تحقيقات أسبوعية

متابعات | الدولة الاجتماعية بين الرهانات وصعوبة التمويل وخوصصة الخدمات العمومية 

إعداد: خالد الغازي

    يرى العديد من الخبراء والمحللين، أن رهان الدولة الاجتماعية صعب للغاية في ظل التحديات والإكراهات التي تحيط بهذا المشروع، سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، وأيضا التداعيات الدولية التي تؤثر على السياسات العامة المتبعة من قبل الدولة من أجل الحفاظ على هذا المشروع، الذي يعاني من العديد من الصعوبات، خصوصا المالية، والتي تؤثر على جودته واستمراره..

فقد سلط خبراء ومحللون في ندوة بعنوان: “الدولة الاجتماعية، المرجعيات، السياسات والرهانات”، في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي بالرباط، (سلطوا) الضوء على مفهوم الدولة الاجتماعية والذي يبقى مفهوما صنعه الفاعل السياسي أو الانتخابي، يلفه الكثير من الغموض والتساؤلات في ظل ارتباطه بمشروع الحماية الاجتماعية أو الرعاية الصحية، مما يطرح العديد من التساؤلات حول مفهوم الدولة الاجتماعية.

تتمة المقال تحت الإعلان

ويؤكد بعض الخبراء أن الدولة الاجتماعية يجب أن توفر كافة الخدمات العمومية الضرورية للمواطنين، ولا يجب أن تقتصر على القطاع الصحي فقط، بل تشمل التعليم والسكن والشغل ومستوى العيش الكريم، معتبرين أن تنزيل هذا المفهوم وفق النموذج التنموي يصطدم بتحديات ورهانات صعبة، خاصة على مستوى التمويل والاستمرارية.

تتمة المقال تحت الإعلان
عبد الحفيظ أدمينو

في هذا السياق، يرى عبد الحفيظ أدمينو، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس، أن الدولة الاجتماعية هي التي تتبنى سياسات عمومية تهدف إلى تحقيق العدالة المجالية وضمان الولوج إلى الخدمات العمومية وتوفير الحماية الاجتماعية، وترتكز على أربعة ركائز أساسية: الركيزة الأولى هي العدالة الاجتماعية، المرتبطة بالتوزيع العادل للثروة وللفرص، من خلال سياسات ضريبية تصاعدية ودعم الفئات الهشة من خلال مشروع الدعم المباشر مثلا، وترتكز أيضا على محاربة الفقر والإقصاء عبر برامج الدعم المالي، والدولة قادرة على توفير الخدمات العمومية الشاملة المرتبطة بالصحة والسكن التعليم وغيرها.

وقال أدمينو – خلال مداخلته في الندوة – أن “المرتكز الخامس يقوم على أساس التوازن بين منطق اقتصاد السوق ومنطق الحماية والعدالة الاجتماعية، وهذا هو التحدي، وهذا النموذج اليوم يراد أن يوازن ما بين قواعد اقتصاد السوق وتحقيق العدالة الاجتماعية، وهو اليوم ما يفسر تسيد خطاب الدولة الاجتماعية في الخطاب الرسمي، سواء على المستوى الوطني أو المستوى الدولي”، متسائلا كيف يمكن أن نطلب من دولة ليبرالية ونيوليبرالية أن تحقق هذا البعد الاجتماعي في برامجها وسياستها؟ وكيف للصلاحيات الممنوحة اليوم للجماعات الترابية في المجال الاجتماعي، أن تضمن فعالية الدولة الاجتماعية؟ على اعتبار أن الدولة الاجتماعية لها تجسيد ترابي، خاصة وأن كل البرامج والسياسات يتم تنزيلها ترابيا، وأيضا الجماعات الترابية حسب النصوص القانونية المؤطرة لها والتي لها بعض الصلاحيات ذات الطبيعة الاجتماعية.

وتحدث الأستاذ الجامعي عن الوظائف الاجتماعية بين الفاعل المركزي والترابي، وانتقائية الفاعلين على مستوى ضمان فعالية السياسات العمومية الاجتماعية، حيث أن المغرب اختار منذ الاستقلال نموذج اللامركزية في إطار الدولة الموحدة القائمة على أساس نمط التسيير الإداري، محتفظة بكافة الصلاحيات ذات الطبيعة التشريعية والتنفيذية، وبالتالي، فالدولة احتكرت صلاحية الإنتاجي والمعياري والتنظيمي على المستوى المركزي، واحتكرت سلطة إنتاج السياسات العمومية، على الرغم من حركة اللامركزية عبر العالم التي طالت جهاز الدولة وكذلك الفعل العمومي بالنسبة المغرب، حيث أنه في العديد من الدول أصبحت اللامركزية بمثابة لمسات أخرى، كملاءمة الخدمات العمومية مع الخصوصية، واختيار الناخبين، إضافة إلى الاستجابة للمنطق التدبيري في اللامركزية الإدارية المرتبطة بهاجس الفعالية والنجاعة، إضافة إلى المواطنة وتعزيز الرقابة على السياسات العمومية.

وأكد نفس المتحدث، أن للجماعات الترابية دور أساسي في بناء أسس الدولة الاجتماعية، بعد التحولات المؤسساتية والتنظيمية التي تمثلت في نقل الاختصاصات والموارد المالية والضريبية، وتمتيع المجالات الترابية بالسلطات والقدرات التنظيمية، وبالتالي، فالحديث عن الأدوار الاجتماعية للجماعات الترابية هو حديث للضرورة عن توسيع الاختصاص ما بين الوطني والمحلي، وطبيعة الاختصاص المسندة إلى الجماعات الترابية، والقدرة القانونية والصلاحية القانونية الممنوحة للجماعة الترابية، وهي صلاحية وقدرة متواضعة جدا، مضيفا أن مجال التدخل يعرف نوعا من التحدي، وبالتالي، فالسياسات الاجتماعية العمومية التي يتم اعتمادها في إطار الدولة الاجتماعية من قبل الفاعلين المركزيين، في حاجة إلى أن ترسو على المستوى الترابي من أجل إعمالها وتنفيذها، وذلك وفق الفصل 137 من الدستور الذي تطرق لأدوار الجماعات الترابية، كما أن الجهات تساهم في تفعيل السياسة العامة للدولة وفي إعداد السياسات الترابية.

بثينة القروري

من جانبها، كشفت بثينة القروري، أستاذة حقوق الإنسان والحريات العامة، أنه من منظور العدالة الاجتماعية، هناك أشخاص وفئات معينة تعرضت لظلم معين ومرت بأزمات، وتأتي برامج العدالة الصحية لكي تجبرها، معتبرة أن هناك تحديات كبيرة وصعوبات تحيط بمشروع الدولة الاجتماعية والسياسات العمومية التي تتخذها الحكومة، في ظل وجود أرقام رسمية من مؤسسات مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والمندوبية السامية للتخطيط، ومن عرض الوزارة المنتدبة المكلفة بالميزانية أمام لجنة المالية بالبرلمان، تتمثل في بلوغ عدد العاطلين عن العمل مليونا و683 ألف شخص في الفصل الثاني من سنة 2024، ثم نسبة البطالة التي وصلت 13 في المائة على المستوى الوطني، مع نسبة تصل في المجال الحضري لـ 16 في المائة، مع غياب دخل قار للأشخاص الذين لم يتمكنوا أصلا من ولوج سوق الشغل، وتزايد نسبة الشيخوخة وارتفاع الأشخاص المسنين خلال السنوات المقبلة ما بين 4 إلى 10 ملايين نسمة في أفق سنة 2050، وهذا يشكل تحديا جغرافيا حقيقيا على التوازن فيما يتعلق بالبرامج الاجتماعية ومنظومة الحماية الاجتماعية بصفة عامة.

وأضافت نفس المتحدثة، أنه “من منظور العدالة التوزيعية، أكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن 9.2 ملايين مغربي، أي 25 في المائة من الساكنة، لا تستفيد من التأمين عن المرض، و15 في المائة غير مسجلين في أي نظام للتغطية الصحية، ويتعلق الأمر بالعاملين في القطاع غير المهيكل والعاطلين عن العمل والمعوزين والمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة، بحيث أن نظام العتبة أو المؤشر، خلق وضعية صعبة تمييزية أدت إلى إقصاء عدد من الفئات التي تستحق الدعم، مما يرفع من احتمالية جعل السجل الاجتماعي الموحد آلية للإقصاء وليس آلية لتوزيع الدعم الاجتماعي، مشيرة إلى أن المشكل يتعلق بسيادة التمويل، خاصة وأن البنك الدولي أكد أن أهم تهديدات نظام التأمين عن المرض تتمثل في العجز المالي، خاصة إذا استحضرنا معطيات متعلقة بالاقتصاد الوطني، وبنية الناتج الداخلي الخام الذي بلغ 70 في المائة سنة 2024، واللجوء إلى الاقتراض من أجل تمويل برامج الحماية الاجتماعية، من خلال الحصول على قرض 500 مليون دولار من البنك الدولي، و120 مليون يورو من بنك التنمية الألماني، و130 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي، وبالتالي، فالأموال المرصودة من الميزانية العامة لبرنامج الحماية الاجتماعية، جلها قادمة بالأساس من القروض الخارجية.

أحمد البوز

بدوره، يرى أحمد البوز، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة محمد الخامس، أن “الدولة الاجتماعية، كما نطرحها اليوم للنقاش، ليست مجرد شعار سياسي أو وعد انتخابي، بل هي أفق مجتمعي ومشروع حضاري متكامل، يتطلب رؤى واضحة، ومؤسسات قوية، ونخبا متشبعة بثقافة الحق، والمساءلة، والتكافل، والعدالة الاجتماعية، وهو ما لا يمكن أن يتحقق دون إشراك الجامعة كفضاء لإنتاج المعرفة، وتأطير النقاش، وتخريج الكفاءات المؤهلة لبناء مغرب متضامن، عادل، ومتوازن”، مضيفا أننا نحتاج إلى التفكير في الدولة الاجتماعية، لا فقط كاختيار تقني أو كسياسة قطاعية، بل كرهان على بناء الثقة، وإعادة توزيع الأدوار بين الدولة والمجتمع، وتجديد العقد الاجتماعي في ضوء التحديات الجديدة، من التفاوتات الاجتماعية إلى التغيرات المناخية، إلى الثورة الرقمية، إلى الضغوط المالية التي تواجهها الدول في عالم ما بعد الجائحة وعالم ما بعد الحرب..

وأوضح البوز، أن الموضوع يطرح أيضا إشكالا مرتبطا ببعض التحديات التي يطرحها هذا الموضوع بغض النظر عن المضمون الذي نعطيه له، هل فعلا في المغرب يمكن أن نتحدث عن الدولة الاجتماعية كإنجاز، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون خطابا مثل ما سمعنا بعض المداخلات في جلسات الندوة؟ هل الاختيارات السياسية الموجودة والمطبقة تجسد هذا المفهوم؟ وهل يمكن أن نتكلم عن الدولة الاجتماعية دون ربطها مثلا بالإكراهات المرتبطة بالمحيط الدولي والمرتبطة بالتمويل؟ هل يجوز أن نتكلم عن الدولة الاجتماعية فقط كشعار سياسي أو انتخابي، أم أن الدولة الاجتماعية يجب أن تكون لها أبعاد أخرى ؟

وأضاف المتحدث ذاته، أن مفهوم “الدولة الاجتماعية هو خطاب نحته الفاعل السياسي، ولكن حتى الفاعل الأكاديمي تطرق له في عدة كتابات ودراسات تتناول هذا الموضوع، ومع ذلك لازال يثير عددا من الالتباسات حول دقة المفهوم وحدوده، هل هو مرتبط فقط بقضية الحماية الاجتماعية أم بالرعاية، أم أن لديه مداخيل وأبعادا أخرى؟ فالموضوع يطرح بعض الالتباسات عند مقاربته بمفاهيم أخرى وبمفهوم الدولة السياسية مثلا أو الدولة الاقتصادية، مشيرا إلى أن موضوع الدولة الاجتماعية يتجاوز حدود الحكومة المرتبطة بالدولة، وليس الحكومة الاجتماعية، وليس السياسة الاجتماعية للحكومة التي تبقى في حدود البرنامج، فالنقاش حول الدولة الاجتماعية هو نقاش أبعد وأكبر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى