

يمر رمضان هذه السنة في أجواء روحانية تختتم بليلة القدر التي جرت سنة المغاربة أن يحتفلوا بها في ليلة السابع والعشرين، اقتداء بالحديث الصحيح لابن العباس لما سأله عمر ابن الخطاب وما أدراك بأنها في هذه الليلة، فاجتهد وأجابه بالنقل والعقل: “إن الله تعالى خلق السماوات سبعا، وخلق الأرضين سبعا، وجعل الأيام سبعا، وخلق الإنسان من سبع، وجعل الطواف سبعا، والسعي سبعا، ورمي الجمار سبعا”، فيرى ابن عباس أنها ليلة سبع وعشرين من خلال هذه الاستنباطات المبنية على دراسة واجتهاد وتوافق النقل مع العقل.
وبذلك يكون هذا الصحابي الجليل الذي استدل بعدد السماوات والأرضين في احتساب ليلة القدر مستخدما استنباطه العقلي، وقد سبق توفيق الحكيم الذي استدل هو كذلك بنفس الآية في حديثه الأول عن نظرية النسبية عند إينشتاين، ولكن بعد أربعة عشر قرنا، لكن ونحن في غمرة هذه الأجواء الروحية، يطرح دائما التساؤل: هل استطاع الإنسان خلال كل رمضان يصومه إيمانا واحتسابا، أن يعتق عظامه من النار في ليلة القدر وهذا أعظم ثواب في رمضان؟ هل سيبقى العمل بآداب وأخلاق الصيام وبكل ما تشبع به الإنسان أثناء الشهر الفضيل، من تكافل وصدقات وأعمال الخير وابتغاء العفو الذي أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نطلبه إذا ما صادفنا ليلة القدر؟ وهل سيبقى كل ذلك معمولا به بعد رمضان إن شاء الله ؟
وبغض النظر عن كل ما نشهده من بذخ وترف ديني في تلقين المعلومات والأحاديث المعتمدة على النقل طوال هذا الشهر الفضيل، سواء على صفحات التواصل الاجتماعي أو غيرها، مما يناقش فقه العبادات، فإننا نجد في المقابل فقرا في الفكر الديني والعقل الذي تعرض له أدباء ومفكرون كبار، وكان الأولى استرجاع ما تحقق من ذخيرة علمية لدى السلف الصالح ولدى مفكري الشرق والغرب، وهذا النقاش العلمي هو الذي يحتاجه الإسلام، وهو المطلوب اليوم في زمن الذكاء الاصطناعي الذي لا نعلم على أي شاطئ سوف ترسو سفينته بنا جميعا.
فقبل أربع سنوات من وفاته في سنة 1983، قام الكاتب والمفكر الشهير توفيق الحكيم بضم الأحاديث التي نشرت بعنوان “مع وإلى الله”، وهي أحاديث كانت قد أثارت ضجة كبيرة بين الناس رغم أنها كانت مناجاة بلغة الكاتب الخاصة، وثقافته الخاصة، وكما سماها “حبه الخالص لله”، ومن منا لا يحب الله.
فمن أجل هذا الحب نصلي ونصوم ونتصدق ونؤمن محاولة منا لإرضائه سبحانه وتعالى ونحن عباده الضعفاء له وهو الرحيم الودود الحريص علينا، الرؤوف الرحيم بنا، الغفور لذنوبنا ولو كانت مثل زبد البحر.
فعن سلمان الفارسي رضي الله عنه، أن “النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن المسلم إذا لقي أخاه فأخذ بيده تحاتت ذنوبهما كما يتحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف، وغفر لهما ولو كانت ذنوبهما مثل زبد البحر”.
فالإسلام معاملة قبل أن يكون شيئا آخر، وهذه من الأعمال التي يكثر منها المؤمن في رمضان، ولكن سرعان ما تندثر بعده مباشرة، وهذا ما دفع عددا كبيرا من المفكرين، أمثال توفيق الحكيم وغوته ولامارتين وإينشتاين وطه حسين والعقاد والمعري وابن رشد والخيام وغيرهم، إلى استخدام العقل للتوفيق بين ما ورد في الكتب السماوية وبين تساؤلاتهم المحكومة بمعايير الفكر المجرد.
فقد حاول توفيق الحكيم استبعاد الكلمات والأسطر التي كتبت تخيلات منسوبة إلى الله، مراعاة للحساسيات الدينية، التي لم يرد إزعاج أي كان بها في الطبعة الثانية من كتابه “الأحاديث الأربعة”، ونادى من خلال هذا الكتاب بإزالة اللبس بين علماء الدين الذين يريدون أن يكون لهم وحدهم حق تشكيل عقلية الأمة على أساس العلم الديني الذي درسوه هم من الكتب المعتمدة لديهم، والتي قرأوها وفسروها على طريقتهم، وبين ما ينادي به رجال الرأي والعلم الذين يرون أن عقلية الأمة يجب أن تسهم في تكوينها كل العناصر الإنسانية القائمة على النشاط الذهني والشعوري للإنسان، من عقيدة دينية، وفكر علمي، وأدب، وفن، وثقافة متجددة بتغير العصور من قديمة وحديثة، ما دام الإسلام صالحا لكل زمان ومكان.



