كواليس الأخبار

تحت الأضواء | هل هي محاولة إحياء “دور” دي ميستورا في قضية الصحراء ؟

بعد المقترح الفاشل لـ"تقسيم الصحراء"

الرباط – الأسبوع

    أخيرا عاد المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا إلى رشده وقام بزيارة للمغرب بداية الأسبوع الجاري، في إطار جولته الإقليمية التي تسبق المشاورات غير الرسمية لمجلس الأمن في شهر أبريل المقبل، حيث التقى بوزير الخارجية ناصر بوريطة، للتباحث في قضية الصحراء، رغم أنه يعلم جيدا موقف المغرب ثابت وراسخ والذي سبق أن استمع إليه خلال زياراته السابقة.

وقد شكل الاجتماع مناسبة لتذكير المبعوث الأممي بالدينامية الدولية المتزايدة لدعم مغربية الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي، والموقف السياسي الواقعي للمغرب والتفريق بين الواقع الحقيقي على الأرض الذي يؤكد سيادته على الأقاليم الجنوبية، وبين “عالم متجمد” بعيد عن التطورات الدولية.

تتمة المقال تحت الإعلان

ويرى العديد من الملاحظين، أن زيارة المبعوث الأممي للمغرب في هذا الوقت والظروف الحالية، تحمل دلالات كبيرة، نظرا لأن ملف الصحراء سيكون متداولا في اجتماع مجلس الأمن خلال شهر أبريل، ضمن المشاورات غير الرسمية المقررة، إذ أن هذه الخطوة تأتي بعد جمود طويل ومرحلة باردة طبعت العلاقة بين المغرب ودي ميستورا، بسبب خرجاته واقتراحاته التي تلقاها من الأطراف المعادية حول “تقسيم الصحراء”.

تتمة المقال تحت الإعلان

ويسعى دي ميستورا من خلال تواصله المباشر مع المسؤولين المغاربة، إلى مراجعة تطورات الملف، وجمع المعطيات والموقف الرسمي من المغرب بخصوص مبادرة الحكم الذاتي والإجراءات التي يمكن اتخاذها من أجل تنزيلها كحل واقعي، إلى جانب جمعه لمواقف الأطراف الأخرى قبل تقديم تقرير جديد لمجلس الأمن.

فهذه الزيارة تأتي اليوم في ظرف حساس ووضع دولي يتسم بعدة توترات تحصل في الشرق الأوسط وفي الحرب الروسية الأوكرانية، ومواقف الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة ترامب، حول مسار الأمم المتحدة، وتقليص نفقاتها وتمويل منظمات وقوات حفظ السلام، مما سيكون له تداعيات كثيرة على العديد من المناطق في العالم التي تعرف حروب وصراعات.

في هذا الصدد، يرى صبري الحو، خبير في القانون الدولي وقضايا الهجرة ونزاع الصحراء، أن المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، سيكون في موقف صعب خلال تقديمه الإحاطة بهذا الملف لمجلس الأمن في شهر أبريل، لأنه يعرف خلفية ونوايا أمريكا في إلغاء أو تخفيض دعمها وإنفاقها على البعثات الأممية والمنظمات الدولية، والذي قد يطال “المينورسو”.

وأوضح الحو أن دي ميستورا أوقع نفسه في ورطة حقيقية، وهو في أمس الحاجة لاستصدار دعم صريح وواضح، وجديد من مجلس الأمن، بعد أن تسربت أخبار عن مخططاته ومقترحاته بتقسيم الصحراء، وهي توصيات قديمة ترجع لعهد الأمين العام كوفي عنان، ومرفوضة بشكل بات ومطلق لا رجوع فيه من طرف المغرب، وهي مقترحات تتناقض مع الاعتراف والالتزام الأمريكي والاعتراف الفرنسي والتأييد الإسباني لمغربية الصحراء، وتتناقص أيضا مع تنامي الدعم والديناميكية الدولية لتأييد مشروع الحكم الذاتي على أرض الواقع، بفتح قنصليات في الأقاليم الجنوبية كحل، وبالجهوية المتقدمة لتطوير الديمقراطية المحلية والتشاركية بالمغرب.

وأضاف نفس المتحدث، أن مضمون تقرير المبعوث الأممي، مهما كان في إحاطته نصف الدورية وتنفيذا لقرار مجلس الأمن عدد 2756 بتاريخ 31 أكتوبر 2024، فإن أي شكل من أشكال الحل يبقى مشروطا بقاعدة التوافق بين الأطراف، وفي إطار الحل النهائي يمنح إشهادا بنهائية النزاع ويبقي الصحراء تحت سيادة المغرب وليس مجرد حلول مؤقتة”، قائلا: “سيبقى تقرير دي ميستورا حاسما لدي ميستورا نفسه ويضع ولايته ومهمته ومصداقيته في الميزان، وعليه مسارعة الوقت لإعادة ضبط مقترحاته تحت طائلة اعتباره شخصا غير مرغوب فيه من طرف الجميع”.

من جانبها، اعتبرت سلمى بنعزيز، رئيسة لجنة الخارجية والدفاع الوطني بمجلس النواب، أن “زيارة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، تأتي في لحظة مفصلية تؤكد مرة أخرى أن قضية الصحراء المغربية ليست مسألة تفاوض حول السيادة، بل تأكيد لموقف راسخ تدعمه الشرعية الدولية والزخم الدبلوماسي المتزايد”، وأوضحت أن “المغرب بقيادة الملك محمد السادس، لا يكتفي بالدفاع عن حقوقه التاريخية والقانونية، بل يجسد سيادته على أقاليمه الجنوبية من خلال تنزيل فعال للنموذج التنموي الجديد، هذا النموذج الذي رصدت له ميزانيات ضخمة تتجاوز 77 مليار درهم، يشمل مشاريع استراتيجية في البنية التحتية، الطاقة المتجددة، الصناعة، والتعليم، مما جعل الأقاليم الجنوبية نموذجا للتنمية والاندماج الإفريقي”.

وأكدت بنعزيز أن المجتمع الدولي يدرك أن مبادرة الحكم الذاتي، التي تحظى بدعم واسع من أكثر من 100 دولة، ليست مجرد مقترح سياسي، بل حلا واقعيا ومستداما يضمن الاستقرار والازدهار للمنطقة، وكما أكد الملك في خطابه بمناسبة الذكرى 49 للمسيرة الخضراء، فقد “آن الأوان للأمم المتحدة أن تتحمل مسؤوليتها في توضيح الفرق بين مغرب يسير بخطى ثابتة نحو المستقبل، وبين أطروحات متجاوزة لا مكان لها في عالم اليوم”، وأضافت أن “المغرب ماض بثقة، بمشاريعه، بشراكاته الدولية، وبإرادة شعبه، في جعل الصحراء بوابة نحو إفريقيا ومركزا للتنمية والاستقرار، وبينما يضيع البعض وقتهم في الأوهام، يكتب المغرب تاريخه على أرض الواقع، بالصحراء ومن الصحراء، نحو مستقبل لا مكان فيه للرجعية!”.

من جانبه، يرى نوفل البعمري، الخبير في ملف النزاع حول الصحراء، أن زيارة دي ميستورا للمغرب تأتي ضمن مستجد أساسي مرتبط بعودة ترامب لحكم الولايات المتحدة الأمريكية، وهو الرئيس الذي وقع على الإعلان الرئاسي الذي اعترفت بموجبه الولايات المتحدة بمغربية الصحراء، مضيفا أن هذه الزيارة لا يجب أن تكون مجرد حدث عابر في تاريخ الملف، بل يجب وضعها ضمن سياقات المرحلة، سواء منها تلك التي حددها الملك، أو تلك المرتبطة بالتحولات العالمية مع إدارة ترامب الجديدة، وهنا يأتي دور الدبلوماسية المغربية في جعل لحظة ما بين تقديم الإحاطة وصدور قرار مجلس الأمن في أكتوبر المقبل، لحظة تحول نوعي ونقلة استراتيجية يتداخل فيها ما هو داخلي بما هو خارجي لتحقيق النقلة التي تحدث عنها الملك، من التدبير إلى التغيير..

وأضاف البعمري في مقال للرأي، أن مجيء دي ميستورا يأتي ضمن تصاعد أصوات أمريكية لإيقاف الدعم الأمريكي لبعثات حفظ السلام، ومنها طبعا بعثة “المينورسو”، لأن الولايات المتحدة هي الممولة الأولى لهذه البعثة مع ما يعني ذلك من انعكاس سياسي على الملف وأمني على المنطقة يستوجب أن ينتقل المغرب لمرحلة جديدة في تدبير الملف هي مرحلة ما سماها الملك محمد السادس بـ”مرحلة التغيير”.. تغيير آليات العمل والاشتغال والمبادرة السياسية والأمنية، وشدد على ضرورة دعم المبادرة السياسية المغربية على الصعيد الأممي، واستغلال الظرفية الحالية لخلق واقع سياسي جديد داخل الأمم المتحدة ينتهي مع أكتوبر المقبل بصدور قرار أممي ينهي هذا النزاع ويخرج مما سماه العديد من الدبلوماسيين الأمريكيين من “تدبير بيروقراطي” داخل الأمم المتحدة إلى تدبير سياسي واقعي يستجيب لواقع المنطقة ولتحولاتها السياسية من خلال فرض الحل السياسي الذي تقدم به المغرب، والذي يستجيب للمعايير السياسية التي وضعتها الأمم المتحدة لطي الملف وفقا لمبادئها ولميثاق الأمم المتحدة، وهو ضغط يجب أن يمارسه المغرب بدعم من حلفائه، خاصة الدول المشكلة لما يسمى بمجموعة “أصدقاء الصحراء الغربية”، وهي المجموعة التي تدعم اليوم دولها الحل السياسي على أرضية مبادرة الحكم الذاتي.

وأكد البعمري على استمرار المغرب وتعزيز توجهه نحو الحفاظ على أمن المنطقة ليس فقط عسكريا أو أمنيا، بل بالاستمرار في تقديم مبادراته التنموية والاقتصادية لمنطقة الساحل اعتبارا لكونها هي أكثر البؤر التي تشكل تهديدا أمنيا للمنطقة، والتي يمكن استغلالها من طرف ميليشيات البوليساريو، وعليه فاستمرار هذا التوجه الاقتصادي للمغرب مع الحفاظ على علاقة متوازنة مع موريتانيا، سيجعل المسار الاقتصادي في خدمة الأمني من خلال تقديم إجابة تنموية واقتصادية عن سؤال التحديات الأمنية التي تشهدها المنطقة.

تطرح زيارة دي ميستورا للمغرب، العديد من الأسئلة لدى المحللين والمراقبين، حول إمكانية استمراره في منصب المبعوث الأممي بعد فشله خلال الفترة السابقة في تدبير الملف بشكل موضوعي وحيادي، لاسيما بعد مقترحه الغريب والزيارات الاستفزازية التي قام بها لبعض الدول المناوئة للمقترح المغربي للحكم الذاتي، إلى جانب عدم تمكنه من عقد أي جلسة للموائد المستديرة لتحريك المفاوضات، مما يدل على عدم تمكن الرجل من دراسة الملف وتضييعه للوقت في السفريات والرحلات إلى دول لا علاقة لها بالملف.. فهل تكون هذه المرحلة الأخيرة له، أم أن هناك مراحل أخرى قادمة في تدبير القضية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى