تقرير | المعارضة الموازية مولود رقمي جديد يهدد الأحزاب وآليات الوساطة

تعد المعارضة الشعبية في مواقع التواصل الاجتماعي من أبرز الظواهر التي يعرفها الفضاء الرقمي، سواء من قبل المغاربة القاطنين في الداخل أو في الخارج، حيث تحولت هذه المعارضة إلى وسيلة للنقد والاحتجاج السياسي على مجموعة من القرارات أو الإجراءات أو السياسات العمومية للحكومة، والأحزاب التي تقودها.
ويمكن اعتبار المعارضة الشعبية في الفضاء الرقمي موجة جديدة تسحب البساط من المعارضة التقليدية المعروفة، والتي تراجعت نتيجة فقدان الثقة فيها من قبل شريحة كبيرة من المغاربة وفقدانها لقواعدها الشعبية والمتعاطفين معها، بسبب مساندتها لبعض السياسات اللاشعبية.
إعداد: خالد الغازي
نجحت المعارضة الرقمية سنة 2018 في فرض وجودها في الساحة السياسية، من خلال حملة المقاطعة الشعبية التي أطلقتها صفحات متعددة عبر “الفايسبوك” و”تويتر” آنذاك، تبنت خطابا سياسيا واقتصاديا ضد بعض الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين بسبب الغلاء والاحتكار، مما جعل هذه المعارضة الرقمية تنجح في فرض وجودها وإيصال صوتها للطبقة المتوسطة والفقيرة، وسرعان ما تم التفاعل مع خطابها.
وتطرح هذه المعارضة الشعبية الكثير من التساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء ظهورها، في ظل تراجع الدور الذي كانت تقوم به الأحزاب والنقابات والمنظمات الحقوقية، أمام اكتساح هذه المعارضة لمواقع التواصل الاجتماعي، والتي تحولت إلى صوت المقاطعين للانتخابات أو الرافضين للوضع السياسي الحالي والاجتماعي والاقتصادي.. فما هي الأسباب التي أدت إلى ارتفاع المعارضة الرقمية في المغرب؟ من هم هؤلاء المعارضون الجدد؟ وما مصير المؤسسات التقليدية في ظل المعارضة الشعبية الرقمية ؟
في هذا السياق، يرى العديد من المحليين والباحثين أن المعارضة الشعبية فرضت وجودها شيئا فشيئا في الفضاء الرقمي، نظرا لغياب المعارضة التقليدية في شبكات التواصل الاجتماعي، وضعف الأحزاب في استخدام الفضاء الرقمي، مما سمح بنشوء قاعدة شعبية جديدة في العالم الافتراضي تتبنى الخطاب السياسي المعارض لسياسة الحكومة والدولة في المجال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

يقول الوزير السابق والمحلل السياسي مصطفى الخلفي، حول المعارضة الشعبية، أننا إزاء نوعين: هناك معارضة فاعل سياسي وفاعل منظم تمارس عبر الحامل الرقمي، ومعارضة هولامية تتمثل في الأفراد ومجموعات من الأشخاص قد تكون هويتهم محددة، أو زائفة لا وجود لهم على الإطلاق، تم خلقهم عبر الذكاء الاصطناعي، مضيفا أن هناك عدة تحولات حصلت خلال 15 سنة الأخيرة، من أبرزها التحول الرقمي والبنية الرقمية، والتحول الديمغرافي وانقلاب الهرم السكاني، وتوسع الفئة العمرية ما بين 18 سنة إلى 30 سنة، ثم فقدان الثقة في الوساطة التقليدية.
وأوضح الخلفي، أن فقدان الثقة في مؤسسات الوساطة التقليدية، وفي مؤسسات الصحافة، والأحزاب السياسية، إلى جانب انحصار سياسي وانسداد سياسي وتراجع الديمقراطية، أعطى تقدما على مستوى العالم الرقمي، خاصة في ظل فعالية التأثير، حيث أن العالم الرقمي أكثر فعالية من الوساطة الأخرى، من خلال الصوت والصورة، التي لا تتيحها الصحافة التقليدية والتفاعل مع الناس، والبث المباشر للتواصل وخلق نقاش من خلال التعليقات وتبادل النقاش، وأشار إلى أن توسع استخدام الأنترنيت والبث المباشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، منح هذه المعارضة قدرة كبيرة على الانتشار والتأثير، مبرزا أن أكثر من 27 مليون حساب “فايسبوك” في المغرب يتيح فضاء واسعا للتعبئة والتواصل.
وأضاف نفس المتحدث، أن المعارضة الرقمية ليست بديلا للمعارضة التقليدية التي برزت خلال السنة الماضية في حدثين كبيرين، تجربة حراك تنسيقيات التعليم حول النظام الأساسي للتعليم، وحضور معارضة في الأرض ولديها صدى في مواقع العالم الرقمي وحققت نتائج ليست سهلة، ثم معارضة طلبة الطب، التي كانت في الشارع ولها صدى على المستوى الرقمي ولها تأثير كبير، مشيرا إلى وجود مشكل لدى الفاعل الحزبي، مع استثناءات محدودة.

من جانبه، يرى سعيد بنيس، أستاذ العلوم الاجتماعية، أن المعارضة الشعبية، التي يمكن تسميتها بـ”المعارضة الديجيتالية”، ترتكز على عينة من الناشطين في الفضاءات الافتراضية، تضم جيلا جديدا متصلا رقميا، نشأ خارج البنية التقليدية، وفاعل في محيطه يسعى إلى تعميق الشعور بالمواطنة ويمارس دوره في المراقبة وينهج خطابا احتجاجيا، حيث أن تمظهرات هذه المعارضة هي الاحتجاج على أوضاع الحياة والمعيشة، مثل نقص الماء، والغلاء، والسكن.. إن هؤلاء الفاعلين الجدد يتوزعون بين الأفراد الديجيتاليين، ولهم مبادرات، يتجاوزون البيئة والمجتمع من خلال فعاليتهم، وما يميزهم هي قدرة الإدارة وتخطي الحواجز وتبني المواطنة الفاعلة، التي تؤثر من خلال اليقظة المواطنة.
وأضاف بنيس أن تراجع المعارضة المؤسساتية، وغياب معارضة برلمانية قوية، أدى إلى ظهور معارضة افتراضية تركز على قضايا معيشية، بحيث أن بعض هذه الحركات تتجاوز الأطر التقليدية وتتبنى خطابات صدامية، وأدت إلى فرملة الوساطة السياسية وظهور هويات جديدة مكتسبة من الفضاء الافتراضي، وظهور ثقافة مضادة ترتكز على اقتراح بدائل للسياسات العمومية من خلال تفاعلات افتراضية عفوية، مشيرا إلى أن هذه المعارضة باتت تشكل خطرا على العيش المشترك والتماسك الاجتماعي، وأدت إلى جر الفاعل المؤسساتي إلى معترك العالم الافتراضي الذي لا يفقه فيه شيئا.
واعتبر المتحدث ذاته أن هذه المعارضة، التي تجذرت في المجتمعات الحقيقية، أدت إلى تحول في طبيعة الشأن العام، حيث انتقلت قضايا الشأن العام الواقعي إلى الفضاء الافتراضي، حيث تتجاوز هذه المعارضة الحدود التقليدية، لكنها تبقى غير مؤطرة ولا تنتج مفاهيم سياسية واضحة، محذرا من تصاعد نبرة العنف والكراهية داخلها.
تتطلب ظاهرة المعارضة الموازية في الفضاء الرقمي، الوقوف على الأسباب الأساسية التي أدت إلى بروز هذه الفئة التي تتبنى خطابا سياسيا نقديا، وقد ينتقد سياسة الدولة والحكومة في مجال الديمقراطية والتمثيلية، والمشاريع وأولويات السياسة العامة، وذلك اعتبارا لثلاثة عوامل أساسية، السبب الأول مرتبط بطريقة تدبير الحكومة للشأن العام، وخدمة مصالح أصحاب المال والأعمال والأعيان والمصدرين والمستوردين الكبار، مما يضر بحقوق المواطنين والطبقة المتوسطة، مما ساهم في بروز المعارضة الرقمية بطريقة كبيرة للتعبير عن الرأي السياسي والاجتماعي.
ومن بين الأسباب أيضا، غياب التأطير لهؤلاء الشباب الناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي، وتخلي المعارضة الحزبية عن وظائفها في استقطاب هؤلاء النشطاء السياسيين الافتراضيين الذين يكتسحون مواقع التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى تأخر المعارضة التقليدية، وغياب المجتمع المدني في الدفاع عن حقوق المواطنين والفئات الاجتماعية المتضررة من سياسات الحكومة، مما دفع بهؤلاء الشباب، الذين يقدر عددهم بالملايين في مواقع التواصل الاجتماعي، إلى اللجوء إلى الفضاء الرقمي للتعبير عن انشغالاتهم بالأمور السياسية.
يقول محمد الخمسي، خبير في التحول الرقمي، أن المعارضة الرقمية ظاهرة عالمية، لكنها في دول المؤسسات القوية تجد احتواء وتأطيرا، بينما تتحول في دول أخرى إلى بديل عن الإعلام والمعارضة التقليدية، لكن الفرق هو أن هناك دولا لها مؤسسات قوية تستوعب هذا النوع من المعارضة، مشيرا إلى أن هذه التبعية الرقمية قد تخلق مجتمعا منقطعا عن واقعه، يتأثر بالتوجهات التي تفرضها المنصات الرقمية دون امتلاك القدرة على التحكم فيها أو مواجهتها بوعي نقدي، موضحا أن تراجع دور مؤسسات الإعلام الكلاسيكي والمؤسسات السياسية الرسمية، ساهم في خلق فراغ ملأه الفاعلون الرقميون، وهو ما جعل المشهد أكثر تعقيدا وصعوبة في التوقع، بحيث أن “هذه التحولات أفرزت تحديات أخرى، مثل تصاعد الفردانية، وانتشار التفتيت المعرفي، وتنامي ظاهرة التجهيل، بحيث أصبح التضليل وصناعة الشكوك أدوات مؤثرة في تشكيل الرأي العام”، مشيرا إلى أن تطور الخوارزميات والذكاء الاصطناعي ساهم في تعميق هذا التحول، محذرا من الفجوة الرقمية بين الدول المنتجة للتكنولوجيا وتلك التي تستهلكها.
وشدد نفس المتحدث على أهمية فتح القنوات الطبيعية للحوار، مثل الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني، باعتبارها الوسيط بين المجتمع والدولة، لأن إغلاق هذه القنوات قد يؤدي إلى احتقان يصعب التنبؤ بعواقبه، ما يتطلب ضرورة إعادة ترتيب استراتيجيات إصلاح التعليم، وإفساح المجال أمام الفكر النقدي والفلسفي، لضمان قدرة المجتمع على التعامل الواعي مع التحديات الرقمية الراهنة.

أما أستاذ علم الاجتماع عبد الرحيم العطري، فقد أكد أن المغرب يعيش انتقالا من معارضة تقليدية إلى معارضة الشاشة، وظهور “الأعيان الرقميين”، الذين يستعملون “استراتيجيات الفضح وخطاب البكائيات”، لكنهم في بعض الأحيان يتبنون أطروحات تدميرية تهدد النقاش العمومي، واصفا المعارضة الرقمية باللجوء السياسي الرقمي، بحثا عن تصريف المواقف والتعبيرات بعدما خفت بريق الإيديولوجيات، متحدثا عن تحول كبير تعرفه حياة الإنسانية بفعل الفضاء الأزرق حيث تبرز فردنة المعارضة.
وأضاف العطري أن الفاعل الرقمي أصبح همه في الغالب البحث عن الأدسنس والمداخيل المالية بمنطق مقاولتي، بتبني خطاب البكائية والتسول الرقمي والفضائحية، التي أنتجها سياق اللايقين والمخاطر وسياق الشعبوية وسياق ما بعد الإنسان وما بعد المعارضة، مشيرا إلى خوفه على الشباب خارج المدرسة والشغل والتكوين، الذين يلتجئون إلى الفضاء الرقمي ويعارض من أجل المعارضة، أمام انسداد الأفق وضعف أدوار مؤسسات الوساطة التقليدية.
بدوره، يؤكد بدر الزاهر الأزرق، الباحث في الاقتصاد، أن المعارضة اليوم في المغرب تحولت إلى معارضة رقمية تأتي من الشبكات العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي، وأن التغيرات طرأت على الفعل الاحتجاجي والعمل السياسي منذ الربيع العربي إلى اليوم، إذ أصبح للاحتجاج الرقمي والمعارضة الرقمية دور وازن على مستوى رسم السياسات وتغييرها وتبديل الأشخاص والفاعلين السياسيين.
وأوضح الأزرق، أن الاحتجاجات التي كانت في الشارع انتقلت وأخذت ثوبا رقميا، من خلال دعوات المقاطعة وانتقاد شخصيات سياسية معينة، وبالتالي، كل هذه القوة التي أضحت لهذه المعارضة الشعبية، أصبحت تطرح مجموعة من التساؤلات وأصبحت جديرة بالدراسة، معتبرا أن المعارضة الرقمية يمكن اعتبارها اليوم أكبر حزب في المغرب هو حزب المعارضة الرقمية، الشيء الذي يتطلب القيام بدراسات عميقة على هذه التحولات التي طرأت على الفعل الاحتجاجي بالمغرب.
ففي ظل التحولات والتغييرات التي تحصل في العالم وعلى مستوى المشهد السياسي الوطني، هل يمكن أن تتحول المعارضة الشعبية من مواقع التواصل الاجتماعي إلى حزب سياسي يشتغل على أرض الواقع، خاصة في ظل بروز خطابات سياسية مختلفة في الفضاء الرقمي بين الفئات التي تحمل الفكر المحافظ والفكر اليساري، لاسيما وأن الكثير من الشباب اليوم أصبحوا متتبعين للسياسات العمومية والعامة ويحاولون أن يكون لهم رأي فيما يحصل على مستوى الشأن العام للبلاد.



