
لا زالت تداعيات قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهجير سكان غزة وهدم القطاع كاملا وإعادة بنائه على شكل “ريفييرا”، ترخي بظلالها على المجتمع الدولي وليس العربي وحده، لما تحمله من سياسات خطيرة تعود بالعالم إلى إمبريالية القرن 19 وفرض التدخل في الدول بالقوة من بوابة الاقتصاد والتجارة، ومن جهة ثانية، يلعب هذا القرار دورا خطيرا في تشتيت الرأي العربي حول مستقبل فلسطين ما بعد “طوفان الأقصى”..

كان الرئيس الأمريكي واضحا في سياسته تجاه الشركاء والأعداء منذ ولايته الأولى، ومباشرة بعد عودته إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، لم يهدر دونالد ترامب الكثير من الوقت حتى بدأ في استكمال مخططاته التوسعية وفق النظام العالمي الجديد، وكانت ثاني نقطة في سياسته، بعد ترتيب البيت الداخلي، هي الشرق الأوسط، ووجد حلا يرضي مخططاته التوسعية من خلال التوصل إلى اتفاق هدنة بين “حماس” وإسرائيل، ثم تلاها القرار/القنبلة، من خلال دعوته كلا من مصر والأردن إلى استقبال سكان غزة، الذين سيرحلون – وفق مخططه الجديد – وإخلاء قطاع غزة وإعادة إعماره، لأنه “لا يوجد شيء في غزة للعودة إليه. المكان عبارة عن موقع هدم. سيتم هدم الباقي. سيتم هدم كل شيء”.. هكذا عبر ترامب للصحافة يوم 9 فبراير 2025، وقال: “غزة ستهدم بالكامل وسنمتلكها ونعيد إعمارها بمشاركة دول أخرى”، وقال أيضا: “أنا ملتزم بشراء وتملك غزة، وفيما يتعلق بإعادة إعمار القطاع، فقد نتيح لدول أخرى في الشرق الأوسط المشاركة في إعادة الإعمار، قد يقوم أشخاص آخرون بذلك تحت رعايتنا، لكننا ملتزمون بتملكه والاستيلاء عليه وضمان عدم عودة حماس”.
فقد كان لهذه التصريحات على العرب بالخصوص وقع قنبلة هيروشيما.. حيث أربك الحسابات السياسية للدول العربية، وبالخصوص الدول المعنية التي شملها ترامب بقراره، وهما مصر والأردن، فمثل هذه القرارات بإمكانها إحداث شرخ كبير في علاقات الدول التي تتكفل بمساعدة فلسطين، خاصة بعد عملية “طوفان الأقصى” والتوصل أخيرا لهدنة وتبادل الأسرى بعد الدمار الشامل الذي لحق قطاع غزة.
وقد لخصت صورة الملك عبد الله الثاني – بغض النظر عما أجاب به العاهل الأردني – في لقائه بترامب خلال عرض فكرة استقبال الفلسطينيين المراد تهجيرهم، في الأردن، (لخصت) كل حيثيات عجرفة ترامب واستصغاره للحكام العرب في سبيل دعم الكيان الصهيوني وهو الذي سبق أن صرح أمام المجلس الإسرائيلي-الأمريكي بواشنطن يوم 19 شتنبر 2024 بالقول: “سنجعل إسرائيل عظيمة مرة أخرى..”، وهو ما يؤكد أن خوض دونالد ترامب للسباق الرئاسي لم يكن إلا لاستكمال “صفقة القرن” التي روج لها مستشاره جاريد كوشنير في سنة 2018 خلال جولته بمنطقة الشرق الأوسط، والذي أكد في سنة 2019 أن من بين بنود اتفاقات الصفقة أنها “تكرس القدس عاصمة لإسرائيل”، وهو ما تمضي الولايات المتحدة الأمريكية في تحقيقه ولو أنها تدعو إلى وقف إطلاق النار والعمل بالحلول السلمية، إلا أنها تعمل على تعزيز مكانة إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني، وكذا الدول العربية، وما التوصل إلى اتفاق تبادل الأسرى سوى واحدة من سياسات ترامب للقضاء على حركة “حماس” بشكل نهائي ومنعها من الاقتراب من القطاع بالقول على لسان مستشار الأمن القومي الأمريكي بأن “إسرائيل ستفعل ما يتعين عليها فعله لضمان ذلك، والولايات المتحدة، تحت إدارة ترامب، ستدعمها في أن حماس لن تحكم غزة مرة أخرى”، ولم يتردد ترامب في إطلاق تحذيراته من أن “جحيما سوف يندلع في الشرق الأوسط إذا لم تطلق حركة حماس سراح كل الرهائن الإسرائيليين لديها”.

وحسب العديد من الخبراء، فقد تضمنت “خطة القرن” في سنة 2020 ما تمت تسميته “رؤية اقتصادية لغزة”، وهي تتعلق بإعادة تنمية قطاع غزة اقتصاديا من خلال تحويل المنطقة إلى ما تمت تسميته “مركز تجاري كبير مزدهر”، وهو ما أطلق عليه ترامب فور عودته لرئاسة البيت الأبيض، اسم “ريفييرا الشرق الأوسط”، وفي الواقع، فهذه الفكرة كان يطمح لها الرئيس الأمريكي منذ ولايته الأولى بمساعدة مستشاره السابق جاريد كوشنير، الذي قال مؤخرا – في حديث صحفي- بوجود “الإمكانات العقارية على الواجهة البحرية لغزة”، مشددا على “إمكانية إعادة تطوير القطاع بمجرد إخراج السكان وتنظيف المنطقة”؟ وهو ما أثار انتقادات واسعة حتى في الأوساط الأمريكية.
فسياسة ترامب في مجملها ليست سوى تطبيقا حرفيا لـ”سياسة العصا والجزرة” والقائمة على تقديم المكافأة قبل العقوبة، وللإشارة فهذا التعبير يستخدم بشكل كبير في مجال العلاقات الدولية لوصف مفهوم “القوة الصارمة”، حيث تشير الجزرة إلى المرونة في الاتفاقيات التجارية وتقديم التسهيلات وما شابه ذلك، أما العصا فتشير إلى لغة التهديد من قبل الدولة المستعملة لهذه السياسة من أجل ترغيب وترهيب الشركاء وغير الشركاء من أجل القبول بشروط الدولة التي تتعامل بسياسة “الجزرة والعصا”.
فالملاحظ أن ترامب يعمل وفق “منظومة بيزنس” لحل كل الصراعات كما هو الشأن مع أوكرانيا، وهذه المنظومة تختلف كليا عن طريقة تعامل باقي الرؤساء الأمريكيين مع القضية الفلسطينية، حيث اعتادوا إعطاء إسرائيل الحصانة لترتكب ما تشاء من جرائم في حق الفلسطينيين دون رادع، لذلك فترامب ارتأى حل الصراع القائم بين إسرائيل وحركة “حماس”، أولا من خلال وضع حد لـ”حماس” في حكم غزة، وثانيا في تهجير سكان المنطقة وإعادة إعمار القطاع بما يتناسب مع مخططاته الاستثمارية في محاولة منه لجر دول المنطقة إلى المزيد من الإنفاق وهذه المرة ليس كمساعدات مباشرة للفلسطينيين، وإنما لتهيئة المنطقة وفق خطط اقتصادية.. الرئيس يفكر ويخطط والآخرون ينفذون.. دون أن يكترث لهذه الكارثة العظمى في الترحيل القسري لسكان أصليين من موطنهم وتداعيات ذلك مستقبلا..

وفيما يشبه رمي الكرة في ملعب الدول العربية، في محاولة لاستصدار قرار عربي موحد بشأن قرار أمريكا إخلاء غزة، قال الملك عبد الله الثاني، خلال لقائه مع الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض بخصوص استقبال الفلسطينيين في بلاده: “يجب أن ننتظر لنرى خطة من مصر”، وأضاف “يجب أن نضع في الاعتبار كيفية تنفيذ ذلك بما يخدم مصلحة الجميع.. علي أن أعمل ما فيه مصلحة بلدي”، وأبرز المحاور التي تناقش قبل القمة العربية تحاول كل دولة فيها إعطاء حل لإعمار قطاع غزة والإبقاء على الفلسطينيين في موطنهم، ومنها أن “مصر قدمت مقترحا يركز على إعادة إعمار قطاع غزة من خلال جهود الفلسطينيين أنفسهم، بما يضمن خلق فرص عمل محلية، دون الحاجة إلى تهجير السكان خارج القطاع”، ثم إن اجتماع رئيس الوزراء المصري ونظيره الفلسطيني خلص إلى ما اسمته مصر بـ”خطة متكاملة للتعافي المبكر وإعادة إعمار قطاع غزة، مع الإبقاء على المواطنين الفلسطينيين في القطاع أثناء عملية إعادة الإعمار”، وهو ما يتفق عليه المجتمع الدولي باستثناء الرئيس ترامب ومتعاونيه.
وقد رفضت الولايات المتحدة الأمريكية خطة القاهرة إعادة إعمار غزة، والتي حظيت بإجماع المؤتمرين، بحجة أنها “لا تعالج الواقع على الأرض” وأن “أي عملية إعادة بناء يجب أن تتم وفق رؤية أمريكية إسرائيلية مشتركة، تضمن إقصاء حركة حماس وفرض الأمر الواقع”..
وتتضمن خطة إعادة الإعمار، حسب البيان الختامي الصادر عن القمة العربية الطارئة، “رفض تهجير الفلسطينيين من أرضهم تحت أي مسمى أو ظروف، واعتماد الخطة المصرية لإعمار قطاع غزة، باعتبارها خطة عربية جامعة، والعمل على تقديم الدعم المالي والمادي والسياسي من الأطراف كافة لتنفيذها، وكذلك حث المجتمع الدولي ومؤسسات التمويل الدولية والإقليمية من أجل الإسراع في تقديم الدعم اللازم للخطة”.
وتشمل الخطة مجموعة من المحاور من بينها: استعادة الخدمات الأساسية، تأهيل الطرق، إنشاء ميناء للصيادين وآخر تجاري، ومطار دولي، وقبل كل هذا، تشكيل “لجنة إدارة غزة” لتتولى تسيير شؤون القطاع في مرحلة انتقالية لمدة 6 أشهر، على أن تكون اللجنة مستقلة ومكونة من شخصيات لا تنتمي للفصائل الفلسطينية، وتعمل تحت مظلة الحكومة الفلسطينية.
وأشارت مخرجات القمة إلى أن “لجنة إدارة غزة” يجري تشكيلها خلال المرحلة الحالية تمهيدا لتمكينها من العودة بشكل كامل إلى القطاع وإدارة المرحلة المقبلة بقرار فلسطيني، مؤكدة أن “مصر والأردن يعملان على تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية تمهيدا لنشرها في القطاع”، وبعد ذلك، خرج وزير خارجية مصر في المؤتمر الصحفي عقب القمة، قال فيه أن هناك اتصالات تتم مع الجانب الأمريكي وأوروبا للتنسيق حول خطة إعادة إعمار غزة..
بالمقابل، وفي الجانب الآخر، ألقى الرئيس دونالد ترامب خطابا يحمل من التحدي ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول مستقبل المنطقة العربية في ظل تحدياته لكل القوانين الدولية والتهديدات التي يطلقها يمينا وشمالا، وقال ترامب أمام الكونغريس: “أمريكا وحدها تحدد مستقبل المنطقة”، وأن “أي تحركات عربية يجب أن تمر عبر بوابة البيت الأبيض”، وفي ظل ردود الأفعال المتباينة من مختلف الأطراف بهذا الخصوص، يطرح التساؤل: هل تستطيع جامعة الدول العربية فرملة مخططات ترامب في محو قطاع غزة من التاريخ؟ وهل تستطيع الصمود والاستمرار في تحدي القوة الإمبريالية الأمريكية، أم أن الخطة المصادق عليها في القمة ستكون مفتاح حرب عربية إسرائيلية مرة أخرى ؟



