تقرير | لماذا فشل التحالف بين المثقفين والسلطة ؟
مؤسسة الفقيه التطواني تطرح سؤال النخبة

الرباط – الأسبوع
اعتبر باحثون وأكاديميون، في ندوة عقدتها مؤسسة الفقيه التطواني مؤخرا، أن النخبة المغربية، سواء السياسية أو المثقفة، تعيش أزمة حقيقية خلال العشرين سنة الأخيرة، بسبب فقدانها لدورها التأطيري والمحوري داخل المجتمع، وعدم قدرتها على مواكبة التحولات العصرية، خاصة على مستوى التحول الرقمي، وتواريها عن الأنظار أو التزامها الصمت فيما يحصل من قضايا وتحولات مجتمعية يصعب تحليلها ومعرفة أبعادها في المستقبل في غياب التحليل والبحث الأكاديمي.
في هذا الصدد، تقول جميلة السيوري، رئيسة جمعية عدالة، أن النخبة المغربية المكونة من السياسيين والحقوقيين وكل الفاعلين، أصبحت تجد صعوبة لبلورة مشروع تغييري شامل ومنسجم ومندمج، لأن هناك توترا مستمرا بين تبني الخطاب الإصلاحي الحداثي وبين البنية التقليدية التي تعقد مسار هذا التغيير، إذ لا يمكن فهم الإشكالية دون وضعها في سياق السياسي والاجتماعي، خاصة وأن النظام السياسي المغربي مركزي، وهذا ما يخلق نوعا من الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها في الخطاب السياسي، مما جعل الكثير من الفاعلين السياسيين والحقوقيين يرتكنون إلى الإصلاح، معتبرة أن الانفتاح في المغرب محدود ومراقب، وظل دائما محاطا بالرقابة والتضييق، مما جعل المجتمع المدني يتحرك ضمن هامش محدد، وبالتالي، لا يمكنه أن يخلق سوى خطابا حقوقيا يحاول أن يوفق ما بين الضغط من أجل التغيير وتجنب التصادم مع الدولة.
وقالت السيوري: “لدينا في المجتمع تعددا للهويات والانتماءات، أمازيغ وعرب، محافظون وعلمانيون، مما يصعب معه إنتاج خطاب موحد أو مسار موحد، لأن هذه المسألة تثير انقسامات متعددة، لذلك نجد أن كل فاعل له مصلحة، وبالتالي جعل الخطاب الإصلاحي يقدم الحل الوسط، ويراعي التوازنات المجتمعية، وأن كل إصلاح تشريعي أو قانوني يقدم التوازنات المجتمعية، حيث نتبنى نفس التوجه مثل الدولة، ونعتبره رهانا على الاستقرار وتجنب الفوضى، والخطاب الحقوقي الإصلاحي أصبح بديلا مسؤولا يراعي السياق المحلي بدل المطالبة بالتغيير الجذري، وهنا وقعت قطيعة مع التغيير الجذري كما كان سابقا، وكان الخطاب السياسي يعطلها، ونحن نحافظ على الوسطية ونحاول ألا نصطدم مع الدولة”.
بدوره، يقول المحلل السياسي محمد شقير، أنه بعد التسعينيات، برزت نخب أخرى جديدة، ولكن بعقم تنظيري ينعكس من خلال ما نلاحظه مما يسمى الخطاب الشعبوي، وهو نتاج انعكاس لهذا العقم، فبدل أن تنتج هذه النخب مفاهيم ومعرفة جديدة، نجدها تتبادل الألفاظ وتتقاذف مجموعة من النعوت، وميعت المشهد السياسي وأدت إلى ما نسميه بالعزوف السياسي، بقدر ما كانت النخب السابقة تقوم بالتأطير الفكري والسياسي، أصبحنا نرى أن هذه النخب أدت إلى إبعاد وإقصاء وعزوف هيئات شبابية كانت ترغب في ولوج الحياة السياسية، مذكرا بمساهمات النخب الحزبية القديمة مثل علال الفاسي وبن الحسن الوزاني وعبد الله إبراهيم، حيث ترك هؤلاء الزعماء إرثا معرفيا وسياسيا في كل القضايا، لعبت دورا في تأطير كل التحولات التي عرفها المغرب في بناء الاستقلال.
وقال شقير: “إن النخب الحزبية اليوم تعاني من عقم تنظيري، فهي لا تلتقط أي معالم أو تحولات، بدليل أن المغرب عرف عدة حراكات شعبية، لم تلتقطها هاته النخب لتؤطرها بشكل من الأشكال، مثل حراك عشرين فبراير، الذي شكل منعطفا سياسيا قويا، للأسف لم تستطع النخب تأطيره أو تنظيمه، ولا تجاوزه، وهو ما أظهر أن هاته النخب لا تمتلك الحس الاستباقي التأطيري، زد على ذلك الحراكات الأخرى كحراك سيدي إفني وحراك الريف، ومع ذلك وجدنا أن هاته النخب كانت في واد والحراكات كانت في واد آخر”.
واعتبر شقير، أن النخب الحزبية أبانت عن ضعفها وعدم قدرتها على بلورة الأفكار السياسية، وليست لها القدرة على تأطير التحولات التي عرفها المغرب، مما يؤدي إلى شلل تنظيمي، من هنا يطرح الإشكال الأساسي، على أي مستوى يتم تجديد هاته النخب، التي تعاني من العقم، مضيفا أنه لا يجب أن تستند إلى أسس فكرية قديمة، ولابد من تحول النخب والأحزاب من الوطنية إلى أحزاب مواطنة، تساهم فيما يحتاجه المغرب من تكوين وتأطير للمواطن.
من جهته، اعتبر أحمد عصيد، أن النخبة الحديثة ساهمت في الانتقال من الطابع التقليدي للمجتمع لدولة نحو الطابع الحديث، بترسيخ الفرد والفردانية، من خلال مفهوم الإبداع، والثقافة المؤسساتية الحديثة، ومساعدة الأفراد في الاندماج في الوسط الجديد، ثم مفهوم المواطنة، وهو مفهوم مركزي في النخبة الثقافية، عبر انتشال المغربي من مفهوم الجماعة إلى المواطنة، والانتقال إلى المجتمع، بعدما كانت النخبة تفكر في إطار مفهوم الأمة والجماعة، ولكن بمجيء النخبة الثقافية، أصبح التفكير في مجتمع بمفهوم عصري، مبرزا أن التطور المغربي للنخبة الثقافية كان يقابله نوع من التردد من طرف الدولة، وهذا ما خلق نوعا من التباعد بين النخبة المثقفة والتجربة السياسية الديمقراطية للدولة.
وحسب عصيد، فإن “النخبة الثقافية كانت تعتبر نفسها تدافع عن المسحوقين، ولكن فيما بعد وجدت نفسها في صراع على جبهتين، لأنها في البداية كانت تصارع السلطة من أجل المجتمع، فوجدت نفسها لم تعد مفهوما من طرف المجتمع ذاته، والسبب أن الدولة نجحت في الاستفراد بالأمر في النهاية بدون شراكة ولا تقاسم للسلطة، عكس التجارب التي نجحت بفضل تحالف بين النخبة الحداثية وأصحاب القرار السياسي، وكانت النخبة الثقافية متضامنة ومتعاونة مع دولة حداثية التوجه، وهذا ما جعل إمبراطور اليابان مثلا، يختار التحديث على التقليد وينحاز إلى النخبة المثقفة”، وأضاف: “عندما تصبح النخبة غير مفهومة من طرف المجتمع، وليست مسموعة على مستوى الدولة، فإنها تعيش أزمة حقيقية، وعلى مستوى علاقة النخبة الثقافية بالدولة، تستشير الدولة أعضاء النخبة الثقافية في أمور كثيرة، مثلا دستور 2011 ساهم فيه الكثير من المثقفين، وفي اقتراح صياغتها للنموذج التنموي الجديد، لهذا نجد مفاهيم النخبة حاضرة عن الخطاب السياسي للدولة والكثير من الوزراء وفي البرلمان، لكنها لا تفعل عمليا، مثل النموذج التنموي منشور ومرت عليه سنوات، ولكن الحكومة الحالية في برنامجها الحكومي، غير مهتمة بتفعيل ما ورد فيه”.



