المنبر الحر

المنبر الحر | حين يصبح التعليم “ماستر كارد” للفساد

بقلم: عزيز مطيع

    في المغرب، لم يعد التعليم العالي سلما للارتقاء، بل أصبح سلما كهربائيا لا يصعد عليه إلا من يدفع الثمن.. نقدا، وعلى دفعات. وآخر فصول المسرحية وقعت في كلية الحقوق بجامعة ابن زهر بأكادير، حيث تفتق ذهن أستاذ جامعي -دعونا نحتفظ له بلقب “بروفيسور”، فالألقاب عندنا لا تُسحب إلا من الفقراء – عن اختراع عبقري: ماستر مؤدى عنه، يمنح بلا دراسة، ولا حضور، ولا حتى تعب السهر على الكتب… فقط شيك بنكي وكلمة سر: “سي البروفيسور، راه عندي واحد صاحبي باغي يخدم فالديوانة”.

بكل جدية، نحن أمام نموذج فريد من نوعه: أستاذ جامعي متهم بالتحرش الجنسي، والاسترزاق بالشواهد، وابتزاز الطلبة، وتكوين شبكة لتسويق الماسترات، وتحويل الجامعة إلى شركة مساهمة في بيع الأحلام المؤطرة بختم الدولة.

ثمانية مليارات سنتيم في حساب زوجته المحامية، وهذا ليس عنوانا لفيلم هندي، بل هو ما ضبطته السلطات القضائية في حساب زوجة “البروفيسور”، التي لا نعلم إن كانت تمارس المحاماة، أم “تدافع” عن العُملة الصعبة! ورغم كل هذا، فإن المحاكمة تسير بنعومة، مثل ماستر “الحكامة الأمنية” الذي أسسه “البروفيسور”، والذي أثبت عمليا أن الأمن لا يُحكم بالقانون، بل بالتحويلات البنكية.

تتمة المقال تحت الإعلان

أما الطامة الكبرى، فهي أن هذا الماستر الذي كان يُمنح مقابل مبالغ مالية ضخمة، مكن لصوصا محترفين، ومحامين متمرنين، وموثقين مشبوهين، من اعتلاء مناصب حساسة في الدولة. نعم، يا سادة، لدينا مسؤولين اليوم يديرون مؤسسات عمومية بشهادات مزورة، حصلوا عليها بنفس الطريقة التي نشتري بها بطاقة التعبئة.

تتمة المقال تحت الإعلان

هذا ليس خيالا.. هذه شهادات أشخاص أكدوا أنهم لم يحضروا محاضرة واحدة، ولم يجتازوا امتحانا، لكنهم دفعوا “التسعيرة” للبروفيسور، وخرجوا من الجامعة بشهادة عليا، وربما صورة سلفي مع الشهادة لإثبات “الإنجاز العلمي”.

هل نلوم الأستاذ وحده؟ طبعا لا.. فـ”الكومبارس” في هذه المسرحية كثيرون: مسؤولون جامعيون صامتون، إداريون متواطئون، وزبناء نافذون، وأطر عليا تقف اليوم على رأس مؤسسات وهي لا تفرّق بين “المبادئ القانونية” و”المعجنات القانونية”.

وفي الوقت الذي يُفترش فيه السجاد الأحمر أمام المزورين، يُسحق الشباب الحقيقي، المتفوق، الحاصل على شواهد بعرق الجبين، في مباريات مهزلة، كما حدث مع ضحايا امتحان الأهلية للمحاماة، حيث تحول الاستحقاق إلى مسابقة في العلاقات العائلية والمالية، وانتصرت الرداءة على الكفاءة، والزبونية على العدل. ويساق الباحثون المتمكنون إلى المجالس التأديبية وردهات المحاكم، ويجلدون بشتى أنواع الجلد.

المؤسف أن كل هذا يحدث في صمت رسمي.. وكأن الجامعة أصبحت محمية لا يجرؤ أحد على مساءلة رؤوسها.. فهل يُعقل أن يتم تسويق شواهد عليا على مرأى ومسمع من الجميع دون أن يتحرك عميد أو رئيس جامعة، أو حتى حارس ليلي ؟

الجامعة اليوم في المغرب لا تُنتج المعرفة، بل توزع الشواهد، أصبحت أشبه بمطبعة سرية تحت غطاء البحث العلمي، أما المثقفون الحقيقيون، فهم في الهامش، مهمشون، محاربون، مهددون بالبطالة، أو التهجير، أو النسيان.

في الختام، لا يسعنا إلا أن نسأل “البروفيسور قيلش” سؤالا مباشرا: هل يمكننا الحصول على “ماستر” في الأخلاق، أم أن هذا الماستر غير مدرج ضمن التخصصات المتاحة ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى