ربورتاج | مرضى السرطان.. بين إهمال وزارة الصحة وجشع اللوبيات
يعيش مرضى السرطان في عهد الحكومة الحالية الكثير من المعاناة، منها الإهمال والتهميش وغلاء الأدوية، ولا تقتصر فقط على الآلام، بل تمتد إلى العراقيل المالية التي تدفع العديد من المرضى للانقطاع عن العلاج، بسبب ارتفاع تكاليف العلاج الكيميائي والإشعاعي، بالإضافة إلى مشاكل أخرى متعددة في المستشفيات العمومية بسبب قلة الأطباء المتخصصين في المجال.
إعداد: خالد الغازي
يجد العديد من مرضى السرطان أنفسهم في مواجهة مشاكل صعبة ومأساة حقيقية كل شهر، بسبب المواعيد الطبية البعيدة والأعباء المالية المرتفعة، مما يدفعهم للتخلي عن الأمل في الشفاء بسبب الشروط المالية للعلاج، التي تعتبر أبرز العراقيل والتحديات التي تقلق المرضى وعائلاتهم في ظل تملص الحكومة والدولة من إحداث صندوق خاص بمرضى السرطان، لإنقاذ حياتهم، لاسيما وأن الأدوية والعلاجات الضرورية تتطلب الملايين، وهي الأغلى في القطاع الصحي.
رغم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية التي يوفرها صندوق الضمان الاجتماعي، إلا أنها تعتريها العديد من الاختلالات، تكمن في المواعيد والتشخيص المتأخر، وعدم استفادة مرضى من 100 بالمائة من تحمل تكلفة العلاج، كما أن فئة “أمو-شامل” غير قادرين على تحمل تكلفة العلاج الإشعاعي، والعمليات الجراحية، والأدوية التي تكون مرتفعة (بين 3 آلاف و5 آلاف درهم، وأزيد من 4 ملايين سنتيم)، ولا يتم تعويضها، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار فحص الطب النووي ما بين 8000 إلى 10 آلاف درهم، وهي مبالغ مكلفة جدا بالنسبة لمريض السرطان.
في ظل هذه التحديات الكثيرة التي يعاني منها مرضى السرطان في المغرب، برزت مطالب متزايدة بضرورة توفير تغطية صحية شاملة ومجانية لمرضى السرطان جميعا، وتحمل جميع تكاليف العلاج الكيميائي والإشعاعي بنسبة 100 %، لكون الانتظار ثلاثة أشهر للاستفادة من مساهمات الضمان الاجتماعي تعتبر فترة قاتلة، إذ يمكن أن تعرف هذه المدة تقدم انتشار المرض في جسم المريض وتتفاقم حالته الصحية، وبالتالي، يصبح العلاج أكثر صعوبة.
أمام هذا النسيان والإهمال الذي يطال مرضى السرطان، تتساءل العديد من الجهات والفعاليات عن أسباب تملص حكومة أخنوش ووزارة الصحة من الوعود السابقة التي قدمتها حكومة سعد الدين العثماني، بخصوص القيام بعدة إجراءات مواكبة لمرضى السرطان، لأجل التخفيف عنهم ماديا من التكاليف الباهظة، وتوفير الأدوية المختفية والقليلة في المستشفيات العمومية، والتي كانت تمنح مجانا، إلى جانب التعويض عن الأدوية الباهظة، بينما تطالب فعاليات جمعوية بخلق صندوق خاص لدعم مرضى السرطان.

في هذا الإطار، يقول الدكتور محمد اعريوة، عضو المكتب التنفيذي للشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة، أن مرضى السرطان يعانون كثيرا في صمت نظرا للصعوبات التي تلاقيها هذه الفئة في التشخيص، لما يتطلبه من تحليلات طبية وفحوصات إشعاعية (سكانير وIRM) وغيرها، وهي تدابير تتطلب مبالغ مالية كبيرة ومداخيل قارة يضطر معها البعض من المواطنين، وخاصة المعوزين، لاستعمال مدخراتهم أو بيع مقتنياتهم المنزلية، ناهيك عن أن أغلب الأسر تأتي من البوادي والمداشر البعيدة للمدن الكبيرة وما يتطلب منهم السفر من عناء وكلفة المبيت وباقي الإجراءات.
ويضيف اعريوة، أن هناك أغلب المصابين بالسرطان يمرون بفترات قاسية، إذ يمضي المريض شهرا أو شهرين من المعاناة قبل أن يتم إدخاله المستشفى الجامعي للبدء في العمليات الجراحية، ثم بعد ذلك العلاجات الكيميائية والعلاجات بالأشعة، وهو ما مجموعه 6 أو 7 أشهر متتالية، وكل أسبوع بدون انقطاع، مشيرا إلى أن المرضى الذين يتواجدون خارج أسرهم ومحيطهم ومدنهم، يتطلب منهم ذلك مصروفا يوميا للتنقل والأكل والمبيت، هذا إن توفر المريض على ورقة الرعاية الطبية (cnss أو mutuelle أو Cnops)، أما إذا لم تتواجد عنده بطاقة الانخراط في أحد صناديق التأمين عن المرض، فإن ما يعيشه المريض يعتبر هولا ورعبا.
وقال نفس المتحدث، أن المغرب يسجل حوالي 50.000 حالة جديدة من السرطان سنويا، وفقا لإحصائيات وزارة الصحة، لكن يبقى العائق الكبير يكمن في غلاء الأدوية التي تظل مرتفعة الأثمنة وقد تتطلب 22.000 درهم لكل حصة بالنسبة للأدوية الجديدة، وارتفاع تكلفة الأدوية الحديثة (مثل العلاج المناعي والعلاجات المُستهدفة)، مشيرا إلى أن أكبر التحديات التي يعيشها المريض، تكمن في التشخيص المتأخر بسبب نقص الوعي أو الإمكانيات، وصعوبة الوصول إلى العلاجات المتخصصة في المناطق النائية، وكذا العبء المالي على المرضى بسبب التكلفة العالية للعلاج، وعدم تكافؤ الفرص بين المناطق الحضرية والقروية، وأكد على ضرورة تقوية البرنامج الوطني للرعاية لأمراض السرطان بجميع فئاته، بجميع الجهات، لأن وضع المغرب ومعاناة المرضى، تتطلب المزيد من الاستثمار في البنية التحتية والوقاية والبحث العلمي لمجابهة السرطان بشكل فعال، ثم التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص، عبر استفادة جميع المرضى الذين لا يتوفرون على تأمين صحي في إطار الرعاية الصحية المجانية، وتوفير الأدوية اللازمة ومعدات التشخص بالمجان، وخاصة الجيل الأخير من الأدوية رغم ارتفاع ثمنه.

من جانبها، قالت حسناء بوشمة، رئيسة جمعية “الطموح لمساندة مرضى السرطان”، أن الورش الملكي للحماية الاجتماعية فيه العديد من الامتيازات والإيجابيات لا يمكن نكرانها، خصوصا بعدما أصبح بمقدور المرضى استرجاع مصاريف الأدوية والولوج للمصحات الخاصة للعلاج عبر التغطية الصحية “أمو-تضامن”، التي تسمح للمريض بالحصول على الخدمات المجانية، وهذا شيء إيجابي، لكن رغم ذلك هناك عددا من التعثرات، لأن هناك مرضى لم يستفيدوا رغم الفقر والهشاشة من “أمو-تضامن”، مثلا الأسر المتكونة من شخص أو شخصين، امرأة مسنة تكتري غرفة فقط لا يسمح لها بالاستفادة، ويجب عليها التسجيل في “أمو-شامل” الذي لا يمنح حق الاستفادة مباشرة، لأن صندوق الضمان الاجتماعي يفرض فترة تجريبية مدتها ثلاثة أشهر، والتي تعني بالنسبة لمريض السرطان الموت المحقق، وأضافت أن هذه الحالة لا تتعلق فقط بمرضى السرطان، بل تشمل مرضى القصور الكلوي، وأصحاب الأمراض المزمنة والذين يتعاطون أدوية ضرورية مدى الحياة، معتبرة أن الفترة التجريبية لا يجب أن تفرض على مريض السرطان، الذي يجد نفسه في وضعية صعبة لا يحتمل الانتظار، لأن تكلفة الأدوية باهظة تقدر بالملايين، وإذا كان المريض فقيرا لا يستطيع اقتناء الأدوية، يجب أن يسمح له بالتسجيل والاستفادة بشكل تلقائي من تعويضات الصندوق دون الانتظار ثلاثة أشهر، مثل أصحاب “أمو-تضامن” الذين يستفيدون مباشرة، خاصة وأن الورش كبير وله هدف نبيل في إطار الدولة الاجتماعية، لهذا يجب أن تكون الاستفادة بنفس الشكل وأن يسمح للأسرة المكونة من شخصين أو أكثر، التسجيل في “أمو-تضامن” وعدم إقصائها لأية أسباب، مثل المرأة الفقيرة أو المسنة من خلال شواهد السلطة المحلية.
وأوضحت بوشمة، أن مرض السرطان ليس مرضا عاديا فهو مميت إن لم يتم علاجه بسرعة، وانتظار المريض ثلاثة أشهر يعني أنه معرض للموت، ونحن كمجتمع نساعد هذه الفئة قدر المستطاع، ولكن نريد أن تكون الاستفادة شاملة لجميع المرضى في جميع أنحاء المغرب، نظرا للتكاليف المرتفعة وارتفاع سعر الأدوية التي يجب ألا تنقطع عن المستشفيات العمومية، فهناك أدوية تنقطع لمدة 6 و7 أشهر عن المستشفى، لذلك يجب تخصيص ميزانية مهمة لمرضى السرطان، وتطالب بمجانية علاج المرضى الذين في وضعية صعبة، وأن تشمل العملية المرضى الذين ليس لهم دخل قار، لأن المرض مميت ومكلف ماديا، ويتم أيضا التعويض عن الأدوية وتحملها من قبل صندوق الضمان الاجتماعي، نظرا لكون أسعارها بالملايين، إلى جانب تعميم “أمو-تضامن” على الجميع لأن تأخير العلاج يؤدي إلى الموت المحقق.

بدوره، يرى محمد شروق، رئيس جمعية “نحن والسرطان”، أن مرضى السرطان، خاصة من الفئات الاجتماعية الهشة، يعانون في صمت، ولا بد من فتح نقاش عمومي من أجل التعجيل بإخراج جميع التدابير والإجراءات المستعجلة إلى أرض الواقع، لأن السرطان عبارة عن أورام تتطور وتنتشر ولا تنتظر التسويف ولا التأجيل..
وأوضح نفس المتحدث، أن رئيس الحكومة السابق سعد الدين العثماني، في شتنبر 2020، وعد خلال استقباله لجنة العريضة المطالبة بإحداث صندوق لمكافحة السرطان، بفتح ورش متعدد المحاور يدخل في إطار المخطط الوطني للوقاية وعلاج السرطان 2020-2029، لأن المخطط السابق 2010-2019 انتهى، وما زلنا ننتظر الحصيلة بإيجابياتها وسلبياتها، مشيرا إلى العريضة التي وقع عليها حوالي 44 ألف مغربي، من أجل إحداث صندوق لمكافحة السرطان، وأضاف أن العثماني رفض العريضة وقدم مقابلها وعودا أهمها تعميم التلقيح ضد سرطان عنق الرحم لكافة الفتيات في سن الحادية عشر سنة، وإحداث لجنة وطنية يترأسها رئيس الحكومة وتضم فاعلين مؤسساتيين ومهنيين وممثلين عن المجتمع المدني، لتتبع الورش الوطني الخاص بدعم مرضى السرطان وضمان حكامته، معتبرا أن العريضة المطالبة بإحداث صندوق لمكافحة السرطان كانت تمرينا ديمقراطيا وتفعيلا لدستور 2011، وأن التجاوب معها من طرف الحكومة كان أمرا يدعو إلى التفاؤل المحسوب في انتظار تفعيل ما أعلن عنه رئيس الحكومة.
وتأسف محمد شروق الذي حارب السرطان منذ سنوات وعضو مؤسس للجنة الوطنية لعريضة الحياة، ومؤلف كتاب “أنا والسرطان”، (تأسف) لوضعية مرضى السرطان والجمعيات الناشطة في المجال، والتي مازالت تنتظر تفعيل ما ورد على لسان رئيس الحكومة السابق، والمفروض في إطار استمرارية الإدارة أن يتم تنزيل جميع الوعود من طرف حكومة أخنوش، والتي ظلت حبرا على ورق بعد رفض العثماني وحكومته العريضة الوطنية.
يقوم المجتمع المدني بمجهودات كبيرة لملء الفراغ الذي تتركه الدولة ووزارة الصحة، التي يترأسها أمين التهراوي، في تتبع حالات مرضى السرطان، والوقوف معهم من خلال العديد من المبادرات النبيلة التي تخفف شيئا ما العبء والثقل على أسر وعائلات المرضى، لاسيما في ظل الارتفاع المهول لتكلفة العلاجات وغياب الأدوية عن المستشفيات العمومية، والتي من المفروض أن توفرها وزارة الصحة للمرضى مجانا، وتحمل الصناديق الاجتماعية لمصاريف الأدوية والحقن التي تصل في بعض الأحيان عشرات الملايين، بالإضافة إلى العمليات الجراحية التي تجرى في الدول الأوروبية بالملايين.
أمام هذا الوضع المزري والصعب الذي يعيشه مرضى السرطان، واستمرار الصمت الحكومي تجاه هذه الفئة التي تقاوم من أجل الحياة، يتساءل العديد من الفاعلين وعائلات المرضى عن سبب عدم رغبة الدولة والحكومة في خلق صندوق خاص بمرضى السرطان للتخفيف عنهم، خاصة وأنها قامت بخلق مجموعة من الصناديق مثل صندوق الكوارث، صندوق الزلزال، صندوق “كورونا”، وصندوق التخفيف من أثار الجفاف، فلماذا لا يتم خلق صندوق خاص بمرضى السرطان والأمراض المزمنة لتوفير العلاج والأدوية ومساعدة هذه الفئة التي تعيش معاناة كثيرة أمام الصمت الحكومي ؟



