رأي | “مدرسة الخيانة” وعقلية المرتزقة عند النظام الجزائري


لم يعد للنظام العسكري الجزائري ما يخفيه منذ انقلابه على الثورة الجزائرية في يوليوز 1962 وما تلا ذلك من مسلسل اغتيال الديمقراطية ووأد حلم الشعب الجزائري في وطن آمن ودولة تسهر على تدبير ثرواته الباطنية لتحقيق الرفاه والتنمية والعيش الكريم.. وطيلة سنوات سطوته على السلطة، راكم تراجعا ليس في قيمة الدينار المحلي فقط، بل تراجع على مستوى الأمل في آليات الدولة الحديثة ومنها تبني سياسات خارجية تجعل مصلحة المواطن الجزائري حجر الزاوية.
وهذا يتطلب، حسب أبسط الأبجديات المعروفة، التوفر على قراءة/ تصور استراتيجي وقراءة استشرافية، سواء للداخل الجزائري أو على مستوى محيط شركائه وجيرانه، كمعالجته لملفات حساسة كالأزواد/الطوارق على الحدود المالية الجزائرية، بعقلية “المرتزقة”، وإغلاق الحدود البرية والجوية واستدعاء السفراء.. وهذا ما فعلته بالضبط يومي 7 و8 أبريل الجاري مع دول مالي والنيجر وبوركينافاسو، التي ردت عليها بالمثل.. بهذا يظهر النظام العسكري عاريا ومعزولا أمام إفريقيا والعالم، خاصة وأن بيانات دول كونفدرالية الساحل أكدت على رعاية النظام العسكري الجزائري للإرهاب.
فكل المعطيات التاريخية تقول أن النظام الجزائري لم يتخلص بعد من بزته العسكرية وحسابات الانقلابات والتسليح والمؤامرات، لذلك فكل خرجات قادة النظام، سواء الرئيس تبون أو شنقريحة، لا تخلو من الحديث عن التخويف والتخوين والتهديد، وهو ما يبررون به “إعلاميا” ارتفاع ميزانية التسليح لأرقام قياسية وكأن النظام على شفى حرب، لكن ذات السلاح ولغة التسليح تم توظيفها في الداخل، سواء في “العشرية السوداء”، التي خلفت مئات الآلاف من القتلى ومثلهم من المهاجرين الغير قانونيين نحو أوروبا، وبنفس لغة الحديد والنار، سيقمع النظام أصوات الحراك الشعبي، بالرمي في السجون وتلفيق التهم الجاهزة، وإغلاق مواقع وصحف إعلامية..
النظام العسكري لم يتخلص بعد من جيل تخرج من مدرسة الخيانة وقام بثورة مضادة واغتال رفقاء المقاومة والسلاح، ومحمد بوضياف على سبيل المثال لا الحصر، لذلك فهو مستعد لتوقيع شيك بكل مدخرات “سونطراك” من أجل منع نشر الأرشيف العسكري والسياسي، وأسماء الضحايا والمختفين وأسماء الجلادين وتجار السلاح والبشر، وأرقام حسابات البنوك بالخارج والمضاربين في سوق الانقلابات في إفريقيا وأمريكا اللاتينية..
قادة النظام العسكري “السبعينيون”، لم يتخلصوا بعد من كوارث موضة الميليشيات والعصابات والرهائن.. ولم يصدقوا بعد أن فرنسا ديغول أعلنت استقلال الجزائر بعد تنظيمها لاستفتاء “مشروط” في يوليوز 1962..
فالشيء الوحيد الذي يتقنه النظام العسكري هو “سياسة الرهائن”، إذ رهنوا اقتصاد الجزائر وجعلوا من مداخيل البترول والغاز رهينة سياسات الشركات البترولية العالمية، ومن أجل ذلك، فقد تم تعديل مدونة الاستثمارات.
وقبل هذا، فقد رهنوا “الديمقراطية” وكل مستلزماتها، من التعددية الحزبية والتداول على السلطة وحرية التعبير، إذ لا صوت يعلو على صوت العسكر والأصفاد ومفاتيح الزنازن، ورنين الدينار في جيوب أبواقهم الداخلية وذبابهم الإلكتروني و”ميليشيات إعلامية” بالخارج…
وقد يقول حاقد من “العالم الآخر” مثلا: إننا ننسج خيالا، أو نحاول إحداث ثقب في الماء، أو أننا مدفوعين لقول هذا، وهنا نحيل السيد “حاقد جدا” على كتابات روائيين جزائريين تناولوا كوارث النظام العسكري، ككتابات سمير التومي في “الطمس” أو “الإمحاء”، أو كتابات حبيب السوعيدية في “الحرب القذرة”، وغيرهم كثير، حيث طبعت سردياتهم توظيف ضمير المتكلم…
سياسة الرهائن كأسلوب يميز النظام العسكري، بدت مفضوحة في قتل رجال الدين السبعة سنة 1996، وكذا في حادث قتل الجيش الجزائري للرهائن الأجانب سنة 2013، أكثر من سبعة قتلى والعشرات من الجرحى واختفاء 4..
أكثر من هذا، فإن ذات النظام يحتجز مغاربة صحراويين في مخيمات تندوف منذ نصف قرن.. وصنع من مأساة رهنهم مادة لتسول إعانات وتسول ولاءات من أجل تسويق فكرة الانفصال.. نعم النظام العسكري يحتجز مغاربة أبرياء كرهائن لم يترك لهم فرصة اختيار العودة الطوعية لأن الوطن غفور رحيم، بل يدفع بشرذمة انفصالية ويمولها بالسلاح والإعلام ويسكنها قصور الجزائر العاصمة وتسافر في الطائرة الرئاسية…
ولأن ذات النظام لا يجيد غير لعبة الرهائن، فقد اصطاد رهينته الجديدة، الكاتب الجزائري/الفرنسي، بوعلام صنصال، من مطار الجزائر في نونبر 2024 وحاكمه بتهمة الخيانة وزعزعة استقرار النظام على خلفية تصريحات تاريخية تتعلق بمغربية الصحراء الشرقية، التابعة اليوم للجزائر…
أعتقد أن اعتقال وسجن الكاتب الكبير بوعلام صنصال، جاء في سياق صراخ الألم بعد اعتراف الدولة الفرنسية بمغربية الصحراء وزيارة الدولة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وتوقيعه مع الملك محمد السادس على جيل جديد من الاتفاقيات…
وكالعادة، فقد سحب النظام سفيره من باريس مع إطلاق أبواقه للتهديد والتحذير من حجم الخسائر المالية والاقتصادية والطاقية والأمنية، لم تمنع فرنسا من الإعلان عن فتح مركز ثقافي بالعيون، وتحديد تاريخ إجراء مناورات “الشرق” بالجنوب المغربي، فهرول الرئيس تبون يستجدي ماكرون في تصريحات للصحافة المحلية، بعد تصعيد حكومة فرانسوا بايرو، ونشر لائحة مئات المهاجرين الجزائريين المطرودين من فرنسا، وإثارة الحديث عن اتفاقية 1968 للهجرة، أضف إلى ذلك إمكانية إضعاف الموقف التفاوضي للجزائر أمام الاتحاد الأوروبي.
وفي خضم هذه الأجواء، سيتم تسريع محاكمة الكاتب صنصال والحكم عليه بخمس سنوات، مع دعوة وزير الخارجية الفرنسي جون نويل بارو، إلى حفل إفطار رمضاني للسفراء بالمسجد الكبير لباريس، والذي أدلى بتصريحات دبلوماسية دالة على تراتبية إعادة العلاقات الخارجية أولا، ثم جاءت مكالمة الرئيس ماكرون لنظيره الجزائري، الذي أدمعت عيناه فرحا بالحديث عن الجماجم والعودة لنقطة سنة 2022، يعني أن النرفزة ودبلوماسية ردود الأفعال كلفت النظام 3 سنوات دون تحقيق أي مكسب سياسي أو اقتصادي، بل سيكون إعلان عفو رئاسي عن صنصال هو الخطوة القادمة، لأن أسباب سجنه / رهنه، لم تعد قائمة.
لقد وصف أحد الكتاب الجزائريين النظام العسكري بـ”الكنبال”، لأنه يأكل أبناءه في الداخل والخارج.. وبئس التوصيف !



