ربورتاج | “جريمة بن أحمد”.. بين مسؤولية الدولة والحكومة والمجتمع المدني

طرحت الجرائم التي حصلت في مدينة بن أحمد الكثير من التساؤلات لدى الرأي العام، حول السماح باندماج المرضى النفسانيين والمختلين عقليا للعمل بمرافق عمومية أو ممارسة أنشطة مهنية، أو التواصل مع الناس بشكل عادي، دون القيام بأي إجراءات وقائية أو اختبار الصحة العقلية لبعض الأشخاص قبل تكليفهم بمهام، نظرا لما قد يشكلونه من خطر كبير على المواطنين الذين يحتكون معهم أو يتقاسمون معهم نفس الفضاء.
الرباط. الأسبوع
إن ما حصل من جرائم في الفترة الأخيرة، سواء في بن أحمد أو مدن أخرى، من قبل أشخاص يعانون من اضطرابات نفسية أو عقلية، ليس أمرا عاديا، بل إنه يدق ناقوس الخطر في ظل معاناة ضحايا هذه الاعتداءات من أثار عميقة، وتأثير هذه الحوادث على الإحساس بالأمان لدى المواطنين.
ويرى توفيق مساعف، أستاذ جامعي وباحث في علم النفس الإكلينيكي والاجتماعي، أن هؤلاء الأشخاص المضطربين نفسيا منتشرون كثيرا في المجتمع حسب آخر الإحصائيات، التي قامت بها وزارة الصحة في عهد الوزير الحسين الوردي، ذلك أن المغاربة الذين لهم اضطراب نفسي، حسب إحصائيات رسمية هو 49 في المائة، والرقم أكبر بكثير، لأن المغاربة يحاولون إدماج هؤلاء الناس، ولا تخلو أي عائلة من مضطرب نفسيا، مضيفا أن هناك نوعين هما “الاضطراب العصبي”، وهو مرتبط بشخص له اضطراب مع ذاته أو محيطه الاجتماعي أو المهني، والنوع الثاني الخطير هو “الاضطراب الدوهامي”، ويتعلق بشخص غير مسؤول عن تصرفاته وأفعاله يعيش في عالمه الافتراضي، ويقوم بمشاكل وله تأويلات منحرفة مغرضة، لأنه يفقد المسؤولية والوعي والعيش المشترك مع الناس، وبالتالي، فهذا النوع يمثل خطورة كبيرة على المجتمع.
وأوضح نفس المتحدث، أن “الاضطراب الدوهامي” يتطلب التشخيص المبكر للمرض، ثم علاجا منتظما ومستمرا، لأن صاحب هذا المرض تعرض لتكسير البنية النفسية ويشعر بأشياء تجعله خاضعا للهلوسة والتخيلات، والدواء يمكن أن يعطي نتائج جيدة، مثل دواء “سيكزفريني” الذي يختلف ثمنه بين 75 و2000 درهم، هذا الأخير يكون في متناول الأغنياء ويعالج المريض في أقل من شهر، أما الدواء الرخيص، فليست له نتيجة، بل يتناوله المريض لسنوات، معتبرا أن هذه الأمراض النفسية خطيرة جدا على المجتمع، لأن صاحبها يمكن أن يرتكب جرائم خطيرة، لأنه غير واع بأفعاله وتصرفاته، وليست له عاطفة، قد يكون عدوانيا مع أسرته أو أبنائه ولا يشعر بأي شيء.
وأكد المتحدث ذاته، أن الموضوع يتطلب توفير العلاج وانخراط الأسر وجمعيات المجتمع المدني والدولة والإعلام، للتوعية بخطورة هذا المرض والبحث عن سبل العلاج، لأن الأسرة التي لديها مريض نفساني تغلق عليه الباب، وتتركه في سطح المنزل مقيدا في ظروف مزرية بدون علاج، أو تلجأ لزيارة الأضرحة مثلما كان يحصل سابقا من ممارسات في “بويا عمر” قبل إغلاقه، لكن بدون نتيجة أو فائدة، بحيث تكون مجرد عملية تهدئة وليس علاجا، مشيرا إلى أن الطب النفسي باهظ جدا وتكلفة الفحص السريري والأدوية غالية، والناس لا يعترفون بأن لديهم مرضى نفسانيين، بينما لدينا في المستشفيات 2000 سرير فقط وهي قليلة لا تغطي نسبة 5 في المائة من عدد المرضى في المغرب، علما أنه لا يتم قبول إلا بعض الأشخاص ولظروف معينة.
وتطرق مساعف لظاهرة المشردين والمختلين المتجولين في الشوارع، وقال أن الدولة تقوم بحملات موسمية لنقلهم إلى مراكز خيرية وقليل من يتم نقله إلى المستشفى، لأن الأسرّة قليلة والأطباء أيضا، وتكلفة العلاج مكلفة جدا، والدولة لا تستثمر في هذا المجال، والمجتمع المدني ضعيف جدا وليست لديه الإمكانيات، لهذا على الدولة أن تهتم بهؤلاء المرضى عبر إنشاء مستشفيات أو أقسام للمرض النفسي، وتغطية خصاص الأطباء المختصين، وإصدار دليل للأمراض النفسية المحلية التي تختلف عن الأمراض الموجودة لدى الدول الغربية، منبها إلى إشكالية غياب الاختبار أو التشخيص الطبي للمرضى النفسيين والمختلين الذين يعرضون على القضاة بالمحاكم، إلى جانب أشخاص لهم قرارات بإحالتهم على المستشفيات، لكن بسبب قلة الأسرّة يبقى مصيرهم هو السجن.
في نفس الصدد، يقول عادل تشكيطو، رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، أن “الجريمة التي وقعت في مدينة بن أحمد شكلت صدمة حقيقية للرأي العام، ليس فقط لبشاعتها، بل لأنها أعادت إلى الواجهة قضية لطالما جرى التعتيم عليها، أو التعامل معها بنوع من الإهمال، وهي الخطر الذي قد يشكله المختلون عقليا أو المرضى النفسانيون في غياب الرعاية الصحية المناسبة، وضعف السياسات العمومية المتعلقة بالصحة العقلية، مشيرا إلى أن هذه الحوادث المأساوية تضع المجتمع والحكومة أمام سؤال مركزي مضمونه: من المسؤول عن ترك هؤلاء الأشخاص في الشارع دون علاج أو مرافقة، ودون حماية ؟
إن ما قام به المختل الجاني في مدينة بن أحمد من جريمة مرعبة، خلق خوفا كبيرا لدى الرأي العام، بعدما قام بقتل وتقطيع ضحيتين، الأول عمره 45 سنة والثاني 60 سنة، والخطير في هذا الجاني المضطرب نفسيا، أنه كان يمثل بجثث ضحاياه ويقوم برمي الأطراف في أماكن متفرقة، مما شكل صدمة كبيرة لدى الرأي العام المحلي والوطني، حيث تفيد بعض المصادر أن الجاني سبق أن ولج مستشفى الأمراض العقلية، وكان يتعاطى بعض الأدوية، لكنه غادرها دون أن يتم إخطار السلطات المحلية أو الأمنية بحالته، رغم أنه كان عدوانيا، مما يثير الغموض حول أسباب مغادرته للمستشفى رغم سوابقه العدلية.
وحسب بعض المصادر، فإن الجاني بعد مغادرته مستشفى الأمراض العقلية، تمكن من إصلاح مراحيض عمومية في حديقة أمام مسجد الحي الذي يقطن فيه، حيث كان يقوم بتنظيف وحراسة المرحاض بشكل يومي، وكان كثير الانفعال والخصام مع المصلين، حيث كان معروفا بسلوكه العدواني والتلفظ بألفاظ عنيفة ونابية، وفي بعض الأحيان، كانت تحصل له حالة هيستيرية صعبة، ويقوم بتصرفات غريبة، مثل التكبير وترديد كلام غير مفهوم والتهديد والوعيد.
وتضيف نفس المصادر، أن هذا الشخص كان في الماضي تاجرا للفواكه، ويعيش حياته بشكل عادي، لكن حالته ساءت بعدما تعرض لمشاكل اجتماعية وأسرية وقضائه عقوبة حبسية قصيرة، ربما من أجل النفقة، مما جعله يعاني من صدمة نفسية داخل السجن، حيث تم نقله إلى مستشفى الأمراض النفسية للعلاج، لكنه سرعان ما غادر المستشفى قبل استكماله فترة العلاج، ليعود للحي والمراحيض التي يشتغل فيها.
في هذا الإطار، تقدم بعض النواب البرلمانيين بأسئلة إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، حول “أخطار الإهمال في الصحة النفسية، سفاح بن أحمد نموذجا”، مبرزا أن المغرب لا يتوفر سوى على عدد محدود من الأطباء النفسيين العاملين في المستشفيات العمومية، وهو رقم لا يستجيب لحجم الطلب المتزايد، خاصة في ظل تنامي الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، كما أن التوزيع الجغرافي غير المتوازن للبنيات الصحية يقصي شريحة واسعة من المواطنين، خاصة في المناطق القروية وشبه الحضرية، من الولوج إلى العلاج والمتابعة، ما يدفع العديد من المرضى إلى الشارع، ويضع المجتمع في مواجهة مباشرة مع حالات غير مراقبة.



