تحقيقات أسبوعية

متابعات | هل نحن أمام أزمة أحزاب أم أزمة نخب سياسية مثقفة ؟

غياب النقاش السياسي وعدم وجود بدائل سياسية

تعيش الأحزاب السياسية على وقع نقاش سياسي بين الشد والجدب مع اقتراب الانتخابات أو بداية العد العكسي لسباق الاستقطاب والتوسع، في ظل تساؤلات كثيرة حول إمكانية تغيير الخريطة الحزبية وتموقع هذه الأحزاب في المشهد السياسي وتشكيل تحالفات جديدة لمواجهة الأحزاب الكبرى، أو استغلال بعض العوامل لتقوية حضورها في المشهد السياسي الحالي.

إعداد: خالد الغازي

    تفيد العديد من المؤشرات والمعطيات بأن الأحزاب السياسية اليوم تعيش نكسة حقيقية على مستوى الخطاب السياسي مقارنة مع السنوات الماضية، التي كانت فيها تعتمد على الخطاب الشعبوي والعاطفي الذي كان يؤثر على مشاعر الناخبين والمواطنين عامة، لكن الأحزاب اليوم افتقدت لهذا التأثير المباشر وفقدت مكانتها الشعبية على مستوى القواعد والطبقة العمالية والمتوسطة، بسبب الأخطاء التي وقعت فيها خلال السنوات الماضية، ما جعلها اليوم تسعى إلى إعادة ترميم صفوفها والبحث عن خطاب سياسي جديد يعيد الثقة للمواطنين في النخب السياسية، من خلال العمل على إعادة بعض الأسماء أو البحث عن نخب مثقفة وأطر لأجل تعزيز وجودها داخل الحقل السياسي.

تتمة المقال تحت الإعلان

فقد برز التأثير المادي على قوة وحضور الأحزاب في الساحة السياسية أو على مستوى التواصل مع المواطنين في الجهات ومختلف الأقاليم، بحكم أن الإمكانيات المالية أصبحت تلعب دورا كبيرا في تنظيم اللقاءات والمؤتمرات والتعبئة، حيث أن الأحزاب التي تتوفر على الموارد المالية، قادرة على تنظيم أنشطة متعددة واستقطاب المواطنين، من خلال توفير اللوجستيك ووسائل النقل والإقامة، في حين أن الأحزاب التي تعاني من صعوبات مالية، تراجع حضورها في العديد من الجهات والأقاليم، وأصبحت أنشطتها ولقاءاتها محدودة جدا مقارنة مع السنوات الماضية.

تتمة المقال تحت الإعلان

الواقع السياسي الحالي وما يعرفه من جمود وركود وضعف الأحزاب في تأطير المواطنين واستقطاب الشباب، يبرز الفشل السياسي الذي وصلت إليه الأحزاب خلال عشر سنوات الأخيرة، حيث أصبحت تردد أسطوانة “العام زين” عندما تتولى المسؤولية أو تكون في صف الأغلبية، دون أن تقوم بنقد ذاتي وتفتح نقاشا داخليا، سواء مع أطرها أو مناضليها، وما يزيد الطين بلة، هو استمرار نفس الوجوه السياسية في الساحة الحزبية دون فتح الباب أمام قيادات شابة أو نخب مثقفة وفكرية والدفع بها في الواجهة، مثل ما يحصل في الدول الديمقراطية مثل إسبانيا وفرنسا وهولندا، من خلال صعود قيادات سياسية جديدة لاستعادة ثقة الناخبين.

فالسيطرة الحزبية في المغرب من قبل الأحزاب الكبرى والإدارية، لا تسمح للأحزاب الصغيرة والمتوسطة بأن تكبر وتنمو، وأن تستقطب الشباب والنخب الفكرية والأطر، وذلك بسبب ضعف الإمكانيات وغياب المساواة في الإعلام وضعف الدعم العمومي، مثل ما يحدث في أوروبا، حيث نرى أحزابا صغيرة تكتسح وتصبح قوة سياسية داخل المشهد السياسي، بينما لدينا أحزابا تتحكم في الإعلام وتسيطر على جهات وأقاليم بأكملها، وتعتمد على منطق المصالح والريع والعلاقات العائلية الكبرى داخل نفوذها الترابي.. فلماذا لا نرى الأحزاب السياسية في مناظرة وطنية لمناقشة مواضيع مثل مشروع النموذج التنموي، الدولة الاجتماعية التي نريد، بناء الاقتصاد الوطني، تطوير قطاع التعليم العمومي، مكافحة الفساد وحماية المال العام، وغيرها من المواضيع التي تستحق النقاش السياسي الحقيقي بين مختلف الأحزاب وقياداتها ؟

محمد العمراني بوخبزة

في هذا السياق، يرى المحلل السياسي محمد العمراني بوخبزة، أن الخطاب السياسي في المغرب وقع له تحول طغى على طبيعته منذ مدة وليس اليوم، فالنخب الحزبية في المغرب تراجعت بشكل كبير ولم تعد الأحزاب قادرة على ضم المثقفين والمفكرين والأطر الكبيرة، حيث بدأت تظهر هوة بين الأحزاب والنخب المثقفة القادرة على إنتاج خطاب سياسي حقيقي، مبني على نظرية سياسية والذي يوضح توجهات الحزب هل هو من اليمين أم من اليسار أو أي مرجعية يبنى عليها، هذا التراجع لوحظ منذ مدة طويلة وله أسباب كثيرة، كذلك كانت هناك فترة للخطاب الشعبوي، الذي ارتبط بمجموعة من رموز الأحزاب السياسية وخلق نوعا من “الشو” داخل الحياة السياسية المغربية حتى أصبح المغاربة يتابعون ماذا يقول السياسي فلان وكيف سيرد عليه فلان، وبالتالي، الشخوص التي تحملت المسؤولية لفترة معينة والتي قادت الخطاب السياسي نحو الشعبوية، كان لها دور.

وأضاف العمراني بوخبزة، أن قاموس هذا الخطاب السياسي تراجع بشكل كبير في العقود الأخيرة، بحيث كان الخطاب يتابع في الجرائد السياسية، في اللقاءات والحوارات، وفي بعض الأحيان عبر المناظرات الحزبية، التي كانت تحصل داخل وسائل الإعلام، كنا نتابع نوعية القاموس الراقي الذي يحترم الذوق العام، وبالتالي، كان هناك نوع من الرقابة المجتمعية على نوعية القاموس المستعمل من قبل النخب الحزبية، لكن للأسف الشديد، تغير هذا القاموس 360 درجة بشكل أصبح يؤثر في الحقيقة على التنشئة السياسية والتأطير السياسي، لأن الأحزاب أصبحت لا تجد حرجا في استعمال قاموس يمكن القول أنه “سوقي” لا يختلف عن الذي يتم استعماله في اللقاءات التي لا تحتاج إلى مستوى معرفي أو فكري أو سياسي. إذن، وقع انحطاط على مستوى طبيعة القاموس.. إذن، هناك معالم متعددة لتراجع الخطاب السياسي في المغرب الآن، إذ بدأنا نخضع لطبيعة هذا التحول الذي وقع، وربما سيزداد مع احتدام الحملة الانتخابية، وبالتالي سيؤثر هذا بدون شك على طبيعة العرض السياسي الذي ستتقدم به الأحزاب وعلى طبيعة “البروفيلات” التي يمكن أن تراهن عليها الأحزاب في المستقبل.

واعتبر نفس المتحدث أن الظرفية الآن لا تتضمن أي مستجد كبير يمكن أن يؤثر على الخريطة الحزبية، فلم يحصل مثل ما حصل سنة 2009 مع ظهور بعض الأحزاب أو 2011، بدخول حركة “20 فبراير” والربيع العربي، وتأثيره على الخريطة الحزبية، بمعنى ليس هناك معطى جديدا يمكن أن يؤثر على تموقع الأحزاب، ما عدا إذا كانت هناك مبادرات كبيرة مثل الحديث عن توحيد اليسار كمشروع، والذي يمكن أن يرتبط بتحول على مستوى نتائج بعض مؤتمرات الأحزاب السياسية في أفق الانتخابات المقبلة، وربما تظهر “بروفيلات” جديدة تكون لديها القدرة على قلب موازين القوى، معتبرا أن الوضع الحالي لا يتضمن أي تغيير، ولكن عند قرب المحطات الانتخابية، يحدث نقاش حول بعض الأمور تحدث الفارق، مثلا حول القوانين المؤطرة الانتخابات، طريقة الاقتراع عبر الفردي أو الدور الثاني، أو يتم اللجوء للوائح الانتخابية انطلاقا من البطاقة الوطنية، بالإضافة إلى فتح مفاوضات بين الداخلية والأحزاب السياسية يمكن أن تغير المعطيات الحالية، لكن لحد الساعة، ليس هناك مستجد يمكن أن يغير الخريطة الحزبية.

مراد الغالي

من جانبه، يؤكد مراد الغالي، باحث في السياسات العامة، أن المشهد السياسي يعاني من غياب نقاش سياسي حقيقي وعميق، وكذا من شح في البدائل السياسية المتباينة والواضحة، ونمط متكرر في تشكيل التحالفات الحكومية والمعارضة، وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح من خلال تآكل الفوارق الإيديولوجية والبرنامجية، حيث نشهد تقاربا لافتا في خطابات وبرامج الأحزاب الكبرى، خصوصا تلك التي تتناوب على المواقع الحكومية، يغلب عليها الطابع الوسطي والبراغماتي، مما يصعب على الناخب التمييز بين مشاريع مجتمعية أو اقتصادية متمايزة قادرة على معالجة التحديات الهيكلية (نموذج التنمية، العدالة الاجتماعية، إصلاح الإدارة، التعليم، الصحة)، غالبا ما يتم اللجوء إلى شعارات عامة ووعود انتخابية فضفاضة تفتقر إلى آليات تنفيذ دقيقة ومؤشرات قياس واضحة.

وأوضح الغالي، أن الوضع السياسي في المغرب يواجه تحديا حقيقيا يتجاوز مجرد تغيير الوجوه أو تعديل التحالفات السطحية، فالأمر يتطلب إصلاحات بنيوية تمس الأحزاب السياسية في طريقة عملها الداخلي وقدرتها على إنتاج الأفكار وتأطير المواطنين، وإصلاحات تهم البيئة السياسية والقانونية لتعزيز التنافسية والشفافية، والأهم من ذلك، بناء ثقافة سياسية جديدة تشجع على النقاش العميق، والاختلاف البناء، والمشاركة المواطنة الفاعلة والواعية، فبدون هذه الإصلاحات، سيبقى المشهد السياسي عرضة لتكرار نفس السيناريوهات، مع ما يعنيه ذلك من استمرار لأزمة الثقة وتعميق الفجوة بين المواطن والمؤسسات السياسية، مبرزا أن سطحية النقاش العمومي تندر بأن يتجاوز النقاش السياسي مستوى السجالات الشخصية، والمناقشات الإعلامية الظرفية، أو التركيز على قضايا جزئية، على حساب الخوض في حوار مجتمعي جاد ومسؤول حول القضايا الاستراتيجية الكبرى وطبيعة النموذج التنموي المنشود، والسياسات العمومية بعيدة المدى، والخيارات المجتمعية الأساسية، والإصلاحات المؤسساتية العميقة.. فغالبا ما يتم التحفظ أو تجنب المواقف الحاسمة في القضايا الخلافية.

وقال المتحدث ذاته أن تشكيل الحكومات المتعاقبة أقرب إلى عملية توزيع للمواقع والمناصب (منطق “الغنيمة” الانتخابية) منه إلى بناء تحالفات متينة قائمة على تقارب برنامجي وتوافق استراتيجي، والمرونة المفرطة في التحالفات، حيث يمكن لخصوم الأمس أن يصبحوا حلفاء اليوم والعكس صحيح، وهو ما يعزز الانطباع بهيمنة البراغماتية السياسية وغياب المرتكزات المبدئية الصلبة، مما يضعف الثقة في التمايزات الحزبية المعلنة، مضيفا أن “الترحال السياسي” يعكس انتقال البرلمانيين والسياسيين بين التشكيلات الحزبية، خصوصا قبيل الاستحقاقات الانتخابية، أزمة ولاء وانتماء حقيقيين، ويؤشر على أن الاعتبارات الشخصية والمصلحية تطغى على القناعات الفكرية والسياسية، مما يزيد من إضعاف البناء الحزبي المؤسسي، هذا بالإضافة إلى أن استمرار هيمنة نفس الوجوه والقيادات على رأس العديد من الأحزاب لعقود أحيانا، يحد من ديناميكية التجديد وضخ دماء وأفكار جديدة داخل هذه التنظيمات، وقد يكرس منطق الزعاماتية على حساب الديمقراطية الداخلية.

وبالنسبة للسيناريوهات والتحالفات المستقبلية المحتملة، يرى مراد الغالي أنه في ظل المعطيات الحالية، يمكن استشراف بعض السيناريوهات المحتملة لهندسة التحالفات الحكومية القادمة، والتي غالبا ما ستظل محكومة بنفس المنطق البراغماتي والحسابات العددية (استمرار التحالف الحكومي الحالي) كأساس، ربما مع تغيير في موازين القوى الداخلية بناء على نتائج الانتخابات القادمة، وإضافة استبعاد حزب صغير لضمان الأغلبية المطلقة، تحالف يقوده أحد الأحزاب الكبرى الحالية (الأحرار أو الأصالة والمعاصرة) مع تغيير في الشركاء، كأن يتم استبدال حزب الاستقلال بالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وسيناريو عودة (جزئية) لليسار أو بروز دور أكبر لحزب الاستقلال: إذا تمكنت أحزاب مثل الاتحاد الاشتراكي أو حتى فيدرالية اليسار الديمقراطي من تحقيق تقدم انتخابي ملحوظ، سيناريو الأغلبية الواسعة (أقل احتمالا) في حال كانت النتائج الانتخابية شديدة التفتت، فقد يتم اللجوء إلى تشكيل حكومة “وحدة وطنية” موسعة، ثم سيناريو المعارضة القوية ودور حزب العدالة والتنمية المستقبلي مهم، إما أن يواصل إعادة بناء نفسه في المعارضة محاولا استعادة شعبيته، أو قد يفاجأ بنتائج أفضل مما هو متوقع حاليا، (وإن كان احتمال عودته لقيادة الحكومة يبدو ضعيفا في المدى المنظور بناء على نتائج 2021 والتوجهات العامة).

محمد الجدري

من جهة أخرى، يقول المحلل محمد الجدري، أن النقاش السياسي في عهد الحكومة الحالية لم يكن بالطريقة التي يجب أن يكون بها، لأنها منذ اليوم الأول حققت أغلبية مريحة جدا، عكس فترة حكومة بن كيران، التي عرفت وجود معارضة مكونة من التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، بحيث كان هناك توازن بين الأغلبية والمعارضة، ثم خروج حزب الاستقلال، معتبرا أن الساحة السياسية مع حلول صيف 2026، سوف تسترجع عافيتها، نتيجة التسخينات الانتخابية التي برزت داخل الساحة مع طرح ملتمس الرقابة، ومؤتمر العدالة والتنمية، والتراشق السياسي بين الأحزاب، وهذا سيعطي زخما سياسيا بين أحزاب المعارضة التي تنتقد الأداء الحكومي وأحزاب الأغلبية التي تسعى إلى الحصول على ولاية ثانية.

وأضاف جدري أن استعداد الأحزاب للانتخابات، أمر يتطلب إمكانيات مادية كبيرة، فمسألة تكاليف الحملة والدوائر الكبيرة جدا تجعل فقط فئة قليلة هي من تشارك في الانتخابات، خصوصا فئة الأعيان، الذين ليس لهم تدرج سياسي أو المرور عبر مجموعة من الأحزاب السياسية، بل أكثر من ذلك، هم يحاولون الحفاظ على مصالحهم وهذا أمر مشروع، بينما المواطن البسيط بعدما كان مهتما بالسياسة إبان جائحة “كورونا”، تخلى اليوم عن السياسة بسبب استمرار ارتفاع أسعار كل شيء وتدهور القدرة الشرائية.

يبقى النقاش السياسي الوطني مرتبطا بمستوى النخب الفكرية والسياسية التي تتوفر عليها الأحزاب.. ففي الماضي كانت الأحزاب تملك زخما من المثقفين والمحللين والمفكرين، الذين كان حضورهم في القنوات الرسمية، أو في اللقاءات الحزبية والسياسية، يلقى حضورا وقبولا كبيرا من قبل الباحثين والطلبة وعموم المواطنين، نظرا لأسلوبهم الراقي في النقاش والتحليل والتفاعل، لكن اليوم هذا النقاش غائب في ظل القيود والرقابة التي تفرضها الأحزاب على أطرها وأعضائها لمصالح سياسية وحزبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى