تحت الأضواء | سعد برادة: من تفويض الصلاحيات إلى الهروب من الاتفاقيات
الرباط – الأسبوع
يبدو أن التعديل الحكومي أتى بوزير لا يجمعه بقطاع التعليم إلا الخير والإحسان.. حيث كان من الأجدر برئيس الحكومة وضعه في قطاع التجارة والصناعة بحكم انتمائه لهذا المجال، أما قطاع التربية الوطنية، وحتى الرياضة، فلم تستفد أي شيء من هذا الوزير الذي سقط على الوزارة بشكل مفاجئ رغم أن حزبه يتوفر على وزراء سابقين وأسماء يمكنها أن تتقلد منصب وزير التعليم لتعويض شكيب بنموسى، الذي ترك العديد من الملفات العالقة قبل مغادرته.
الوزير سعد برادة المتناقض في قراراته ومواقفه.. بعدما فوض جميع صلاحياته للكاتب العام السابق للوزارة، يونس السحيمي، للنيابة عنه في اتخاذ القرارات، وقيادة المفاوضات مع النقابات، والتي مكنت من التوصل إلى اتفاق 9 يناير لحل جل الملفات المطلبية وتسوية وضعية العديد من نساء ورجال التعليم في مختلف الفئات، على مستوى التعويضات والترقيات والانتقالات والترسيم وغيرها، لكن الوزير مالك المقاولات والشركات، يرى أن هذه الإجراءات والاتفاقات ستكلف الوزارة موارد مالية رغم أنها تتوفر على ميزانية كبيرة تفوق قطاعات حكومية أخرى، وفضل التضحية بكاتبه والتهرب من تنفيذ الاتفاق والبحث عن أسلوب آخر للمناورة والهروب للأمام..
في ظل الأوضاع الحالية التي تعيشها المنظومة التعليمية، يرى العديد من المتتبعين أن الوضع يسير نحو الاحتقان مجددا، في ظل “تهرب” الوزارة من تنفيذ مجموعة من الاتفاقات التي تم التوصل إليها خلال الأشهر الماضية، والتي جعلت العديد من الهيئات النقابية تشدد على ضرورة وضع برمجة زمنية لتنفيذ الملفات العالقة، خاصة التي لها طابع مادي، لتفادي عودة الاحتقان من جديد للساحة التعليمية وعودة التنسيقيات إلى الواجهة، والتي كانت سببا في حدوث أزمة وطنية و”بلوكاج” استمر لعدة أشهر، بسبب مجموعة من المشاكل المتراكمة والتي تحولت إلى احتجاج وطني عارم..
وقد اتهم عبد الله اغميمط، الكاتب العام للجامعة الوطنية للتعليم، وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، بالاستمرار في التماطل والمناورة وغياب الجدية في التفاعل مع الملفات المطلبية التي تم الاتفاق بشأنها في اجتماع 18 فبراير الماضي، والتهرب من معالجة القضايا ذات الطابع المالي الإلزامي، والتي تعهدت الوزارة خلال الاجتماعات السابقة بتسويتها ومراسلة وزارة المالية، وذلك في إطار اتفاق 9 يناير.
وكشف اغميمط أن الاجتماع الذي تم مع الوزارة مؤخرا، بحضور الكاتب العام بالنيابة، وبعض المسؤولين، لم يتضمن أي مستجدات بخصوص الملفات المطلبية، بحيث فوجئ ممثلو النقابات بحصر النقاش حول “الحركة الانتقالية” بينما لازالت الأسئلة عالقة حول عدة ملفات، خاصة ذات الطابع الجماعي، والتي تم طرحها خلال الاجتماع مع الوزير، في غياب أجوبة حولها، مما يؤكد أن الوزارة غير مهتمة وتزيد من الاحتقان في غياب الحوار الجاد والمسؤول، مضيفا أن النقابات سبق لها أن التقت الوزير الحالي محمد سعد برادة، الذي يعتبر مسؤولا سياسيا، خلال اجتماع فبراير، ولم يتم احترام الوعود التي تقدم بها، متسائلا: ما موقع الوزير من الإعراب؟ لماذا لا يتحمل المسؤولية؟ رافضا القيود والشروط التي فرضتها الوزارة على الأطر التعليمية بخصوص الانتماء لمدرسة الريادة، للاستفادة من الحركة الانتقالية إليها، والتي تحرم الكثير من نساء ورجال التعليم من الانتقال إلى هذه المدارس، في ضرب لعامل النقاط الذي يعد المحدد الأول لهذه العملية، مما يعد قرارا جائرا، حسب قوله.
بدوره، قال الناشط التربوي وعضو تنسيقية حاملي الشهادات، عبد الوهاب السحيمي: “إذا أردنا أن نلخص أداء وزارة التربية الوطنية في عبارة واحدة، فستكون دون شك: وزارة التنكر للاتفاقات والعهود بامتياز”، مضيفا أن الوزارة الوصية دأبت على خرق التزاماتها والتنصل من تعهداتها، ليس فقط فيما يخص الملفات الجماعية، كما هو الحال في اتفاقي 10 و26 دجنبر 2023، اللذين جاءا على خلفية الحراك التعليمي الشهير، بل تجاوزت ذلك إلى التنكر للملفات الفردية، وعلى رأسها ملف الأستاذ الدكتور مصطفى معهود..
وأضاف السحيمي، أنه بعد مرور سنة كاملة دون تنفيذ بنود هذا الاتفاق، أثبت أن ما جرى لم يكن سوى محاولة يائسة لاحتواء معركة نضالية وصلت أصداؤها إلى مختلف مناطق الوطن، واليوم، يجد الأستاذ معهود نفسه مضطرا للعودة إلى الاحتجاج دفاعا عن حقوقه المشروعة، في ظل استمرار الوزارة في نهجها المتسم بالتجاهل والمراوغة، مشيرا إلى تملص الوزارة من الاتفاق الموقع بين النقابات الجهوية الخمس بجهة درعة تافيلالت، والذي تم بموجبه تعليق الاعتصام والإضراب عن الطعام الذي كان قد دخل فيه الأستاذ معهود، في خطوة كان يفترض أن تكون بداية لحل منصف وعادل، عوض الإقصاء والتسويف.
أمام استمرار تماطل الوزارة الوصية في التفاعل مع مطالب التنسيق النقابي، لتسوية الملفات والالتزامات الموقع عليها في محضر اجتماع 9 يناير الفارط، تتجه النقابات نحو إعلان التصعيد مع وزارة برادة، حيث عبرت الجامعة الوطنية للتعليم، التابعة للاتحاد المغربي للشغل، عن قرارها بالعودة إلى النضال بعد دعوتها كافة نساء ورجال التعليم إلى المزيد من الالتفاف والتشبث بإطارهم النقابي، والاستعداد لخوض كل الصيغ النضالية دفاعا عن الإنصاف والكرامة والعدالة الأجرية والاجتماعية.
واتهمت النقابة التعليمية الوزارة بـ”التماطل والتسويف بشكل يوحي بمحاولة التفافها وانتقامها من الشغيلة التعليمية جراء الحراك التعليمي الذي قلب موازين القوى لصالح مطالبهم العادلة والمشروعة”، مسجلة “غياب أي إرادة حقيقية لدى الوزارة للوفاء بالتزاماتها المدونة في كل الاتفاقات الموقعة، واستمرارها بالمقابل في الاستهتار والعبث والخذلان ومحاولتها استغلال الجلسات الماراطونية للجنة الحوار المركزي لبث اليأس وكبت نضالات الفئات المتضررة”.
ووصفت الجامعة الوطنية الوضع الحالي بـ”السريالي”، الذي باتت تعيش على إيقاعه جلسات التفاوض حول الملفات العالقة التي تستأثر باهتمام الشغيلة التعليمية، مؤكدة على ضرورة التصدي لكل النيات السيئة التي تتخذ من كل مكونات المدرسة العمومية أذرعا بشرية لتمرير مخططاتهم الطبقية التخريبية للمدرسة العمومية، كما تؤكد عزمها على مواصلة الدفاع عن الملفات العالقة ذات الراهنية بالقطاع في الحوار الاجتماعي ليوم 22 أبريل 2025، حتى تحقيق الإنصاف والقطع مع كل الممارسات التي تسيء في العمق إلى المقاربة التشاركية البناءة والمفضية إلى نتائج ملموسة.
بدوره، سبق أن اتهم التنسيق النقابي الذي يضم مجموعة من النقابات التعليمية، الوزارة باللامبالاة والتجاهل، لحجم الضرر الذي لحق أساتذة التعليم الابتدائي والثانوي الإعدادي والملحقين التربويين، وملحقي الإدارة والاقتصاد، المعمرين لسنوات عديدة في الدرجة الأولى (السلم 11)، مسجلا ما سماه التعاطي السلبي مع الحق العادل والمشروع في الأثر الرجعي الإداري والمالي للدرجة الممتازة، وعدم إدراج المطلب ضمن كل جلسات الحوار المنعقدة منذ بداية الموسم الحالي.
ودعا التنسيق إلى الانخراط في كل البرامج والأشكال النضالية من أجل رفع الحيف، وجبر ضرر سنوات الإقصاء للمزاولين والمتقاعدين، محملا وزارة برادة المسؤولية عن ارتفاع منسوب الاحتقان في قطاع التعليم، بسبب عدم جديتها في الاستجابة لمطالب نساء ورجال التعليم.



