تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | أكبر من الحرب.. ضربات ملكية دبلوماسية للجزائر

إفريقيا تطوي صفحة نظام تبون وشنقريحة

لا حدود للمشاريع الوهمية في الدولة الشقيقة الجزائر، حيث يتعرض شعب بكامله للاحتجاز داخل زنزانة “نظرية المؤامرة”، بينما المتآمرون هم حكامه(..)، وقد ابتدع النظام في الجزائر خطة جديدة للتضييق على العباد، وإلغاء الطابع المدني للحياة، من خلال إطلاق مشروع، مضاد للمغرب، تمت تسميته “مشروع التعبئة العامة”، والهدف الأساسي منه هو تسليم البلاد كاملة للعسكر ووضعها رهن إشارة الرئيس الذي يوجد بدوره رهن إشارة العسكر..

إعداد: سعيد الريحاني

    يهدف المشروع الوهمي للجزائر – وهو بالمناسبة لا يتعلق بوضع إمكانات مالية أو مشاريع كبرى رهن إشارة الشعب، بل وضع الشعب ومقدراته رهن إشارة مجموعة تستولي على كل شيء بدعوى وجود خطر محدق – (يهدف المشروع) إلى ((تعزيز الطاقة الدفاعية للأمة لمواجهة أي خطر محتمل يهدد استقرار البلاد واستقلالها وسلامتها الترابية))، وهو معروض للنقاش في المجلس التشريعي، الذي يشرع فقط ما يملى عليه(..)، وإمعانا في الوهم، تم تعريف هذه التعبئة بأنها: ((مجموع التدابير اللازمة لضمان انتقال القوات المسلحة وأجهزة الدولة والهيئات والمؤسسات الوطنية، إضافة إلى الاقتصاد الوطني، من حالة السلم إلى حالة الحرب، مع وضع القدرات الوطنية تحت تصرف المجهود الحربي.. وفي مرحلة التحضير للتعبئة، ينص المشروع على إعداد مخططات خاصة من طرف الوزارات المعنية، بناءً عليها تعد وزارة الدفاع الوطني المخطط العام للتعبئة العامة وتعرضه على مصادقة رئيس الجمهورية، كما يتم تشكيل احتياطات بشرية ومادية، وتحسيس المجتمع المدني بواجب المشاركة، وتعليق الإحالة على التقاعد للمناصب الحيوية، مع تنفيذ تدابير الدفاع الشعبي، وتسخير الأشخاص والممتلكات، وفرض قيود على تصدير المواد المرتبطة بالاحتياجات الدفاعية..)) (المصدر: جريدة القدس العربي).

تتمة المقال تحت الإعلان

المشروع الجزائري المذكور، يعطي الانطباع بأن البلاد في حالة حرب، لذلك لا غرابة أن يتضمن عدة تدابير تتعارض مع الحريات، حيث ينظم المشروع ((عملية انتقال القوات المسلحة من حالة السلم إلى حالة الحرب، حيث يتم تعليق إنهاء الخدمة للضباط والعسكريين، وإعادة استدعاء عسكريي الاحتياط، وتطبيق تدابير الدفاع الشعبي والتسخير..))، بل إن الوزارات يجب أن تضع نفسها رهن إشارة العسكر، المشارك في حرب لا وجود لها حتى الآن: ((حيث تضمن وزارة النقل – على سبيل المثال – احتياجات النقل العسكري، بينما تنسق وزارات الداخلية والنقل والأشغال العمومية فيما بينها، لتنظيم حركة المرور لدعم القوات المسلحة.. أما وزارة الاتصال، فتتكفل بالتنسيق مع وزارة الدفاع الوطني بمهام الإعلام والتوعية حول إجراءات التعبئة العامة.. كما تفرض المادة 43 على المواطنين واجب الاستجابة للاستدعاءات، وتنفيذ تدابير الدفاع الشعبي والتسخير، مع الامتناع عن نشر معلومات قد تضر بالتعبئة)).

تتمة المقال تحت الإعلان

ولا تقف التعبئة العامة على استنفار المواطنين والجيش، والنقص من الحريات العامة، بل إن هذا المشروع الفضفاض يمتد أيضا إلى حدود التهديد بسجن “المعارضين”، عبر مواد واضحة تقول: ((نص مشروع القانون على عقوبات مشددة لحماية فعالية التعبئة العامة، إذ يعاقب بالحبس من 3 إلى 10 سنوات وغرامة تصل إلى مليون دينار، كل من استغل الممتلكات المسخرة أو أساء استعمال سلطة التسخير.. كما يعاقب بالسجن من شهرين إلى ثلاث سنوات وغرامة تصل إلى 300 ألف دينار، كل من يمتنع عن تقديم معلومات صحيحة أو يحاول إخفاء تجهيزات معدة للتعبئة.. كما تسلط عقوبة السجن من شهرين إلى سنة وغرامة تصل إلى 100 ألف دينار، على كل من أدلى بتصريحات غير مرخص بها تتعلق بالتعبئة، أو رفض تنفيذ تدابير الدفاع الشعبي أو التسخير..)) (نفس المصدر).

هذا حال الجزائر، وهذا حظ الجزائريين.. ليبقى أكبر الدروس في التعبئة الحقيقية، هو تلك الدروس القادمة من المغرب.. فبالتزامن مع التعبئة الوهمية، التي تتحدث عن أوهام عسكرية، كان الملك محمد السادس يطلق مشروعا جديدا للقطار فائق السرعة، سيمكن من الوصول إلى مراكش ضمن مشاريع مهيكلة بقيمة 96 مليار درهم، ويهم الأمر إنجاز الخط السككي فائق السرعة LGV القنيطرة – مراكش، على طول يناهز 430 كلم.

ولمن يريد معرفة حجم “التعبئة الحقيقية”، يكفي أن يقرأ ما ورد في التفاصيل التقنية، والتي تقول: ((يشكل هذا المشروع المهيكل بغلاف مالي قدره 53 مليار درهم (دون احتساب المعدات المتحركة)، جزء من برنامج طموح تطلب تعبئة استثمارات إجمالية بقيمة 96 مليار درهم، ويهم أيضا اقتناء 168 قطارا بمبلغ 29 مليار درهم، موجهة لتجديد الحظيرة الحالية للمكتب الوطني للسكك الحديدية، ومواكبة مشاريع التنمية، والحفاظ على مستوى الأداء بـ 14 مليار درهم، ستمكن على الخصوص من تطوير ثلاث شبكات للنقل الحضري على مستوى مدن الدار البيضاء والرباط ومراكش.. ويشمل مشروع القطار فائق السرعة القنيطرة – مراكش، إنشاء خط سككي فائق السرعة يربط مدن الرباط والدار البيضاء ومراكش، مع ربطه بمطاري الرباط والدار البيضاء..

ومع هذا المشروع الجديد، ستصبح المدة الزمنية بين طنجة والرباط ساعة واحدة، وساعة وأربعين دقيقة بين طنجة والدار البيضاء، وساعتين و40 دقيقة بين طنجة ومراكش (ربح حيز زمني يزيد عن الساعتين)، وسيمكن المشروع كذلك من ربط الرباط بمطار محمد الخامس الدولي بالدار البيضاء في 35 دقيقة، مع ربطه كذلك بالملعب الجديد لبنسليمان)).

هكذا إذن، اختار الملك محمد السادس تقديم أجوبة أخرى لسؤال التعبئة.. أليست قمة الثقة في النفس، وفي قدرات البلاد والجيش الملكي، هي تدشين هذه المشاريع بالتزامن مع “إعلان الحرب” في البلد الجار؟ أليست هذه قمة التحدي وقمة الدبلوماسية ؟

ليس هذا فحسب.. ففي ظرف أيام قليلة، وخلال نفس الأسبوع، وجه الملك محمد السادس ضربة دبلوماسية أخرى للجزائر، باستقباله لزعماء تحالف دول الساحل، ممثلين بوزراء خارجية كل من مالي وبوركينافاسو والنيجر، حيث عقد الملك محمد السادس لقاء “جماعيا” مع كل من كاراموكو جون ماري تراوري، وزير خارجية بوركينافاسو، وعبد الله ديوب، وزير الشؤون الخارجية لمالي، وباكاري ياوو سانغاري، وزير خارجية النيجر، وكلهم عبروا عن امتنان رؤساء دولهم لملك المغرب على الاهتمام المتواصل بقضايا منطقتهم، كما ثمنوا بشكل خاص “مبادرة الملك محمد السادس لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي”، مؤكدين “انخراطهم الكامل في تسريع تنفيذ هذا المشروع الاستراتيجي”.

تكمن قوة المبادرة الملكية، في كونها تأتي مباشرة بعد خلاف الدول سالفة الذكر مع الجزائر، حيث تتفق هذه الدول – لأول مرة – على اتهام الجزائر بدعم الإرهاب في إفريقيا، وتناقلت مئات المنابر الإعلامية البلاغ الصادر عن مالي والنيجر وبوركينافاسو، والذي أعلنت فيه عن ((سحب سفرائها جماعيا من الجزائر احتجاجا على إسقاط الجيش الجزائري لطائرة درون مالية..

وذكر بيان قيادات الدول الثلاث المتكتلة في مجلس رؤساء دول كونفدرالية دول الساحل (AES)، أنه تقرر استدعاء سفراء الدول الأعضاء المعتمدين في الجزائر، للتشاور، وذلك على خلفية إسقاط طائرة مسيّرة تابعة للقوات المسلحة والأمن في جمهورية مالي، تحمل رقم التسجيل TZ-98D، نتيجة لعمل عدائي ارتكبه النظام الجزائري في ليلة 31 مارس إلى 1 أبريل 2025 بمنطقة تنزواتين، دائرة أبييبرا، في إقليم كيدال.. وأعرب المجلس عن أسفه الشديد لهذا العمل العدائي، مشيرا بعبارات حادة، إلى أن القرار الصادر في 22 دجنبر 2024، نص على اعتبار المجال الكونفدرالي مسرحا موحدا للعمليات العسكرية، وبالتالي، فإن إسقاط الطائرة المسيرة يعد عدوانا يستهدف كافة الدول الأعضاء في الكونفدرالية، ومحاولة خبيثة لدعم الإرهاب والمساهمة في زعزعة استقرار المنطقة)) (تفاصيل: الأسبوع/ عدد 11 أبريل 2025).

الدول الثلاثة التي حل وزرائها ضيوفا على المغرب، هي نفسها التي تتهم النظام الجزائري بـ”الخبث”، في بلاغات رسمية، بل إن الجزائر لم تعد متهمة بدعم الإرهاب، أو خرق القانون الدولي فحسب، بل إنها متورطة عمليا في المس بالشؤون السيادية لدول إفريقية، وهو ما يدفع إلى طرح عدة أسئلة حول مستقبل الاتحاد الإفريقي، وكيف يمكن الاستمرار في قبول عضوية دولة لا تتوانى في دعم الإرهاب والتدخل في الشؤون الداخلية للدول..

إن ما قامت به الجزائر، يتعارض عمليا مع ميثاق الاتحاد الإفريقي، بل إنه يضرب في الصميم الهدف من الاتحاد.. كيف يمكن الحديث عن اتحاد مع دولة تحاول إسقاط النظام في الدول المتحالف معها؟ وكيف يمكن الوثوق في “دولة إرهابية” ؟

إن مثل هذه التصرفات العدائية تفرغ المنظمة الإفريقية من جدواها الأساسية(..)، إذ كيف يمكن اعتبار الجزائر جزء من الاتحاد الإفريقي وهي التي تغلق مجالها الجوي في وجه الطائرات المدنية الإفريقية ؟

بعد سابقتها مع المغرب، ها هي الجزائر تعيد نفس الكرة مع مالي.. فبعد إسقاطها لطائرة مالية، أعلنت عن تصعيد جزائري جديد تجاه مالي، وقررت يوم الإثنين 7 أبريل الجاري، حظر المجال الجوي على الطيران المالي.. ونشر الجيش الجزائري بلاغا مقتضبا جاء فيه أن ((الجزائر تقرر غلق مجالها الجوي أمام مالي، نظرا للاختراق المتكرر من طرف دولة مالي للمجال الجوي الجزائري)) (نفس المصدر).

المغرب إذن، يعيش تعبئة حقيقية في أفق تحقيق مشاريع عملاقة مرتبطة بـ”مغرب 2030″، وقد توالت الضربات الدبلوماسية الملكية لتؤكد هذا المنحى التصاعدي، لتحقيق أحلام الشعب.. في ظل وجود جيش قوي هو الجيش الملكي، الذي يواصل نجاحاته على أرض الميدان، بفرض وضع صارم يمنع أي إمكانية لتطاول ميليشيات الجزائر والبوليساريو على البلاد، كما يواصل نجاحه في تنظيم أكبر المناورات العالمية دون أدنى مشكل، ولمن لا يعرف العنوان، يكفي أن يقرأ ما يكتب وما يصدر عن الجيوش العالمية بمناسبة تنظيم مناورات “الأسد الإفريقي” التي تدعم مغربية الصحراء، انطلاقا من المغرب(..).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى