متابعات | تنامي العنف والعدوانية يشكلان خطرا وتهديدا للسلم الاجتماعي

تثير ظاهرة العنف في المجتمع المغربي خلال السنوات الأخيرة، العديد من التساؤلات حول أسبابها والدوافع التي تغذي استمرارها، بسبب طغيان الفعل العنيف واستعمال القوة والضرب والجرح، عوض لغة الحوار والتفاهم بين فئات المجتمع، مما يؤكد أن هناك خللا كبيرا لدى الناس في علاقتهم مع القانون والنظام العام، وبين بعضهم البعض، خاصة وأن العنف أخذ مؤخرا بعدا خطيرا جدا يهدد السلم الاجتماعي ويشكل خطرا على الناشئة والأجيال المقبلة التي أصبحت تتغذى على صور العنف ومظاهره في مواقع التواصل الاجتماعي.
إعداد: خالد الغازي
تحول العنف في المجتمع إلى آفة خطيرة في المجتمع المغربي خلال الفترة الأخيرة خصوصا، من قبل أفراد أو مجموعات أو فصائل أو عصابات إجرامية، مما جعل اللجوء للعنف من قبل هذه الفئات حلا خاصا بعيدا عن تغليب منطق الحكمة والخضوع للقانون الجاري به العمل، واللجوء إلى الجهات المسؤولة لطلب جبر الضرر عوض القيام بـ”شرع اليد”، قد تكون له عواقب وخيمة وقد تؤدي بالفاعل إلى متابعة قانونية، خاصة في غياب التوعية وانعدام القيم والأخلاق وانحراف مؤسسة الأسرة والمدرسة والمجتمع في القيام بدورهم في التوعية والتحسيس برفض العنف وكل أشكاله.
فقد كشفت دراسات حول تفشي ظاهرة العنف داخل المجتمع، عن وجود أسباب متعددة تؤدي بالفرد إلى التحول إلى شخص عنيف، منها ظاهرة التفكك الأسري والفقر والخلاف بين الوالدين، والإخفاق الدراسي، والرغبة في فرض الذات بمنطق “الفتوة”، والتأثر بالأفلام وألعاب العنف، ومظاهر العنف المنتشرة في فيديوهات شبكات التواصل الاجتماعي، والتعاطي للمخدرات والكحول والأقراص المهلوسة، والرغبة في فرض السيطرة على الآخرين، والسرقة بالعنف.
إن العديد من أحداث الاعتداءات التي تقع داخل المجتمع المغربي، تبرز تنامي العنف الاجتماعي بين الناس، وصارت هذه السلوكات حلا بالنسبة للبعض، حيث تزايدت حالات العنف بالنسبة للأطر التعليمية بعد الاعتداء الإجرامي الذي أدى إلى مقتل أستاذة التكوين المهني بأرفود، والاعتداء بالسلاح الأبيض على أستاذ في الخميسات، وآخر في إقليم شيشاوة وعلى أستاذ ومدير ثانوية في طنجة، والاعتداء على ثمانية رجال أمن في القنيطرة، وحادثة الهجوم على التجار في سوق أسبوعي بصفرو، والعنف الذي يطال النساء والأطفال من قبل اللصوص أو الأقرباء.
حسب المختصين والمحللين، فإن ظاهرة العنف في المجتمع تبرز التراجع الخطير لمؤسسات التنشئة الاجتماعية (الأسرة، المدرسة، دور الشباب، الجمعيات، المسجد، الإعلام العمومي..)، إلى جانب الانتشار الكثيف للقصص والمحتوى الذي يسوقه بعض السجناء السابقين أو بعض الشباب على شكل قصص وحكايات لمسارهم الإجرامي أو مغامراتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، على شاكلة اليوتوبر “الخراز”، وما يعج به العالم الافتراضي من قصص حول السجن والجريمة، بحيث أن طريقة الإلقاء لدى هؤلاء “المنحرفين” لا تأخذ بعين الاعتبار أثر قصصهم “البطولية” على وعي الشباب والمراهقين والمتتبعين، باعتزاز وافتخار تصور الانحراف كنمط من أنماط التمرد وإثبات الذات في المجتمع.

وبهذا الخصوص، يرى زكرياء أكضيض، أستاذ علم الاجتماع، أن أشكال العنف المتولدة في شروط خاصة في كل وضعية على حدة، تكمن في علاقة الفرد بالدولة بشكل عام، سواء عنف الملاعب الذي يصل للتخريب، أو الاعتداء مثلا على رجل السلطة (القائد) الذي يمثل الدولة، حيث يظهر أن العلاقة بين الفرد والدولة متوترة، لأن الوسطاء الذين يمكن أن يخففوا هذا التوتر، لم يعودوا يقومون بدورهم، خاصة المجتمع المدني والأحزاب والنقابات وغيرها، لأن هؤلاء الوسطاء هم من يخففون حدة هذا التوتر ما بين الفرد والدولة، بحيث عندما تتراجع مسؤولياتهم ويصبح دورهم محدودا على مستوى المجتمع، يولد ذلك ردة الفعل لدى الفرد، الذي يتصرف بعنف ويمكن أن يرتكب حماقات، بينما الشخص المؤطر من قبل الوسطاء، يمكن أن يلجأ للقانون والقضاء، بمعنى نحن في حاجة ماسة لوسطاء لتخفيف التوتر بين الفرد والدولة.
وأكد نفس المتحدث، أن الأسرة بدورها تلعب دورا كبيرا، لأنها تنقل الفرد إلى سلوك مدني في علاقته مع الدولة، لذلك فإن الأشخاص الذين نطلق عليهم “المشرملين” أو المنحرفين هم نتاج وضع أسري منفلت داخل المجتمع، وهذه الانفلاتات التي تقع داخل الأسر تؤدي إلى سلوكات تصبح خارج إطار القواعد المعمول بها ويصبح العنف كخيار، من أجل فرض مكانته في الحي، لكي تكون لديه مكانة رمزية يفرضها بالقوة، يصبح العنف خياره مع مؤسسات الدولة، بالحق في الشغل، بمعنى أن العنف يصبح الخيار الأمثل بالنسبة إليه إلى أن يصل إلى السجن.
وأضاف أن العنف الذي يعرفه الحقل التعليمي، يتخذ أبعادا تختلف عن أشكالها السابقة، بعدما وصلت للاعتداءات المادية، ويمكن أن نربط ما يجري داخل المؤسسات التعليمية والتحولات التي طرأت على مفهوم الانضباط التربوي كما تنظمه القوانين الداخلية للمؤسسة التعليمية، لأنه كما هو معروف، فالإكراه التربوي الذي كان يجعل المتعلم يمتثل للقواعد التربوية السائدة تم التخلص منه، ودخلنا لمفهوم آخر يتمثل في تخفيف الإكراه من خلال عدم تفعيل عقوبة في حق المتعلمين الخارجين عن النظام المعمول به في المؤسسة، كمثال على ذلك، ما يسمى بالمجالس التأديبية داخل المؤسسات التعليمية، لم يعد لديها الحق في اتخاذ إجراءات ضد المتعلمين مثل الطرد أو التنقيل لمؤسسة أخرى، بحيث أصبحت مقيدة بمذكرات “البستنة” المتداولة في الحقل التعليمي، وهذا يقودنا إلى أن مفهوم الانضباط الجديد المحاط بترسانة تشريعية جديدة الآن لم يحقق الردع التربوي الذي يمكن أن يجعل التلميذ منخرطا في العملية التعليمية، وهذا شكل أرضية خصبة لكي نلاحظ بعض أشكال الاعتداءات المادية (حادث الأستاذة الضحية).
ويقول المتحدث ذاته، أن الحلول تكمن في تفعيل دور الجمعيات والأحزاب السياسية، باعتبارها من تتدخل في هذه العلاقة بين الفرد والمجتمع، واستحضار الأسرة أيضا كمؤسسة للتربية والتنشئة الاجتماعية، لأنها ليست للحاجيات البيولوجية فقط، فهي مؤسسة تحاول تكوين إنسان قادر يتصرف وفق قواعد المتعاقد بشأنها داخل المجتمع، لهذا لابد من إعادة النظر في دور الأسرة داخل المجتمع، فالبعد الأخير مرتبط بالتشريعات متسائلا: كيف يمكن إنتاج قوانين مواكبة للتحولات القيمية في المجتمع وألا ننتج تشريعات تنقلب علينا ؟

من جانبه، يقول علي الشعباني، خبير علم الاجتماع، أن هذا الموضوع يطرح نقاشا حادا وجدلا كبيرا للتفكير بشكل جدي في هذه الظاهرة وأسبابها، والعوامل المؤدية إليها، خاصة وأن العنف أصبح يمس حتى بعض المؤسسات التي كانت بعيدة عنه مثل المؤسسة التربوية أو العائلية وغيرها، حيث تم استخلاص الكثير من الدراسات التي تتطرق لهذا الموضوع حول العوامل المباشرة وغير المباشرة حول انتشار العنف في كل مكان، وأول ما يطرح في هذه المسألة هي القيم، بالإضافة إلى مجموعة من الأزمات التي مست مجموعة من المبادئ والقيم التربوية والأخلاقية في المجتمع، لأنه عندما تنهار القيم وتتلاشى المبادئ وينتشر الانحراف والانحلال الخلقي وتنتشر معه مجموعة من القيم السلبية المصاحبة كالطمع والجشع وغيرها من السلوكات المنحرفة.. لابد أن يكون ذلك مؤشرا لانتشار العنف في المجتمع.
وحسب الشعباني، فإنه للحد من العنف في المجتمع، يجب على الجهات المعنية مثل المؤسسات التربوية والجمعيات العمل على تأطير الأطفال والشباب ومساعدتهم على الانخراط والتكيف مع المجتمع، ويجب عليها مراقبة والانتباه باستمرار إلى ما يقع إذا ما أردنا أن نحد من نسب العنف وانتشاره داخل المجتمع، معتبرا أن الأسرة مسؤولة أيضا إذا كانت تستقيل من دورها ولا تسهر على تنشئة الأبناء على احترام المبادئ والقيم، بحيث في القدم كانت الأسرة هي التي تحرص على تربية الأطفال وإعطائهم الوسائل الكفيلة لإدماجهم في المجتمع وإبعادهم عن كل ما يجرهم إلى الانحراف، والآن نجد الكثير من الأسر أنزلت أيديها بعدما كانت هي الحصانة الأساسية للأطفال والشباب وحمايتهم وإبعادهم عن ارتكاب العنف أو استعمال ما يمكن أن يهدد الاستقرار والأمن داخل المجتمع باللجوء للسلوكات العنيفة والأعمال الإجرامية التي تهدد استقرار المجتمع ككل.

بدوره، يقول الأستاذ الباحث في علم الاجتماع، مصطفى الشكدالي: حينما نتحدث عن العنف، فالعنف يصنع المجتمع، وما يقصده الناس هو العدوان الذي يفوق العنف، لأن هذا الأخير قد يكون لفظيا وقد يكون ماديا، ولكن العدوان هو الاعتداء على الآخر ويتضمن الجانب السيكولوجي لشخصية المعتدي، موضحا أنه حينما نتحدث عن المؤسسات الاجتماعية فالمقصود هو ما يمكن أن نسميه بالوساطة الاجتماعية، فهناك غياب تام على هذا المستوى، لأنه ليست هناك مؤسسات تقوم بهذا الدور الوسيط الذي يمكن أن يجد حلولا بالحوار والتوجيه، وهذا مرتبط بالسياسات الحكومية والسياسات المتبعة على المستوى الاجتماعي، ويمكن أن يكون غياب مؤسسات تعنى بالوساطة للتقليل من هذا العدوان والعنف، والمدرسة والمؤسسات التربوية لها دور كبير في ما يقع في التنشئة الاجتماعية.
وأضاف الشكدالي: اليوم دخلنا في التنشئة الخوارزمية التي تأتي من الرقمنة، بمعنى أنه لم تعد هناك تنشئة أسرية التي فيها مجموعة من القيم، وبالتالي، وقع تطبيع مع العدوان وتحصل العدوى، بمعنى أن الاعتداء ينتقل من شخص إلى آخر ويظهر على مستوى مجموعة من الاعتداءات التي نلاحظها في الشارع العام، مؤكدا أن العدوان له عوامل كثيرة مرتبطة بسيكولوجية الأفراد والجماعات، وغياب الوازع الديني وغياب التنشئة الاجتماعية أو اضمحلال هذه التنشئة مع حضور التنشئة الخوارزمية، وبالتالي، فمقاربة هذا الموضوع متعددة ومتداخلة حتى يمكن أن نفهم ماذا يحصل، وحينما نفهم كيف تحصل الأشياء، يمكن أن نأتي بالحلول بصفة طبيعية، والغريب بخصوص حول ما نسميه العنف أو العدوان أو شيء من هذا القبيل، أننا نندد به لكن لا نعرفه جيدا، وبالتالي، يجب أن تحصل المعرفة العلمية لمعرفة العوامل المؤثرة والقضاء عليها حتى يمكن أن نصل إلى ما نصبوا إليه، مع العلم أنه لا يمكن أن يغيب بصفة مطلقة، لذلك يجب أن نخفف منه، لأن هناك طاقات ربما إذا لم تستغل ستنفجر في شكل عدوان، وبالتالي، فالجانب الثقافي والرياضي، هما من الحلول التي يمكن أن نبحث فيها لتجاوز هذه الآفة.
حسب العديد من الخبراء، فإن العنف لم يعد مقتصرا على الأفراد في الشارع أو الأحياء، بل إنه امتد إلى المؤسسات والإدارات والأسواق التجارية والمساجد أحيانا، بحيث بات البعض يعبر عن ضغوطه النفسية من خلال العنف الجسدي لتفريغ عقده، أو إبراز قدراته الجسدية أمام الآخرين، أو كرد فعل سلبي على قرار أو إجراء تعرض له من قبل الأستاذ أو الموظف أو جاره أو غيره، بحيث تشير الأرقام حول مؤشر السعادة العالمي، أن المغرب تراجع إلى المركز 112 من أصل 147 دولة، ما يعكس تدهور جودة الحياة، وهو تراجع يعزى إلى تدبير الحكومات المتعاقبة.
وبالنسبة لعلماء الاجتماع، يبدو العنف ظاهرة ذات طبيعة مزدوجة: عنف يمارسه المجتمع، يتمثل خاصة في الإكراه والإلزام الممارسين على الأفراد لحملهم على الامتثال للقيم والمعايير الاجتماعية السائدة والمسيطرة، في المقابل، يمارس الأفراد عنفا من خلال رفضهم الانصياع لذلك الإكراه الاجتماعي، ويتجسد في الخروج عن القواعد والإخلال بالمعايير واختراق دائرة المحظورات.



