رأي | دور المغرب في توفير الأمن والاستقرار لمنطقة الصحراء والساحل


لا يمكن فصل الدور الراهن للمغرب في منطقة الصحراء والساحل عن إرثه التاريخي المعلوم، وكما يشير الباحث ديفيد ليون في كتابه “الصراع على الصحراء”، فإن الماضي الاستعماري للمنطقة زرع بذور الانقسام، حيث أدت الحدود التعسفية الكولونيالية إلى تفاقم الخصومات القبلية والمنافسة على الموارد. ومع ذلك، فقد اتبع المغرب، ما بعد الاستعمار، استراتيجية إعادة الروابط مع الدول الشقيقة، التي أطرتها تأكيدات الملك محمد السادس على أن “إفريقيا ليست مجرد امتداد جغرافي للمغرب، بل إنها المستقبل”.
فقد دعمت هذه الفلسفة إعادة دمج المغرب في الاتحاد الإفريقي عام 2017، بعد غياب دام 33 عاما، وهي الخطوة التي أشارت إلى نية الرباط في إعادة ترسيخ هويتها القارية، وعلى عكس الدول التي تتعامل مع منطقة الساحل من خلال منظور يركز على الجانب الأمني، تبنى المغرب نهجا شاملا يجمع بين التنمية والدبلوماسية والقوة الناعمة.
إن جوهر استراتيجية المغرب هو التواصل الاقتصادي الناجع، الذي يعمل كعامل استقرار ووازع للتكامل الإقليمي، ويسلط تقرير البنك الدولي لعام 2023 بخصوص البنية الأساسية في إفريقيا، الضوء على استثمارات المغرب في المشاريع العابرة للحدود الوطنية، مثل خط أنابيب الغاز بين نيجيريا والمغرب، وهي مبادرة بقيمة 25 مليار دولار تهدف إلى ربط 11 دولة في غرب إفريقيا. ويتجاوز هذا المسعى، الذي يشبه طريق الحرير الصيني، مجرد توفير الطاقة، بل يجسد رؤية المغرب لربط الساحل بشمال إفريقيا من خلال المصالح الاقتصادية المشتركة، وعلى نحو مماثل، أنشأت شركات مغربية، مثل مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، الشركة العالمية الرائدة في مجال الأسمدة الفلاحية وغيرها، مراكز تدريب زراعي في مالي والسنغال، لمعالجة قلق الأمن الغذائي مع تعزيز الاعتماد على خبرة المغرب في هذا المجال.
إن مثل هذه المبادرات ليست إيثارية وتعاونية فقط، بل استراتيجية أيضا، ومن خلال وضع نفسه كبوابة للاستثمارات الأوروبية والخليجية في القارة، يعمل المغرب على الرقي بنفوذه الإفريقي؛ فميناء طنجة المتوسطي، العملاق البحري الذي يتعامل مع أكثر من 9 ملايين حاوية سنويا، يعمل كقناة لنحو 60 % من تجارة غرب إفريقيا مع أوروبا، وتزعم الخبيرة الاقتصادية عائشة أغوزول، أن هذه الشبكة الاقتصادية تحول المغرب إلى “وسيط جيوستراتيجي”، لا غنى عنه لكل من المنتجين الأفارقة والأسواق العالمية.
وإذا كانت الروابط الاقتصادية تشكل حجر الأساس لنفوذ المغرب، فإن التعاون الأمني يعمل كصلب معزز له.. فقد أصبحت الحدود في منطقة الساحل ملاذا للجماعات المسلحة في الصحراء الكبرى مثل “داعش” وجماعة “نصرة الإسلام”، التي تهدد أنشطتها الاستقرار الإقليمي، ومع ذلك، فإن نهج المغرب يختلف عن التكتيكات العسكرية لعملية “بارخان” الفرنسية المنحلة، أو قوة عمل “تاكوبا” التابعة للاتحاد الأوروبي، وبدلا من ذلك، تؤكد الرباط على تبادل المعلومات الاستخباراتية وبناء القدرات، وتدريب أكثر من 2000 فرد من أفراد الأمن في منطقة الساحل سنويا في مكافحة الإرهاب وإدارة الحدود.
كما تعزز الفعالية الدبلوماسية للمغرب دوره كعامل استقرار، إذ أصبح النزاع المستمر منذ عقود حول الصحراء المغربية، أداة للضغط بشكل متناقض.. فمنذ سنة 2020، فتحت أكثر من 30 دولة إفريقية وعربية قنصليات لها في مدينتي العيون والداخلة، مما يعني ضمنيا تأييد السيادة المغربية في مقابل شراكات اقتصادية، وكما أشارت عالمة السياسة سميرة بنيس، فإن هذا التبادل “يحول الالتزام إلى عملة”، مما يسمح للرباط باستغلال الاعتراف الدبلوماسي في التحالفات.
وفي الوقت نفسه، استقطب المغرب دول الساحل من خلال الدبلوماسية الدينية، ويروج معهد محمد السادس لتدريب الأئمة، الذي يتخرج منه مئات رجال الدين الأفارقة سنويا، للإسلام الوسطي والمعتدل، الذي يقاوم الإيديولوجيات المتطرفة، وهذه المبادرة، إلى جانب ترميم الأضرحة الصوفية التاريخية في مالي والسنغال، تعكس ما يطلق عليه المؤرخ عبد الرحمان ديوب “البنية الأساسية الروحية”، وهي وسيلة لمكافحة التطرف من خلال استعادة دور الثقافة الرصينة.
وعلى الرغم من هذه النجاحات، تواجه طموحات المغرب ممارسات معاكسة من بعض جيرانها، حيث عمقت الجزائر علاقاتها مع المجالس العسكرية في منطقة الساحل، ووضعت نفسها كبديل مناهض للغرب، ويؤكد الانقلاب الذي شهدته النيجر سنة 2023، والذي شهد طرد القوات الفرنسية ووصول مرتزقة “فاغنر” المدعومين من الجزائر، على اختلال هذه التحالفات، وعلاوة على ذلك، يلوح تغير المناخ كعامل مزعزع للاستقرار، وتقدر الأمم المتحدة أن التصحر قد يؤدي إلى تهجير 50 مليون شخص من سكان الساحل بحلول عام 2030، مما يختبر قدرة المغرب على تحقيق التوازن بين المساعدات الإنسانية والمصلحة الذاتية.
ومع ذلك، فإن مرونة الرباط تشير إلى حنكتها الدبلوماسية من خلال ترسيخ استراتيجيتها في المنفعة المتبادلة “رابح-رابح”، سواء من خلال الاستثمارات التي تخلق فرص العمل، أو التدريب على مكافحة الإرهاب، إذ صاغ المغرب دورا يتجاوز المعاملات، وبينما تكافح منطقة الصحراء والساحل الاضطرابات، فإن سياسة المغرب من خلال البراغماتية والرؤية بعيدة المدى، يقدم نموذجا للاستقرار في المناطق حيث الفوضى تبدو حتمية. في ضوء هذا الوضع، تبرز المملكة ليس فقط كفاعل ولكن كنموذج، مما يثبت أنه في الجغرافيا السياسية، غالبا ما يتفوق فن التوازن على القوة الغاشمة للتدخل العسكري المباشر.



