تحقيقات أسبوعية

للنقاش | الحكومة التي تأخذ “القروض” وتبيع القرود

الحسابات الضيقة للأحزاب والانحطاط السياسي

بقلم: مصطفى السباعي

    وأنا أتصفح جريدة “الأسبوع”، استوقفني العنوان العريض: “ظهور ملامح صراع انتخابي بين الاستقلال والأحرار حول تدشين الطريق السيار المائي”، حتى إنه استفزني، إذ ربط بين تنفيذ جزء من مشروع استراتيجي يتبناه الملك محمد السادس ويشرف عليه شخصيا، يهم إشكالية الماء، التي اعتبرها جلالته من أهم التحديات التي تزداد حدة بسبب الجفاف، وتأثير التغيرات المناخية، والارتفاع الطبيعي للطلب، إضافة إلى التأخر في إنجاز بعض المشاريع المبرمجة، في إطار السياسة المائية، وبين صراع أو تنافس سياسي بين حزبين سياسيين ينتميان للأغلبية الحكومية.  

وتساءلت كيف تستسيغ مكونات الحكومة، وأقصد هنا الوزراء شخصيا، إقحام مشاريع يقال عنها استراتيجية ومهيكلة وغير مسبوقة، وهلم جرا من النعوت والأوصاف الغليظة، في صراعات ضيقة بين هذا الوزير وذاك، فقط للاختلاف في الانتماء الحزبي، وإن كانت الأحزاب في التمثل الثقافي لمعظم المغاربة مجرد ألوان “بحال بحال”.. الأمر نفسه برز إلى العلن فيما يعرف بفضيحة الدعم العمومي لتجار الأزمات، “فراقشية” استيراد الأغنام واللحوم كما صار المجتمع ينعتهم، والواقع أن المغاربة لن يهمهم أي وزير دشن هذا السد أو ذاك، ولا يمكن أن يكون حدث تدشين سد ورقة انتخابية يعول عليها هذا الحزب أو ذاك.

علاقة بموضوع تدبير أزمة الجفاف، استفزتني مجموعة من الأخبار المنشورة على مواقع إخبارية متخصصة في سوق الخضار والفواكه.. هذه المنتجات التي يشكل الماء أهم مكون من مكوناتها البيولوجية، مختلف الأخبار تفيد أن المغرب، والمقصود هو المصدرين المغاربة المتخصصين في هذا النوع من المنتوجات الفلاحية، يحطمون الأرقام القياسية سنة بعد أخرى في تصدير الخضر والفواكه المنتجة محليا، بوسائل إنتاج مغربية من موارد مائية وبشرية وتربة وسماد… لنقرأ هذه العناوين على سبيل المثال من موقع east-fruit.com، المتخصص في تجميع ونشر وتعميم معلومات عن أسواق الخضراوات والفواكه والتوت والمكسرات في شرق أوروبا وآسيا الوسطى:

تتمة المقال تحت الإعلان

– المغرب يحقق رقما قياسيا في صادرات الطماطم إلى النرويج (30 أبريل 2025)؛

تتمة المقال تحت الإعلان

– المندرين المغربي النادوركوت: نجم الحمضيات يتوسع عالميا (25 أبريل 2025)؛

– المغرب يحقق رقما قياسيا في تصدير الجزر للسنة الخامسة على التوالي (9 أبريل 2025)؛

– قطاع الطماطم في المغرب ينمو رغم سنوات من تحديات الجفاف (8 أبريل 2025)؛

– الازدحام في ميناء طنجة المتوسط ​​يهدد صادرات الفاكهة المغربية (4 أبريل 2025)؛

– ارتفاع الطلب وارتفاع غير عادي في أسعار الفلفل المغربي (22 مارس 2025)؛

– نمو الصادرات والأسواق الجديدة – المغرب يعزز مكانته في سوق الأفوكادو العالمية (21 مارس 2025)؛

– التوت الأزرق المغربي: قصة نجاح عالمية مدفوعة بعرض بيع فريد (21 مارس 2025)؛

– المغرب يوسع صادراته من التوت الطازج إلى المملكة المتحدة (6 مارس 2025)؛

– التوت البري: كنز من ذهب للمزارعين المغاربة في 2024-2030 عن agrimaroc.ma (7 أكتوبر 2024).

هذه المعطيات، وغيرها كثير وكثير جدا، يسائل التبريرات الحكومية بشأن غلاء أسعار الخضر والفواكه في السوق الداخلية، وبشأن ما يصطلح عليه بالإجهاد المائي، والحقيقة أن الإفراط في التركيز على المنتوجات الفلاحية الموجهة للتصدير، يعني المزيد من الاستنزاف للثروة المائية الوطنية.

طبعا، عائدات هذه الصادرات من العملة الصعبة لا تنفع المغرب والمغاربة في شيء ذي قيمة، بل يستفيد منها “فراقشية” الخضر والفواكه، وبالتالي الماء.. فقد سجل المغرب – حسب موقع Trading Economics، المتخصص في تقديم معلومات دقيقة عن 196 دولة، تهم البيانات التاريخية والتوقعات لأكثر من 20 مليون مؤشر اقتصادي وأسعار الصرف ومؤشرات سوق الأوراق المالية وعوائد السندات الحكومية وأسعار السلع الأساسية – سجل المغرب عجزا تجاريا بقيمة 10575 مليون درهم مغربي في شهر يناير 2025، وبلغ متوسط رصيد التجارة في المغرب ما قيمته ناقص 12439.88 مليون درهم مغربي منذ عام 1998 حتى العام 2024.

وفي هذا السياق، نشير إلى أن حكومتنا الموقرة قد اقترضت من البنك الإفريقي للتنمية، في شهر دجنبر 2021، مبلغ مائة وأربعة عشر مليونا وثلاثون ألف أورو (114.030.000 أورو) لتمويل برنامج دعم التنمية المندمجة والمستدامة للمناطق الفلاحية والقروية، وقرض آخر من البنك الدولي للإنشاء والتعمير، في شهر دجنبر 2021، بخصوص مشروع “برنامج أمن واستدامة المياه”، مبلغه ثلاثمائة وسبعة وعشرين مليونا وتسعمائة ألف أورو (327.900.000 أورو)، وقرض آخر من البنك الدولي للإنشاء والتعمير، في يوليوز 2022، بمبلغ مائة وواحد وستين مليونا وأربعمائة ألف أورو (161.400.000 أورو) بخصوص مشروع تأقلم واستدامة السقي، وآخر من البنك الإفريقي للتنمية، نونبر 2022، مبلغه مائة وتسعة وتسعون مليون (199.000.000 أورو)، لتمويل برنامج دعم التنمية التنافسية والمرنة لزراعة الحبوب، وقرضين آخرين من الصندوق الدولي للتنمية الفلاحية، نونبر 2023، لتمويل مشروع دعم التنمية القروية المندمجة للمناطق الجبلية في جهة الشرق، بمبلغ ستة وستين مليونا ومائتين وعشرة آلاف أورو (66.210.000 أورو)، وهذه القروض ذات علاقة مباشرة بقطاع الفلاحة، وهناك قروضا أخرى تهم إنجاز مشاريع التزود بالماء الصالح للشرب وغيرها.

من جانب آخر، وعلى سبيل المثال، تفيد معظم التقارير أن استهلاك الأفوكادو للمياه أكبر بأربع مرات من الكمية اللازمة لإنتاج نفس الكمية من البرتقال أو كيلوغرام من الطماطم، حسب موقع agrimaroc.ma.. ففي منطقة بيتوركا القاحلة في تشيلي، مثلا، يتطلب كل هكتار مزروع بأشجار الأفوكادو 100.000 لتر من المياه المروية يوميا، ويتطلب الأمر ما معدله 2000 لتر من الماء لزراعة كيلوغرام واحد من الأفوكادو وفقا لشبكة البصمة المائية le Water Footprint Network ، وهي منظمة هولندية تقوم بحملات من أجل إدارة أفضل للموارد المائية.

فيما يتطلب العنب البري ما متوسطه 15 إلى 20 م3 للهكتار يوميا من مياه الري، وتصل إلى 80 م3 للهكتار يوميا في الصيف، فالتوت الأزرق حساس جدا للإجهاد المائي أثناء الإزهار وتجميع الثمار، ويضيف المصدر نفسه أن جودة المياه تعد عاملا حاسما بالنسبة للتوت الأزرق، غالبا ما يتم تحمض مياه الري، بحيث تظل التربة نفسها حمضية.

وإذا تأملنا الوضع، فإننا قد دخلنا السنة السابعة من الجفاف، حيث بلغ المغرب مستوى الندرة القصوى للمياه في عام 2018، لتظهر تأثيرات الجفاف بشكل فعلي منذ العام 2019، لتزداد حدتها تدريجيا عاما بعد آخر، وفي المقابل، كلما ازدادت حدة الجفاف كلما ارتفع حجم الصادرات من المنتوجات الفلاحية، بل تسجل كل عام أرقاما قياسية جديدة تتجاوز أرقام الأعوام السابقة، وهو أمر مثير للاستغراب، لأنه غير منطقي من ناحية، ومستفز من ناحية ثانية، كما دخلنا الدائرة الضيقة في رهن البلاد والعباد للمؤسسات البنكية الدولية..

هذا وجه آخر للإجهاد المائي الذي يعاني منه المغرب، وهناك وجه آخر هو استنزاف شركات تعليب المياه للفرشات المائية.. “فراقشية” من نوع آخر.

وكل عام ولْجَفاف للْمغاربَة، والحكومة تاخْذ لْقُروض وتْبيع لينَا لَقرُود، وفْلُوس اللْبَّان يْدِّيهُوم لْفْراقشي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى