تحقيقات أسبوعية

متابعات | الاختراق المعلوماتي يوقظ المؤسسات العمومية من سباتها

أين الكفاءات ؟

خلقت الاختراقات المعلوماتية الأخيرة الكثير من الجدل لدى الرأي العام، وطرحت العديد من التساؤلات حول مدى يقظة المؤسسات الحكومية والعمومية والأمنية لمواجهة هذا الخطر المجهول، والتصدي للهجمات السيبرانية التي تظل شبه غائبة عن العديد من المؤسسات الرسمية باستثناء الأمنية والعسكرية، مما يضع المسؤولية على الإدارات والوزارات والمؤسسات المسؤولة عن المجال الرقمي وحماية البيانات والمعطيات الشخصية للمغاربة.

إعداد: خالد الغازي

تتمة المقال تحت الإعلان

    تعرضت بعض المواقع الإلكترونية لمؤسسات حكومية، لاختراقات وهجمات إلكترونية من جهات خارجية، لكن بالرغم من الجانب السلبي لها، إلا أنها دقت ناقوس الخطر حول الإهمال والتقصير من قبل المؤسسات أو الشركات المسؤولة عن تدبير وصيانة هذه المواقع، بخصوص الحماية الرقمية والمعلوماتية بالرغم من التحذيرات والتوجيهات التي أطلقتها المديرية العامة لأمن نظم المعلومات التابعة لإدارة الدفاع الوطني.

تتمة المقال تحت الإعلان

ففي السنوات الأخيرة، تزايدت الهجمات السيبرانية والاختراقات المعلوماتية لمواقع رسمية وغير رسمية، والتي كان مصدرها جهات خارجية، حسب تقرير المديرية العامة لأمن نظم المعلومات، حيث تصدت الأطر الوطنية التقنية لـ 150 حادثة سيبرانية خلال سنة 2023، مما يؤكد التصاعد الكبير للتهديدات السيبرانية التي تستهدف المغرب.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن التطور الخطير الذي حصل مؤخرا بعد اختراق مجموعة مجهولة تطلق على نفسها “جبروت الجزائرية”، كشف العيوب والثغرات التي تعرفها بعض المواقع الحكومية والمؤسسات التي تعرضت للاختراقات، بالنسبة للجنة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي لوزارة الإدماج الاقتصادي والتشغيل، وكذا الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بعد تسريب بيانات حساسة لأكثر من مليون شخص من الأجراء والعمال لدى شركات في القطاع الخاص والشبه عمومي، مما أثار الكثير من التساؤلات حول عملية التقصير الحاصلة من قبل الإدارات، إلى جانب ضعف الشركات المكلفة بمواكبة هاته المواقع وحمايتها والتي حصلت على أموال عمومية وصفقات من أجل تجديد هاته المواقع الرسمية وسد الثغرات والتصدي للهجمات والاختراقات.

حسب مختصين، فإن الهجمات السيبرانية ليست وليدة اليوم، فقد تصاعدت هذه الهجمات خلال السنوات الأخيرة، واستهدفت العديد من المواقع الإلكترونية التابعة لوزارات ومؤسسات حكومية، وجامعات، وحسب ما نشرته مجموعة “موروكان هاكرز”، فقد تعرضت 81 مؤسسة مغربية لاختراق سجل في خوادم Oracle Cloud، حيث تم استهداف مواقع إلكترونية تابعة لمؤسسات، من بينها موقع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، والمركز المغربي الدولي للذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى موقع المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالقنيطرة، وموقع كلية العلوم القانونية والسياسية بجامعة ابن طفيل، وكذا موقع حكومي تابع لدار الصانع، مما أدى إلى تسريب بيانات شخصية لأكثر من 940 ألف طالب، والموظفين المرتبطين، وأكثر من 140 ألف مستخدم.

إدريس لكريني

ويرى الأستاذ إدريس لكريني، الخبير في العلاقات الدولية وإدارة الأزمات، أن ما قامت به المديرية العامة لأمن نظم المعلومات التابعة لإدارة الدفاع الوطني، هي مبادرة مهمة جدا تعكس مواكبة التطورات التي حصلت على مستوى الأمن بشكل عام، بحيث أن الأمن الرقمي اليوم يطرح نفسه بحدة بالنظر إلى حجم المعاملات التي أصبحت تتم عبر الوسائط الرقمية التي تتضمن معاملات اقتصادية خدماتية واجتماعية وتقنية، الأمر الذي يفرض مواكبتها وتعزيزها بنظم تقنية تواكب التطورات، وتستطيع مواجهة كل التهديدات التي من شأنها أن تهدد هذه المعاملات والولوج إلى المعلومات وتهدد مصالح المواطنين والمؤسسات، مضيفا أن هذه الهجمات السيبرانية يمكن قراءتها من زاوية مختلفة، أولا يمكنها أن تظهر بشكل مستمر في إطار السعي إلى تحقيق مكاسب مادية، وتأتي في سياق أجندات مرتبطة بمعاداة المصالح المغربية، من بعض الأطراف التي تسعى إلى الضغط على المغرب بشكل أو بآخر، خصوصا وأن اختراق بعض المواقع الإلكترونية لقي مواكبة إعلامية داخل الجزائر، وهذا ما يعكس أن هناك أطرافا وراء ذلك.

وأكد لكريني أنه لا يمكن اعتبار الاختراق والقرصنة خطرا جديدا يستهدف الأمن المغربي على اعتبار القرصنة أمرا عاديا وطبيعيا ويقع حتى داخل الدول المتقدمة وباستمرار، لكن وكما جاء في بلاغ مديرية الأمن ونظم المعلومات التابعة لإدارة الدفاع الوطني، فإنها شددت على ضرورة توخي الحذر وتطوير منظومة الدفاع في سياق مواجهة كل هذه الاختراقات، وتعزيز التقنيات الكفيلة بصد هذه المخاطر، خصوصا وأن هناك متربصين ليست لهم أهداف سياسية بالضرورة، بل ربما أهدافا مادية وأهدافا متصلة، يعني طيش الشباب والرغبة في إبراز القدرة على الاختراق كـ”إنجاز” يمكن أن يتفاخر به هؤلاء الشباب، معتبرا أن تعزيز المنظومة القانونية الرادعة لمثل هذه السلوكات، بات ضروريا من خلال تحيين وتعزيز التشريعات الكفيلة لصد هذه الظاهرة من جهة، وكذلك إرساء اتفاقيات دولية تعزز التعاون لمحاصرة هذه السلوكات في إطار إقليمي ودولي، وتطوير التقنيات التكنولوجية والآليات الكفيلة بمواجهة الظواهر بالصورة التي تقلل من خطورتها وتحد من تأثيراتها، بالإضافة إلى إمكانية تعزيز القدرات البشرية من خلال إرساء دورات تكوينية للقيمين على هذه المواقع وتمكينهم من آخر التقنيات الكفيلة بمواجهة الظواهر التي أصبحت تهدد الأمن الرقمي والمعاملات عبر هذه الوسائط.

أمين رغيب

من جانبه، يقول المهندس أمين رغيب، الخبير المغربي في الأمن المعلوماتي، أننا أمام حرب رقمية بشكل أساسي ليست جديدة، بل هي قديمة جدا، خصوصا عندما نتحدث عن دولتين كبيرتين مثل أمريكا والصين، اللتين برزت بينهما هذه الحرب، كذلك أصبحنا في المغرب نعاني من هذه الهجمات السيبرانية أو الحرب الرقمية، لذلك يجب التوعية والتحلي بالمسؤولية حول خطورة هذه الظاهرة بعد ما تم تسريبه من بيانات، ونقف وقفة جادة ومسؤولة حول مسألة مدى تأمين البنية الرقمية، مؤكدا على ضرورة إشراك والتعاون مع الشركات المتخصصة في المجال والتي لديها خبرة أكبر لكي نستطيع تأمين المعطيات الشخصية المتعلقة بالمغاربة، بالإضافة إلى حماية المؤسسات، ولابد من الوعي بمواكبة التحديثات والمستجدات، وليس فقط تثبيت نظام رقمي واعتباره محميا ونسيانه، بل يجب مراقبته ومتابعته عبر الصيانة الرقمية التي تعرف مجموعة من المستجدات.

وقال رغيب أن مجلة “وورد بريس” تطلق مجموعة من التحديثات التي تتطلب من المشرفين التقنيين القيام بتثبيتها واستعمالها، بالإضافة إلى أن هناك مجموعة من المعايير التقنية التي تلزم كل شخص تقني أن يواكبها لكي يحمي النظام الرقمي من الاختراق، داعيا إلى الانفتاح على الشركات المتخصصة في الأمن السيبراني والأطر المتخصصة في هذا المجال، الذين يشتغلون بصفة يومية من خلال “اختبار الاختراق” (Pentest)، الذي يعتبر بمثابة الدفاع الاستباقي، لإيجاد الثغرة ومعالجتها، أو إبلاغ الشركة المتحصنة مثل “وورد بريس”، لكي يتم إصلاحها قبل استغلالها، في غياب التحديث، وبالتالي، يتم استخدامها في الهجمات السيبرانية، إلى جانب وجود خطر آخر، يكمن في وجود سوق يسمى “الدارك ويب”، الذي تباع فيه ثغرات جديدة بشكل أسبوعي يمكن لأي شخص اقتناءها واستغلالها لاختراق بيانات لأفراد أو مؤسسات إلى حين يتم الكشف عنها وإصلاحها.

وأوضح رغيب أنه لا يوجد شيء مؤمن في العالم الرقمي من الاختراق، بحسب مقولة متداولة لدى “الهاكرز”: لا توجد الحماية إلا لتخترق”، فأي شخص يعمل في الحماية والأمن السيبراني، فقد يحاول ويعمل لكي يصعب الاختراق على “الهاكرز”، أما منصة مؤمنة 100 % فلا توجد، لذلك على الأفراد والمؤسسات اتخاذ الحيطة لتحصين مواقعهم ومنصاتهم، عبر وضع عقبات وتصعيب الاختراقات بشكل مستمر ودوري، معتبرا أن الإشكالية التي تعرفها المؤسسات تكمن في عدم تغيير عملها في النظم المعلوماتية، بحيث تكلف مقاولة ما بإنشاء موقع، وتتركه بدون تحيين أو مواكبة حتى تتعرض للاختراق.

ودعا نفس المتحدث إلى الوعي بأهمية تأمين النظم الرقمية، ومواكبة دورية للأمن الرقمي وتوظيف أشخاص لهم كفاءة ومن أهل الاختصاص، ويتم كذلك التعاقد مع شركات أخرى توفر الحماية والتأمين للموقع، مشيرا إلى السؤال حول عدم اختراق منصات عالمية مثل “فايسبوك” و”غوغل” رغم بعض المشاكل الطفيفة، لكن اللغز يكمن في اكتشاف العديد من الثغرات من قبل “هاكرز” متعاونين، يقومون بتقديم خدمة لـ”الفايسبوك” عبر إرسال الثغرة مقابل الحصول على مكافآت مالية حسب خطورة الاختراق، وبالتالي، يصبح جميع “الهاكرز” يتعاونون لإيجاد الثغرات والإبلاغ عنها.

أنس أبو الكلام

من جهته، يقول أنس أبو الكلام، رئيس الجمعية المغربية للثقة الرقمية، أن الاختراقات السيبرانية أصبحت أكثر تطورا، خاصة عند استغلال ثغرات معروفة أو ما يسمى بـ Zero-Day، وهجوم “يوم الصفر” هو نوع من الهجمات السيبرانية يستغل ثغرات غير معروفة من طرف مطوري البرامج أو أنظمة التشغيل.. هذه الثغرات تكون غير مرقعة، مما يجعل من الصعب جدا اكتشافها أو الحماية منها، وخطورتها تكمن في كونها غير معروفة لمصنّعي البرمجيات وعدم توفر تحديث أمني أو تصحيح بعد، وبالتالي، إمكانية استغلالها من طرف جهات خبيثة للتجسس، والتخريب، أو سرقة البيانات، وغير ذلك، لكن الغير مقبول هو عدم احترام عدة مؤسسات حساسة لأبجديات الحماية الرقمية بما فيها تحديث البرامج وتكوين المستعملين وتحسيسهم بالمخاطر وطرق الحماية، استعمال كلمات مرور قوية، مصادقة قوية متعددة العوامل، برامج الحماية من البرامج الضارة، استراتيجية أمن المعلومات، ثم سياسة التحكم في الوصول، والنسخ الاحتياطي، وما إلى ذلك.

ويضيف الخبير في الدفاع السيبراني، أن من أبرز نقاط الضعف، أنظمة تشغيل برمجيات غير محدثة، عدم وجود سياسة قوية لتأمين كلمات المرور، غياب التشفير على مستوى قواعد البيانات، ضعف بروتوكولات المصادقة، والاعتماد على حلول خارجية دون تأمين كافٍ، مشددا على ضرورة فتح تحقيق وطني حول طبيعة هذه الاختراقات بتنسيق مع المديرية العامة لأمن نظم المعلومات، وإلزام المؤسسات العمومية بتحديث البنيات التحتية الرقمية، وإحداث مركز وطني موحد لرصد التهديدات السيبرانية في الزمن الحقيقي، وتعزيز الاستثمار في الأمن السيبراني عبر إنشاء مراكز عمليات أمنية تابعة للدولة وأخرى خاصة، وكذا تدريب الكفاءات المغربية على ثقافة الأمن السيبراني والرصد والاستجابة السريعة، معتبرا أن مثل هذه الأحداث تشكل جرس إنذار حقيقي حول هشاشة الأمن السيبراني في عدد من القطاعات بالمغرب، ويجب الانتقال من منطق رد الفعل إلى استراتيجيات وقائية شاملة تعزز سيادة الدولة الرقمية، وتحمي المواطن المغربي من تسريب بياناته أو استغلالها في سياقات معادية، وتعزيز تكوين المهندسين المتخصصين في الأمن السيبراني.

وعززت المديرية العامة لأمن نظم المعلومات التابعة لإدارة الدفاع الوطني، عملها خلال هذه السنة، من خلال حماية البيانات والمعلومات ذات الأهمية والتصدي للهجمات السيبرانية، حيث تم رصد 644 حادثا منها 134 تطلبت تدخلات ميدانية من مركز اليقظة والرصد والتصدي للهجمات المعلوماتية، وإصدار 1050 إشعارا و575 نشرة أمنية و16 تنبيها، و25 تدخلا في مراكز العمليات الأمنية في سبع جهات.

وقد حذرت المديرية العامة لأمن نظم المعلومات (DGSSI)، التابعة لإدارة الدفاع الوطني، من وجود ثغرة أمنية خطيرة في إحدى إضافات “وورد بريس” المعروفة باسم “SureTriggers”، والتي تُستخدم على نطاق واسع في أتمتة العمليات، وتصيب جميع نسخ الإضافة السابقة للإصدار 1.0.79، وقد تُمكن مهاجما عن بُعد من التحايل على بعض التدابير الأمنية داخل الموقع المستهدف.

وأكدت المديرية أن هذه الثغرة تصنف ضمن خانة “التهديدات المهمة”، نظرا لقدرتها على تعريض أمن البيانات وخصوصية المستخدمين للخطر، وقد تستغل في عمليات غير مشروعة أو الوصول إلى معلومات حساسة، داعية جميع مشرفي المواقع الذين يستخدمون هذه الإضافة، إلى تحديثها تفاديا لأي اختراق محتمل أو استغلال للثغرة، وشددت على أهمية مواكبة التحديثات الدورية وتفعيل المراقبة الأمنية المستمرة، والتحلي بأقصى درجات اليقظة واتخاذ التدابير الاحترازية، لتفادي الوقوع ضحية للهجمات الإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى