متابعات | “الاتجار في البشر”.. جريمة تمتد للأطفال أمام عجز القانون

تشكل ظاهرة الاتجار في البشر أخطر الجرائم التي تهدد السلم والاستقرار الاجتماعي، نظرا للأنواع المتعددة في شتى المجالات والميادين وفي الخارج والداخل، مما يجعل محاربتها أمرا غاية في التعقيد والصعوبة رغم وجود القانون رقم 27.14 المتعلق بمكافحة الاتجار في البشر.. ذلك أن تنفيذه على أرض الواقع يتم ببطء كبير حسب مختصين، عكس الدول الأوروبية التي تتوفر على حزمة من القوانين المتعددة لكل بلد، ثم قانون أوروبي موحد، بالإضافة إلى أجهزة مدربة ونظام للمراقبة وتتبع عصابات الاتجار في البشر.
إعداد: خالد الغازي
بخصوص جريمة الاتجار في البشر، يقول رشيد المناصفي، الخبير في علم الإجرام، أن ظاهرة الاتجار في البشر بالمغرب من القضايا التي تمس كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية وتصنف كجريمة ضد الإنسانية، والمغرب قد اتخذ خطوات هامة لمكافحة هذه الجريمة من خلال إصدار القانون رقم 27.14 المتعلق بمكافحة الاتجار في البشر، مضيفا أن هناك أنواع متعددة للاتجار في البشر، منها الاستغلال في الدعارة أو عبر المواد الإباحية، والعمل القسري عبر إجبار الأفراد على العمل تحت ظروف قاسية، والتسول عبر استغلال أفراد أو أطفال لصالح أشخاص أو شبكات إجرامية، والاتجار في الأعضاء والأنسجة البشرية لأشخاص بغرض بيعها، واستغلال أفراد في إجراء التجارب والأبحاث الطبية على الأحياء بدون موافقتهم، واستغلال البشر في الأعمال الإجرامية أو النزاعات المسلحة، مثل تجنيد الأطفال، والهجرة السرية..

وأوضح المناصفي، أن هناك ظاهرة خطيرة تعد من أشكال الاتجار في البشر، تتمثل في الاستغلال الخطير للأطفال في وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال تصويرهم ونشر مقاطع وفيديوهات عن حياتهم اليومية في منصة “اليوتيوب” أو “التيك توك” بهدف التعاطف والحصول على مشاهدات والربح المادي دون التفكير في خصوصيات وحقوق هؤلاء الصغار، إلى جانب استخدام الصغار في التسول، خاصة لدى الأسر الفقيرة التي ليس لها دخل، وفي بعض الأحيان يتم كرائهم أو بيعهم، والاستغلال غير القانوني للفتيات كخادمات في الشغل المنزلي والأطفال في المعامل والورشات، أو إجبارهم على العمل من قبل الوالدين أو من طرف شبكات إجرامية.
وأوضح نفس المتحدث، أن الهجرة السرية واستغلال الفتيات في شبكات الدعارة، من أخطر مظاهر الاتجار في البشر في المغرب والمنطقة المغاربية ككل، بحيث غالبا ما تكون الفتيات والنساء ضحايا مزدوجات، حيث يتم استعمالهن للتهجير ثم الاستغلال الجنسي، أو يتم استغلالهن وتزويجهن في دول أخرى، أو استغلال النساء العاملات في ضيعات الفراولة بإسبانيا، مشيرا إلى أن الأسباب التي تؤدي إلى الاتجار في البشر هناك الفقر والحاجة، وغياب الوعي لدى هاته الفئات المستهدفة، والبطالة وغياب فرص العمل في المناطق المهمشة والمغرب المنسي، وضعف شبكات التواصل والتشغيل بالخارج.
وشدد المناصفي على ضرورة تعزيز المراقبة القانونية والقضائية، والتطبيق الصارم للقانون 27.14، وتشديد العقوبات عل الشبكات التي تقوم بالتهجير أو الاستغلال، وتدريب عناصر الشرطة والقضاة على التعرف على الضحايا، والوقاية عبر التوعية عبر برامج في مختلف وسائل الإعلام، وتنظيم دورات توعوية رقمية للناس في وسائل التواصل الاجتماعي، وتعزيز التنمية المحلية والتمكين الاقتصادي من خلال برامج لتشغيل الفتيات وخلق فرص للشغل، ودعم المشاريع النسوية الصغيرة في المناطق المعزولة، إلى جانب التعاون الدولي والتنسيق الأمني مع الدول المجاورة لمحاربة الاتجار في البشر، وتوفير الحماية للضحايا وإعادة إدماجهم في المجتمع وفتح مراكز للاستقبال، والتبليغ والتأطير وفتح قنوات للتبليغ عن أصحاب هذه الشبكات والمتورطين فيها.

بدوره، يرى الخبير الأمني محمد شقير، أن هناك مجموعة من العوامل وراء الاتجار في البشر، من أهمها عدم وجود سياسة اجتماعية تحافظ على الأطفال وعلى الفئات الهشة، بمعنى الحفاظ على الحقوق الأساسية للفرد في ظل وجود هشاشة اجتماعية، تؤدي إلى الهجرة القروية وإلى الهجرة غير النظامية، ما يؤكد أن الدولة لا تتوفر على سياسة اجتماعية توفر للفرد منذ ولادته كل أسباب الحفاظ على حقوقه الأساسية، حيث هناك هدر مدرسي، وتشرد الأطفال فضلا عن العديد من الظواهر السلبية، فمؤسسات الدولة لا تقوم بالأدوار المنوطة بها للحد من هذه الظواهر.
وأضاف شقير أن هناك عامل التفكك الأسري، يجعل الأسرة التي كانت هي الخلية الأساسية للحفاظ على أبنائها، لا تستطيع ضمان الخدمة والواجب، مما يدفعها لاستغلال أبنائها عبر كرائهم بأثمنة معينة، يومية أو شهرية، مقابل التسول بهم في الشوارع والأحياء وأمام شارات المرور، كل هذه الأسباب تجعل المجال خصبا للاتجار في البشر، إلى جانب استغلال الفتيات كخادمات في البيوت، معتبرا أنه رغم وجود قانون لحماية الفتيات الخادمات القادمات من مناطق قروية اجتماعية هشة، إلا أن تشغيلهن يعتبر نوعا من الاتجار في البشر، لأن فتاة عمرها 12 سنة – مثلا – لا يمكن لها أن تقوم بالأعباء المنزلية والاشتغال تحت الإجبار لخدمة البيوت، قائلا أن هذا نوع من البيع والشراء، وعدم احترام الحقوق الأساسية للفتيات المفروض أن مكانهن في المدرسة وليس العمل في المنازل.
كذلك هناك ظاهرة بيع الأعضاء من طرف عصابات، تقوم بهذه الجرائم من أجل الربح المادي، وبطبيعة الحال هناك الهجرة السرية أو غير النظامية، بعدما فتح المغرب الحدود ووضع قوانين للإقامة ظهرت مظاهر للاتجار بالمهاجرين في الهجرة السرية واستغلالهم، حيث هناك تربة خصبة للاتجار في البشر نظرا لعدم وجود الوسائل الكفيلة بالحد من هذه الظاهرة الخطيرة، مدام أن هناك أفرادا في الشوارع غير محميين قانونيا، وهذا ما يسهل عملية الاتجار في البشر بكل أشكالها، مضيفا أن الظاهرة ستظل مستمرة في غياب الحماية وتزداد أكثر نظرا للعدد الكبير للأشخاص الذين يتجولون في الشوارع سواء الأطفال أو المراهقين أو المهاجرين أو الفتيات، ولأن الدولة لحد الآن ليست لها سياسة واضحة لمواجهة هذه الظاهرة، نظرا لعدم التعبئة المالية الكافية والموارد البشرية للتصدي للظاهرة، خاصة وأن وزارة التضامن والأسرة تعد أضعف قطاع ولا تتوفر على برامج متواصلة ومستدامة للحد من الظاهرة بسبب تغيير الوزراء والسياسات.
فقد كشفت المديرية العامة للأمن الوطني في حصيلتها السنوية لسنة 2024، أن مصالحها فككت خلال السنة الماضية 123 شبكة إجرامية تنشط في تنظيم الهجرة غير النظامية والاتجار في البشر، بزيادة ناهزت 2 في المائة مقارنة مع السنة المنصرمة، مبرزة أنه تم خلال السنة الجارية أيضا توقيف 425 منظما ووسيطا في عمليات الهجرة، وحجز 713 وثيقة سفر مزورة، فضلا عن إجهاض محاولة هجرة 32 ألفا و449 مرشحا، من بينهم تسعة آلاف و250 مواطنا أجنبيا.
وأوضحت المديرية أنها سجلت أسلوبا إجراميا جديدا له ارتباط بقضايا الهجرة غير الشرعية، يتمثل في نشر دعوات تحريضية على الهجرة الجماعية على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث أسفرت العمليات الأمنية المنجزة عن تشخيص هويات 65 محرضا، تم توقيف 50 منهم أحيلوا على العدالة في حالة اعتقال، بينما تم إخضاع أربعة أشخاص لأبحاث قضائية وإحالة ملفاتهم على العدالة.
بدورها، أفادت رئاسة النيابة العامة، في تقرير لها بهذا الخصوص، أنه تم تسجيل 110 قضايا جديدة متعلقة بالاتجار في البشر في سنة 2023، بارتفاع ملحوظ عن سنة 2022 بنسبة 23.64 في المائة، تمت في 77 قضية منها متابعة فرد واحد، في حين تمت متابعة عدة أفراد في 27 قضية، بينما عرفت 6 قضايا منها متابعة شبكة إجرامية، بحيث أن 91 قضية اتجار في البشر ارتكبت داخل التراب الوطني، في حين أن 19 قضية من الصنف نفسه ظلت خارج الحدود.
وقد بلغ عدد المتابعين في قضايا الاتجار في البشر في سنة 2023، ما مجموعه 171 شخصا، مقابل 153 شخصا في سنة 2022، بارتفاع قدره 10.53 في المائة، كما بلغت نسبة المتابعين منهم في حالة اعتقال 84 في المائة، إذ وصلت نسبة النساء المتابعات في هذا النوع من القضايا برسم سنة 2023 دائما 29 في المائة، بحيث أن عددا من القضايا المتعلقة أساسا بالاتجار في البشر تتم لغرض الاستغلال للدعارة ترتكبها نساء أو يساهمن في ذلك.
وتبقى ظاهرة الاتجار في البشر من أخطر الظواهر السلبية التي يعرفها المجتمع المغربي، خاصة في مجال التسول والهجرة السرية والدعارة والخادمات، بحيث أن هناك شبكات خفية ومافيا تقوم باستقطاب وجلب فتيات من عدة مناطق وأقاليم إلى المدن السياحية الكبرى، حيث يتم الاتجار فيهن وجني الأموال من خلال دفعهن لـ”الدعارة الراقية”، بينما يقوم آخرون باستغلال فتيات كخادمات في بيوت الأغنياء ومنح الفتات لأسرهن، بينما يقوم أشخاص آخرون بتوظيف أطفال للتسول في الشوارع والطرقات أو بيع المناديل حتى منتصف الليل، فيما تعمل شبكات الهجرة السرية على النصب والاحتيال على الشباب الراغبين في الوصول إلى الحلم الأوروبي والتخلص منهم وسط البحر.. كل هذا يحصل رغم وجود لجنة وطنية وقانون.. لكن الأمر يتطلب تكوين فاعلين وقضاة وفرق أمنية متخصصة في مكافحة الاتجار في البشر مثل الفرق الخاصة بمكافحة الإرهاب.



