مع الحدث | من المسؤول عن “بقاء” المعتمرين المغاربة في السعودية ؟


تعد مناسك العمرة بالنسبة للمواطنين المغاربة، مناسبة عزيزة ومحبوبة جدا، يرنو إلى تحقيقها وإعادة تحقيقها ملايين المغاربة نظرا لمكانة ديننا الإسلامي الحنيف والدّيار المقدسة في قلوب المغاربة على مر التاريخ.. لهذا تقوم مجموعة من شركات الأسفار المغربية بتنظيم رحلات منتظمة إلى الديار السعودية لتأدية هذه الأمنية الجليلة، وفي هذا الإطار قامت عدد من الشركات السياحية بتنظيم رحلات جوية إلى الديار المقدسة خلال شهر رمضان 1446هـ/2025م من أجل تأدية مناسك العمرة لفائدة مئات المعتمرين، إلا أنه للأسف، بعد انتهاء المدة المقررة وحلول موعد الرجوع، وجد مئات الزوار أنفسهم بدون طائرة العودة إلى المغرب.. مئات المعتمرين كان من المفروض أن يعودوا بداية شهر أبريل 2025، كل إلى وجهته المحجوزة باليوم والساعة (تطوان، طنجة، الدار البيضاء، الرباط، أكادير وغيرها)، ولكن الناس وجدوا أنفسهم مرميين، عالقين، مُتخلى عنهم بكل استخفاف وإهانة، ولا من مُجيب، كثير منهم ظلوا محتجزين في فنادقهم والبعض الآخر مُتخلى عنهم بين جدران مطار جدّة الدولي، المسافرون لم يجدوا مع من يتكلموا، لأن مرافقيهم من الشركات السياحية قالوا بكل بساطة بأنهم لا يعرفون متى سيعودون إلى أرض الوطن، ولا يعرفون ما هو المشكل، أما مدراء شركات الأسفار، فغالبا ما رجعوا خلسة وأطفأوا هواتفهم وارتاحوا من “صداع الرأس” مختفين عن الأنظار.
المعتمرون المغاربة وإلى حد كتابة هذه السطور، منهم من عاد متأخرا جدا عن موعده، ومنهم ما زال ينتظر مصيره المجهول، ولا يعرف إطلاقا متى سيعود، رغم أن الناس لهم التزاماتهم، فمنهم من له عملية جراحية محددة بالموعد والساعة في المغرب، والبعض الآخر انتهت لهم أدويتهم، ومنهم من لهم التزامات سفر مهنية أو عائلية إلى أوروبا، وغيرها من البلدان، والبعض الآخر مهدد بضياع الوظيفة بسبب وضعية عدم الالتحاق بالمنصب، وأغلب المسافرين انتهت ميزانيتهم التي كانت مخصصة للعمرة في شهر رمضان، وغير ذلك من المشاكل الكبيرة، ومُشاهدة واستماع المعتمرين المغاربة في وسائل التواصل الاجتماعي وهم يحكون عن وضعيتهم حول هذه المشكلة، كفيل للوقوف على حجم المعاناة التي تم إيقاعهم فيها في صمت.. فمن المسؤول؟
إن المعتمرين الذين سافروا من أجل تأدية مناسك العمرة، عبروا عن استيائهم واستنكارهم لهذا التلاعب والتحايل الذي تعرضوا له، ويطالبون بإرجاع من لم يتم إرجاعه بعد، ووضع حد لمثل هذه الارتباكات والفوضى.
وعودة إلى سبب هذا المشكل، فلا أحد يعرف السبب بالضبط، ذلك أن بعض شركات الأسفار السياحية تلقي باللوم على بعض شركات الطيران السعودية، التي في نظرهم لم تحترم مواعيد الرجوع، والبعض الآخر يقول بأن المشكل سببه المكتب الوطني للمطارات، الذي لم يرخص لرجوع عدد من الطائرات السعودية، غير مهتم بمعاناتهم وتذمرهم، والبعض الآخر من منظمي رحلات العمرة يصرحون بأن المنافسة بين الخطوط الملكية المغربية وبعض شركات الطيران السعودية هي التي تقف وراء هذه الوضعية التي يؤدي المعتمرون العالقون ثمنها، ولكن لماذا بالضبط الترخيص للرحلات بالذهاب ومنعها من الإياب؟ سؤال ظل بدون جواب.
ثم ما هو موقع السلطات السعودية من هذه المعاناة؟ كيف تتفرج على التلاعب بالمعتمرين وتركهم لمصيرهم مرميين، مُتخلى عنهم في الفنادق والمطارات؟ ألا تراقب وزارة الحج والعمرة السعودية وتتأكد بدورها من الرحلات وتوقيتها ومصداقيتها والحيلولة دون العبث بها؟ ألا تطبق غرامات على المخالفين؟ ألا تفرض تعويضات للضحايا؟ ألا تُعتبر الديار المقدسة مكانا جليلا ذا مكانة دينية عظيمة يجب أن يخضع لتنظيم دقيق للمعتمرين (والحجاج) للحيلولة دون حدوث مثل هذه الأخطاء الجسيمة في حق زوار الحرم المكي والروضة المشرفة؟ ما هذا التلاعب؟ ما هذا الاستخفاف واللامبالاة في حق المسلمين في بلاد الإسلام؟ وأبعد من هذا وذاك، هل هناك من أياد تريد عمدا وخفية أن تُصعب وتعقد مناسك العمرة لمواطنينا بزرع القنط واليأس والمشاكل في السفر ؟
وفي المغرب، أين هي وزارة السياحة المغربية الوصية على قطاع السياحة والأسفار؟ أين هي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الوصية على الحج والعمرة؟ كيف يعقل ألا تتدخل الوزارتان وتحولان دون وقوع هذا المشكل أصلا، ثم لتتدخلا أثناء المشكل لإرجاع الناس إلى ديارهم؟ أليست هناك آليات ونظم تعرف من خلالها وزارة السياحة ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أسفار المعتمرين وأوقات ذهابهم وإيابهم ومصداقية تلك المواعيد، وتتدخلان لضمان احترامها؟ هل كل من هب ودب يمكن أن يشهر لافتة في كراج ما ويدعي ممارسته تنظيم الأسفار السياحية ويُترك لحاله يفعل في الناس ما يريد؟ هل تهتم وزارة السياحة المغربية فقط بالسياح الأجانب وتستلطفهم أكثر من اللازم، وتتدخل في أبسط صغيرة تقع لهم إذا كانوا أمريكيين أو ألمان أو غيرهم ؟
وفيما يخصها، أين هي وزارة الداخلية المغربية التي كانت تُسمّى أم الوزارات، لا تخفى عليها الأمور صغيرة كانت أو كبيرة؟ كيف يُعقل أن تترك الوزارة هذه الفوضى تعم بعض شركات الأسفار والطيران متلاعبين بمواعيد المعتمرين، وفيهم المسنون والمرضى وذوو الالتزامات المهنية والإدارية والصحية، ومحدودي الميزانية، وغيرهم ؟
أين هم البرلمانيون والمنتخبون، لم نسمع لهم صوتا في هذه المعاناة، ومُعتمرونا بعيدون عن ديارهم ينادون بألم “وا معتصماه”، ملقون على أرضية المطارات، وبعضهم في كراسي متحركة لا يجدون حتى من يدخلهم إلى المرافق الصحية، وآخرون مهددون في كل وقت وحين بالطرد من الفنادق؟ هذا هو الدور الحقيقي للمنتخبين والبرلمانيين، أي الدفاع عن حقوق المواطن والحيلولة دون معاناته.
لا بد من فتح تحقيق في الموضوع، هو الذي سيكشف خيوط هذا المشكل الذي أضر كثيرا ليس فقط بالمعتمرين، ولكن أضر أيضا بسمعة المملكة المغربية المعروفة بجديتها ومصداقيتها على الصعيد العالمي.
إن كل ما هو معروف لحد الآن، هو أن مئات المغاربة تعذبوا بعد أداء مناسك العمرة، ولحدّ كتابة هذه الأسطر ما زالوا معذبين مرميين متخلى عنهم في المملكة العربية السعودية في ظروف مادية وغير مادية صعبة.. إنها مأساة وعار على بلدين مسلمين، أي المغرب والسعودية.
أرجعوا حالا ما تبقى من مُعتمرينا في الديار المقدسة، أرجعوا حالا مواطنينا، سدّدوا تعويضاتهم عن التأخير والمعاناة، ولتكن المرة الأخيرة لهذه الفوضى.



