشاهقة التي يطمح إلى بلوغها كل طالب وطالبة عدتهما الكد والجد والإبداع والابتكار والتنافس الشريف الذي يكلل بمنح الشواهد في نهاية المسار الدراسي عن جدارة واستحقاق، الأمر الذي يعلي من شأن الطالبات والطلبة، والمعاهد والجامعات والكليات، وبالطبع الأساتذة والأستاذات المكونين والمؤطرين والمشرفين، على حد سواء، وهذا لا يتم – من منظوري الشخصي- إلا بإعادة الاعتبار للامتحانات الإشهادية، لأن الترهل الذي أصابها على مستوى الطرح والتناول جعل التلميذة والتلميذ لا يبذلان ذاك المجهود الحقيقي والمرجو، إذ هي امتحانات يغيب عنها قياس التحليل الدقيق، وتحريك الفكر النقدي القويم، وإثارة الحس الإبداعي والابتكاري، ومن تم الوقوف عند الكفاءات والملكات التي تخول صاحبها أو صاحبتها ولوج هذا التخصص أو ذاك في هاته الكلية أو هذا المعهد، عن رغبة ومقدرة، بدل الاتكال على المعدلات المنتفخة التي تشكلها بالأساس الساعات الداعمة التي يصرف عليها من جيوب الآباء والأمهات بسخاء مع الانطلاقة الفعلية للموسم الدراسي يوما بعد يوم على مدار أشهر ذاك الموسم الدراسي.
مسألة أخرى ينبغي الوقوف عندها أثناء الحديث عن الفساد الذي دب في أوصال تعليمنا العالي، وأعني بها ما يطلق عليه الترقي بالشواهد، فالعديد من الموظفين والموظفات وجدوا في ذلك فرصة مواتية لتغيير الإطار، أو الانتقال من قطاع إلى قطاع آخر ضمن الوظيفة العمومية أو الخصوصية، ولهذا كان هذا التهافت على نيل الشواهد العليا حتى ولوكان بطرق ملتوية، أو على الأقل بأسلوب يغيب عنه الجهد المضني، والبحث الدقيق والعميق الذي يأتي بالإضافة ويقدم الجديد، فصارت بذلك الملفات الشخصية لأولئك الموظفين والموظفات تعج بالشواهد العليا التي خولتهم الترقي في سلم الوظيفة التي يشغلونها دون أن يكون لتلك الشواهد أثر واضح على مستوى العمل الذي يزاولنه، فليستبدل إذن، هذا النوع من الترقي بامتحانات مهنية تكون في نهاية تكوين مستمر يستفيد منه الموظف ماديا ومعرفيا، وإلى جانبه القطاع المشغل له على مستوى الإنتاج والعطاء، بدل تلك الشواهد التي تبقى في غالب الأحوال مجرد أوراق تحمل تواريخ وتوقيعات..
إن التعليم العالي محطة مهمة في حياة تلميذة وتلميذ الأمس، طالب وطالبة اليوم، كما أنه عنوان رقي وسمو المجتمع في سلم البحث، والابتكار، والاختراع، والإبداع.. فلتعمل الجهات المسؤولة على إعداد الأستاذات والأساتذة الأكفاء بالأعداد الكافية من أجل الرفع من مستوى البحث الجامعي الذي يحفز الطالب والطالبة على بذل الجهود تلو الجهود من أجل الحصول على الرتب المشرفة، والشواهد العليا في أبهى حللها وأجمل صورها، بحيث يكون لها حينئذ أثر واضح فيما يسند لهم من مهام ومسؤوليات، معرفيا وأخلاقيا.



