تحقيقات أسبوعية

متابعات | 216 ألف طفل توحدي يعانون ظلم المجتمع والقوانين

في حاجة للرعاية والإدماج ومجانية التعليم

أطفال التوحد هم أكثر فئة تعاني داخل المجتمع من التهميش والإقصاء، والتنمر في الوسط المدرسي وفي المحيط السكني، بسبب غياب التوعية والتحسيس داخل المؤسسات التعليمية أو من قبل وسائل الإعلام وجمعيات المجتمع المدني، بحقوق هذه الفئة المظلومة والتي تعاني من أجل الحق في التعليم والصحة المجانية والولوج للمؤسسات العليا والوظيفة العمومية، في غياب الرعاية والإنصاف من قبل عدة قطاعات، على رأسها وزارة التعليم ووزارة التضامن، والصحة، والعدل، ومجلس حقوق الإنسان، بالإضافة إلى مؤسسات أخرى مثل الجامعات والإدارات ومراكز التكوين المهني ووزارة التشغيل والإدماج الاقتصادي.

إعداد: خالد الغازي

    سلط مؤتمر “نبراس”، مؤخرا، الضوء على موضوع طيف التوحد وأطفال التوحد، الذين يبلغ عددهم – حسب التقديرات – 216 ألف طفل، مع ظهور حوالي 12800 ألف حالة سنويا، مما يؤكد أن عدد الحالات في ارتفاع كبير في غياب استراتيجية وطنية صحية شاملة من قبل وزارة الصحة، للتشخيص المبكر وتوفير العلاجات الأساسية والضرورية لهذه الفئة، التي هي في حاجة ماسة للعديد من الأدوية المهمة التي تسوق في الخارج، بالإضافة إلى النقص الكبير في الأطباء المتخصصين في هذال المجال، لمواكبة حالات المصابين بطيف التوحد، إلى جانب غياب مراكز خاصة توفر الخدمات الطبية لأطفال التوحد وذوي الاحتياجات الخاصة.

تتمة المقال تحت الإعلان

من بين المشاكل الكبيرة التي تطرق لها المشاركون في المؤتمر، المنظم مؤخرا بمدينة الرباط، حول معاناة الأسر اليومية والسنوية، مع أبنائهم الذين لهم هذا التميز، مسألة التمدرس والولوج إلى المؤسسات التعليمية، بسبب الشروط الصعبة التي تعرفها المؤسسات التعليمية العمومية والتي يرفض غالبية مدرائها التجاوب والتفاعل مع مطالب الأسر المعنية مع بعض الاستثناءات فقط، حيث أنه أمام هذه العقبات لا يتعدى عدد الأطفال المتمدرسين سوى 4700 طفل وطفلة، أي بنسبة 3 في المائة فقط، مما يؤكد أن الغالبية من الأطفال المصابين بالتوحد محرومون من دخول المؤسسات التعليمية أو مراكز الطفولة.

تتمة المقال تحت الإعلان

وقد دعا المشاركون في هذا المؤتمر، الذي نظمته مؤسسة “النبراس” بالرباط، إلى تظافر الجهود والعمل بشكل جماعي من أجل تغيير الواقع الحالي لأطفال طيف التوحد والعمل على تحسين أوضاعهم وضمان حقوقهم في الرعاية الصحية والتعليم المجاني، ورفع العبء عن الأسر التي تتحمل المشاق والتكاليف المالية، وتنظيم حملات تحسيسية وإشهارية في القنوات العمومية ومختلف وسائل الإعلام، لحث مختلف القطاعات والمجتمع المدني، على الانخراط في دعم أطفال طيف التوحد، وتسهيل إدماجهم في المجتمع.

في هذا السياق، ترى إيمان شهيد، أستاذة متخصصة في أمراض الجهاز العصبي، أن اضطراب التوحد ناتج عن خلل جيني أو خلل عصبي، بحيث يبرز مشكل في التواصل عند الطفل في عمر 9 أشهر، والذي يعتبر من العلامات الأولى، وتظهر على الطفل صعوبات في كيفية التعامل مع الآخرين، خصوصا مع الأطفال، إذ لا يتفاعل معهم ولا يلعب معهم، ثم السلوك الحركي، حينها يمكن أن نقول بأن الطفل مصاب بالتوحد، لهذا من المهم معرفة المشاكل العضوية لدى الطفل في مرحلة النمو ومراقبة تطور التوحد، ونبحث عن أصل المشاكل المصاحبة لهذه الاضطرابات الجينية، سواء في الكلي أو في أعضاء أخرى.

وأوضحت نفس المتحدثة – خلال مداخلتها في المؤتمر – أن المشكل في المغرب هو أننا لا نقوم بالتشخيص المبكر للأطفال لمعرفة المشاكل الأخرى المرافقة، خصوصا البحث عن الأسباب العضوية للتوحد، والأمراض العضوية الخفية، لأن هناك أمراضا لا تعالج وقد تؤدي إلى الوفاة، ثم العمل على تحسين تصرفات الطفل من خلال التشخيص الأولي لتحديد نقطة الانطلاقة للعلاج، مما يتطلب التعاون بين الجميع، سواء الأطباء أو المجتمع المدني، للتحسيس والتوعية بأهمية التشخيص المبكر للتوحد، الذي يساوي نتائج طبية إيجابية.

بدورها، ترى الدكتورة جهاد جامور، أن هناك الكثير من الدراسات مختلفة ومتبانية، تتحدث عن أسباب حدوث طيف التوحد، لكن يجب التركيز على كل مرحلة والعودة إلى فترة الحمل والولادة وما بعدها، حيث أنه في فترة الحمل يمكن أن تتأثر الجينات بالعوامل الخارجية، والهشاشة الجينية التي قد تكون متوارثة، بحيث يمكن أن يكون التوحد عند الإخوة أو لدى شخص في العائلة، وهناك دراسات كثيرة جدا تتحدث عن إصابة الذكور أكثر من الإناث بطيف التوحد، بسبب النضج المتأخر لدى الأطفال، وحدوث الاضطرابات العصبية التي لها علاقة مع أمراض المناعة الذاتية، والالتهابات في الأمعاء.

وأوضحت المتحدثة ذاتها، أن فترة الحمل قد تؤدي إلى ولادة طفل توحدي، بسبب استهلاك الأم للعديد من الأشياء والمواد الضارة للجنين، مثلا التدخين المباشر أو عن طريق الاستنشاق من المدخنين، والكحول، والمعادن الثقيلة التي تكون في الأسماك التي تعيش في عمق البحر، لأنها تتغذى على المعادن، وأيضا التلقيحات التي تكون فيها بعض المعادن، وتناول الأدوية مثل “البارسيتامول”، حيث تتحدث دراسات مختلفة عن تسبب الأدوية في التوحد، مشددة على ضرورة تجنب المرأة خلال فترة الحمل للأدوية والأعشاب (الشيبة مثلا)، إلى جانب المكملات الغذائية التي تحتوي على جزئيات صغيرة، والأطعمة الصناعية والمعدلة جينيا، هي أيضا يمكن أن تؤثر على دماغ الجنين، والضغط النفسي للمرأة الحامل الذي يؤثر على نمو الجنين كذلك.

من جانبها، كشفت الدكتورة عفاف بن يطو، مختصة في أمراض الجهاز العصبي للطفل – خلال نفس اللقاء – عن مجموعة من الأعراض التي يمكن أن تبين إصابة الطفل بطيف التوحد، بحيث هناك أمراض تشارك نفس المورثات المسؤولة عن أعراض التوحد، وأعراض تمس نمو الدماغ يمكن أن تؤدي إلى مرض التوحد، وأمراض جينية وبقع بيضاء تظهر لدى الطفل ومشاكل في النوم، وأعراض التصرفات والتواصل، بالإضافة إلى إمكانية وجود سبب عضوي آخر وأهمية اللجوء إلى الاستشارة الطبية، وقالت: “إن أطفال طيف التوحد تكون لديهم مشاكل الصرع، أو متلازمات الصرع التي تؤثر على الجهة الدماغية العقلية في الطفل، لهذا من الضروري التشخيص المبكر الذي يمكن أن ينتج عنه تحسن في التطور والاستجابة للعلاج وتطور في دماغ الطفل، إلى جانب أعراض أخرى، وأيضا التشوهات الدماغية الخلقية، ومشاكل في الدماغ يمكن أن تؤدي إلى تصرفات توحدية، وهناك متلازمات تعطي أمراضا عصبية، وبالتالي أعراض التوحد”.

وقد شكل المؤتمر “نبراس” فرصة أمام الأسر لمعرفة الجانب التربوي بعد الجانب الطبي والتحسيسي، وأهمية مواكبة الأطفال المصابين بطيف التوحد وإدماجهم ضمن المؤسسة التعليمية لتطوير وتحسين قدراتهم، حيث أكد الخبير التربوي إدريس الصادق، أن الدستور المغربي يضمن حق التعليم للجميع، وأيضا القرار الوزاري رقم 47.19، والمذكرة 531.19، التي تتحدث عن الحق في الولوج والتربية الدامجة، والبرنامج الوطني للتربية، كما أن برنامج “الرفيق” يهدف إلى تأهيل الأطر ودعم التوحد، وكذلك المجهودات التي قامت بها مشاريع المبادرة الوطنية للتربية البشرية من خلال إقامة قاعات متخصصة في مجموعة من المؤسسات، مشيرا إلى وجود إكراهات تتعلق بعدم تقبل الأسر لوضعية الطفل التوحدي، ولا يتم التشخيص المبكر والعلاج والمواكبة التربوية، بالإضافة إلى غياب التكوين في التعامل مع الحالات الخاصة، حتى في مدارس تكوين الأساتذة والمعلمين، من أجل تعلم كيفية التعامل مع أطفال التوحد، ونقص التكوين لدى المتخصصين، لكن الأمر لا يرقى لما هو مطلوب.

وقال إدريس الصادق، أن هناك 650 ألف مصاب بالتوحد وفق التقديرات والإحصائيات الدولية المبنية على عدد سكان المغرب، من بينهم 216 ألف طفل حسب الإحصائيات، 12800 حالة كل سنة، بتصريح وزير التعليم السابق شكيب بنموسى، الذي تحدث عن 4700 تلميذ مدمج في التعليم الابتدائي، منهم 300 تلميذ في الثانوي التأهيلي، تعطي نسبة دمج حوالي 2 إلى 3 في المائة من هؤلاء الأطفال.

وتحدث الخبير التربوي مصطفى بنيعيش، خلال نهاية المؤتمر، عن بعض التوصيات التي يجب تقديمها إلى الجهات المسؤولة والقطاعات الحكومية، والمتعلقة بإحداث مراكز طبية للتشخيص الطبي المبكر لأطفال طيف التوحد في جميع ربوع المملكة، ودعوة وزارة التضامن والأسرة إلى إنتاج وصلات إشهارية تحسيسية حقوقية في الإعلام العمومي، تخص الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، تبين الحق في التمدرس والتطبيب ومختلف الخدمات، ومشاركة المجتمع المدني والأسرة والإعلام والمؤثرين، ثم التوصية الثالثة في مجال التربية والتعليم، دعوة وزارة التربية الوطنية إلى تعديل القرار الوزاري 47.19، خاصة فيما يتعلق بتكييف المناهج وضمان مجانية التعليم، عبر إتاحة للطفل في وضعية إعاقة خصوصيات إدخال مرافق أو تعديل الامتحان وطريقة الشرح، داعيا إلى تفعيل جميع القوانين المتعلقة بمجموعة من الأمور، والتي توجد في القانون لكنها لا تفعل على أرض الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى