تحقيقات أسبوعية

تحت الأضواء | هل ينجح رئيس النيابة العامة في مكافحة الفساد أمام عراقيل الحكومة ؟

الفرق بين عبد النباوي وهشام بلاوي

الرباط – الأسبوع

    شكل قرار هشام بلاوي، رئيس النيابة العامة، بتحريك جميع الملفات المرتبطة بـ”الفساد الإداري والمالي”، الحدث البارز خلال الأسبوع الجاري، بعدما أعطى تعليماته للنيابات العامة في مختلف المحاكم، بإحالة جميع الملفات والتقارير التي توصلت بها رئاسة النيابة من المجلس الأعلى للحسابات ومن المفتشية العامة للإدارة الترابية، على الفرقة الوطنية للشرطة القضائية وفروعها الجهوية، وفرقة الدرك الملكي.

قرار رئيس النيابة العامة الجديد المعين حديثا من قبل الملك، فاجأ الجميع، وحرك المياه الراكدة والصمت الحكومي عن ملفات الفساد وغياب الإرادة السياسية لدى الحكومة في تفعيل وتطبيق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد المجمدة منذ تعيين حكومة أخنوش، مما يطرح التساؤل: هل هناك توجيهات ملكية إلى رئيس النيابة الجديد للضرب بيد من حديد على جميع المتورطين والمتهمين في قضايا الفساد؟ وهل هناك سياسة جديدة لدى رئاسة النيابة العامة للقيام بدورها باستقلالية تامة بعيدا عن الحكومة، وعن حسابات الأحزاب السياسية ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

فقد أثارت مبادرة رئيس النيابة العامة، هشام بلاوي، مخاوف وقلق العديد من المنتخبين ورؤساء الجماعات ومجالس العمالات والأقاليم، الذين يعيشون حالة من الخوف والترقب من هذه العملية القضائية الجديدة، التي تتعلق بإحالة جميع التقارير المتعلقة بالاختلالات المالية في تدبير الموارد المالية للمؤسسات والجماعات والمجالس والصفقات العمومية، ما يجعل هؤلاء يطرقون أبواب أحزابهم خوفا من أن تسقطهم التحقيقات القضائية قبل موعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، مما يجعل مسارهم السياسي مهددا بالانهيار..

تتمة المقال تحت الإعلان
صبري الحو

في هذا السياق، يرى المحامي والخبير القانوني صبري الحو، أن رئيس النيابة العامة الجديد وجه “ضربة معلم” لوزير العدل عبد اللطيف وهبي، في مبادرته بإحالة جميع تقارير المجلس الأعلى للحسابات إلى البحث التمهيدي، وهو بذلك يطلق سياسة جنائية جديدة في إطار ثابت الخيار الديمقراطي الدستوري، مضيفا أن رئيس النيابة العامة والوكيل العام لمحكمة النقض الجديد، هشام بلاوي، قطع الشك باليقين وانتصر لدور واختصاص النيابة العامة في محاربة الفساد والتصدي للجريمة.

وقال الحو، أن “رئيس النيابة العامة بذلك لا يتجاوز القيود التي تفرضها المادة 111 من المدونة المالية، لأنها غير متصلة بالنظام العام وليست منظمة في قواعد آمرة، بل إن رئيس النيابة العامة الجديد يستبق أيضا ما تتضمنه المادة الثالثة والمادة السابعة من قانون المسطرة الجنائية الجديد المصادق عليه”، متسائلا: هل هي “ضربة معلم” وجهها رئيس النيابة العامة إلى وزير العدل وإشارة قوية تجسد إرادة الدولة لربط المسؤولية بالمحاسبة والمساواة أمام القانون، وتدشين لسياسة جنائية جديدة ضد الفساد.. وفي ذلك إنذار للأغلبية الحزبية المتعسفة التي تشرع ضد ثابت المسار والخيار الديمقراطي ؟

وأكد صبري الحو أن محاربة الفساد تحتاج لسرعة المداهمات والتفتيش، والحجز وحماية الشهود والاعتقالات وسرعة البت، أما التراخي والقيود والشكليات الغير مرتبطة بالحقوق والحريات وتمطيط المساطر، فهي توفر بيئة لاستبداد وتغول المفسدين، وتساهم في تطبيع الجميع مع آفة الفساد.

وحسب بعض المحللين، فإن خطوة هشام بلاوي رئيس النيابة العامة بإحالة جميع تقارير المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة لوزارة الداخلية، والتي تتضمن اختلالات ذات صبغة جنائية، لقيت ترحيبا كبيرا من فعاليات المجتمع المدني ونشطاء حماية المال العام والحقوقيين، لكنها تطرح سؤالا جوهريا يشغل الرأي العام، وهو لماذا ظلت هذه الملفات عالقة منذ عدة أشهر أو سنوات، ولم يتم تحريكها؟ هل كانت النيابة العامة في الفترة السابقة عاجزة عن القيام بدورها، أم أنها لا تمتلك الوسائل والآليات لتحريك هذه الملفات والقضايا، أم أنها جاءت بفعل الضجة التي خلقتها وزارة العدل بمنع وتقييد جمعيات المجتمع المدني من الترافع في قضايا الفساد ؟

ووفق المحللين، فإن تحرك رئاسة النيابة العامة بهذه الكيفية، ربما جاء للتفاعل والتجاوب مع الضغط الذي تمارسه جمعيات المجتمع المدني والهيئات الحقوقية الرافضة للمادتين 3 و7 من مشروع قانون المسطرة الجنائية، الذي جاءت به وزارة العدل، ما جعلها تتهم الحكومة بعرقلة دور المجتمع المدني في الترافع عن قضايا الفساد، والمساهمة في تخليق الحياة السياسية وتطهير مجال تدبير الشأن الجماعي والوطني من بعض المفسدين، ومحاربة الريع والإثراء غير المشروع ونهب المال العام.

فبالرغم من أن رئيس النيابة العامة أعطى تعليماته بإحالة جميع تقارير المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة لوزارة الداخلية، على المصالح الأمنية للتحقيق فيها، إلا أن الإشكالية المطروحة هي هل يتوفر رئيس النيابة العامة على السلطة التقديرية أو الآلية القانونية التي تمكنه من تحريك التحقيقات والبحث بدون توصل رئاسة النيابة بطلبات أو رسائل من المجلس الأعلى للحسابات أو الإدارة الترابية بخصوص تحريك المتابعة بناء على التقارير فقط ؟

في هذا الإطار، يقول محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام: “إن رئيس النيابة العامة لا يملك مطلقا حق إصدار تعليماته إلى الشرطة القضائية لإجراء الأبحاث الضرورية بشكل تلقائي على خلفية تقارير مجلس الحسابات، إذ لا يملك، أي رئيس النيابة العامة، أن يضع يده على تلك التقارير تلقائيا دون أن تحال عليه من طرف الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات”، مضيفا أن المادة 111 من مدونة المحاكم المالية، لا تعطي لرئيس النيابة العامة صلاحية إحالة تلك التقارير بشكل تلقائي على الشرطة القضائية لإجراء الأبحاث الضرورية، لأنه لا يوجد في القانون ما يسندها ويعضدها.

وأوضح الغلوسي، أن “الأفعال التي يظهر أنها تكتسي صبغة جنائية في تقارير المجلس الأعلى للحسابات، لا بد وأن يحيلها الوكيل العام للملك لدى المجلس على الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيسا للنيابة العامة، حتى يتأتى لهذا الأخير إصدار تعليماته إلى الشرطة القضائية مرفوقة بتقارير المجلس الأعلى للحسابات ذات الصلة، أو أن يحيلها على الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف المختصة، ليقوم بالمطلوب قانونا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى