تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | قصة 25 سنة من سعي المغرب للحصول على طائرة “إف 16” الأمريكية

لا حديث الآن على المستوى الدولي إلا عن التسليح، وذلك بعد قرار الولايات المتحدة الأمريكية فك الارتباط مع أوروبا، ولا يبدو أن المغرب سيخرج من هذا السياق، حيث سيكون استيراد السلاح مستقبلا أولوية قصوى، نظرا لأن العالم سيشهد ندرة لا مثيل لها بفعل التهديدات التي تتعرض لها العديد من الدول، ومثلما هو الحال الآن في أوروبا، فقد عانى المغرب خلال فترة من الفترات من أجل التسلح، وخاصة سلاح الجو، ويستعرض هذا الملف تفاصيل مثيرة حول بداية اهتمام المغرب بالحصول على طائرة “إف 16″، وكيف استمر سعيه مدة 25 سنة من أجل الحصول عليها وهي التي كانت تعتبر أقوى طائرة نفاثة في العالم.

أعد الملف: سعد الحمري

حرب الصحراء كشفت الحاجة لـ”إف 16″

تتمة المقال تحت الإعلان

    كان المغرب يعتمد على أسلحة متنوعة من أجل تسليح جيشه أهمها الأسلحة المستوردة من فرنسا والاتحاد السوفياتي، وخلال سنة 1973، أرسل معظم أسلحته إلى سوريا من أجل المشاركة في حرب أكتوبر ضد الاحتلال الإسرائيلي.. يومها علل الملك الراحل الحسن الثاني قراره برغبته في تجديد أسطول أسلحة الجيش المغربي، ومع بداية حرب الصحراء، تم تجديد الأسطول الجوي بالكامل، حيث اعتمدت المملكة على طائرات “الفوكا ماجيستير” المتمركزة في مدينة العيون و”تي-6 تيكسان” المتمركزة حول مدينة الداخلة في مهمة دعم بري وهجمات ليلية، وفي وقت لاحق، تم جلب طائرات “إف 5” للعمل على ضرب أهداف البوليساريو، مع العلم أن المرحلة الممتدة من سنة 1977 و1980 – وهي أهم مراحل الصراع العسكري في الصحراء – امتنعت أمريكا خلالها عن بيع الأسلحة للمغرب بدعوى الحياد في صراع الصحراء، يومها ظل المغرب يقتني الأسلحة من فرنسا بصفة أساسية.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومع صعود رئيس جديد في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو رونالد ريغان، حصل المغرب على 20 طائرة من نوع “F-5E Tiger II” وأربع طائرات من طراز “F-5″، بعد خسارة طائرة من طراز “F-5A” وطائرتين من طراز “RF-5A”، ورغم ذلك، طورت جبهة البوليساريو من قدراتها العسكرية، حيث أنه خلال بداية سنة 1981، تم إسقاط طائرة “ميراج” كانت تحلق على ارتفاع كبير، 30 ألف قدم، بصاروخ “سام 6″، إلى جانب إسقاط طائرة من نوع “سي-130” كانت تحلق على ارتفاع 19 ألف قدم بنفس الصاروخ، وعلى هذا الأساس عبر الملك الحسن الثاني للمسؤولين الأمريكيين الجدد، خلال عهدة الرئيس رونالد ريغان، عن رغبته في التحالف مع أمريكا، حتى أنه عبر عن ذلك في أحد الاجتماعات مع المسؤولين الأمريكان، بأن تتحالف أمريكا معه لأنه يريد هذا لبلاده ولأن المملكة يجب أن تستمر بعده والمغرب يقف اليوم عند مفترق طرق خطير للغاية.

استجابت أمريكا لطلب المغرب، وتم وضع خطة للتعاون العسكري بين البلدين، تقضي بسماح المغرب للطائرات العسكرية الأمريكية بالتزود بالوقود في قواعد جوية فوق ترابه، مقابل تزويد أمريكا للمملكة بالأسلحة، وقد كتب أحد المسؤولين الأمريكيين تعليقا على هذا التعاون ما يلي: ((إن النتيجة المترتبة على ما سبق من وجهة نظرنا الضيقة، هي أن العلاقة بيننا وبين المغاربة سوف تصبح قريبا أكثر كثافة ووضوحا بسبب جانبها العسكري)).

غير أنه ورغم هذه الاتفاقية، فقد شهدت العلاقات المغربية الأمريكية عدة توترات نتيجة تباطؤ الولايات المتحدة في طلبات المغرب العسكرية، ما جعله يرد على هذا التسويف بالتحالف مع ليبيا بزعامة معمر القذافي، الذي كان يعتبر أحد ألد أعداء أمريكا، ومن جانب آخر، حاولت الجزائر هي الأخرى التقارب مع واشنطن وعقد صفقات تسلح معها، خاصة وأن الرئيس الشاذلي بن جديد كان يسعى إلى تجديد سلاح الجو، وعلى هذا الأساس قام هذا الأخير بزيارة إلى واشنطن سنة 1985، من أجل عقد صفقة تسلح تقضي بشراء طائرات “سي-130” وصيانة معداتها العسكرية، وتسعى أيضا إلى الحصول على مقاتلات “إف 16″، التي كانت تعتبر أقوى مقاتلة نفاثة في العالم، غير أن مسعاه خاب، حيث عاد محبطا من الولايات المتحدة الأمريكية، التي قابلت طلبه بالتماطل.

ريغان

وفي ظل هذا التسابق بين المغرب والجزائر من أجل الحصول على الأسلحة الأمريكية، صدر تقرير أمريكي يوم 12 دجنبر 1985، جاء فيه أنه ((في ظل تنافس البلدان على النفوذ الإقليمي، وعقد تحالفات جديدة، إلى جانب الشعور بالإحباط من المساعدات العسكرية الأمريكية، مما قد يؤثر على مصالحها في المنطقة، يدفع البلدين نحو تعزيز علاقاتهما مع ليبيا والاتحاد السوفياتي))، وخلص التقرير إلى أن تصاعد التوترات بين المغرب والجزائر قد يضع الولايات المتحدة في موقف حرج، إذ أن البلدين يسعيان إلى الاستفادة من العلاقة مع واشنطن لتحقيق مصالحهما، ومع استمرار الجمود في ملف الصحراء، قد تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة للانحياز إلى أحد الطرفين، مما قد يؤثر على توازن القوى في شمال إفريقيا)).

الاهتمام بالحصول على مقاتلة “إف 16” على مدى ربع قرن

    في ظل هذه التطورات والتحديات التي طرحتها حرب الصحراء، وخاصة الإسقاط المتكرر للطائرات المغربية بفعل استخدام البوليساريو لصاروخ “سام 9” المتطور، بدأ اهتمام المغرب بشراء طائرة “F-16” الطائرة الأقوى في العالم، والتي كان سعرها غاليا جدا ولا يلائم الأوضاع الاقتصادية للبلاد.. توجد أول إشارة لإثارة الملك الحسن الثاني لموضوع طلب حصول بلاده على هذه الطائرة سنة 1987.. فقد أرسل السفير الأمريكي في المغرب رسالة إلى وزير خارجية بلاده، أكد من خلالها أنه اجتمع مع الملك الحسن الثاني يوم 13 يوليوز من نفس السنة، وناقش الطرفان قضيتين أساسيتين، وهما التعاون العسكري بين الولايات المتحدة الأمريكية والمغرب، واهتمام المغرب بطائرات “إف 16” من إنتاج شركة “جنرال ديناميكس”، دون أن تقدم الوثيقة تفاصيل أكثر حول هذا الموضوع.

ظهرت تفاصيل جديدة، حيث يبدو أن المغرب كان عاقدا العزم على اقتناء هذه المقاتلات التي من شأنها أن تعطيه التفوق الجوي في الميدان، لكن ما أحبط رغبته هو التمويل من أجل شرائها، وتفيد وثيقة أمريكية مؤرخة بـ 23 دجنبر 1987، أن المغرب حاول جاهدا شراء هذه الطائرات بتمويل سعودي إماراتي، وجاء في الوثيقة أن السفير الأمريكي سأل وزير الخارجية المغربي عن اجتماع اللجنة المشتركة المغربية السعودية، وعن إمكانية تعويض القوات الباكستانية التي كانت في السعودية من أجل حمايتها، بقوات مغربية، فكان جواب المسؤول المغربي أن بلاده على استعداد لإرسال قوات إلى المملكة العربية السعودية، وعندما تطرق الاجتماع إلى مناقشة تمويل السعودية شراء طائرات “إف 16” لمصلحة المغرب، أجابه نظيره المغربي بالنفي، لكنه أضاف أن الأمير عبد الله من المملكة العربية السعودية والشيخ زايد من الإمارات العربية المتحدة سيأتيان إلى المغرب في يناير 1988، وستتم مناقشة تمويل طائرات “إف 16” في ذلك الوقت.

في يوم 16 يوليوز 1988، ذكر السفير الأمريكي بالمغرب، أن الجنرال أشهبار استدعاه على وجه السرعة من أجل إبلاغه أن الملك الحسن الثاني قرر إرساله كمبعوث شخصي إلى الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، وأنه سيسلمه رسالة من الملك موضوعها هو اقتناء المغرب لطائرات “إف 16″، وجاء كتعليق على هذه الخطوة التي قام بها الملك، أنه اختار هذه اللحظة ربما ليحاول توجيه نداء في اللحظة الأخيرة إلى إدارة تربطه بها علاقات ممتازة، وفي الأخير، أوصى السفير الأمريكي بما يلي: ((مع إدراكي للضغوط التي تواجه جدول أعمال الرئيس، فإنني أحث بقوة على بذل كل الجهود الممكنة لإيجاد الوقت له لاستقبال المبعوث الشخصي للملك الحسن الثاني بشأن قضية طائرات “إف 16”.

طائرات الأباتشي التي توصل بها المغرب أخيرا

إن إبقاء الحوار مفتوحا مع الملك الحسن الثاني أمر بالغ الأهمية في هذا الوقت، ليس فقط في ضوء خططنا الخاصة بالأنشطة العسكرية، ولكن أيضا بسبب الوتيرة السريعة للأحداث في شمال إفريقيا، ولا سيما بين المغرب والجزائر، وانتخاباتنا الرئاسية المقبلة)).

وتكشف باقي الوثائق، أن الرئيس الأمريكي التقى الجنرال أشهبار يوم 18 غشت 1988، ووجه رسالة إلى الملك الحسن الثاني جاء فيها: ((لقد تلقيت بارتياح كبير رسالتكم كما نقلها الجنرال أشهبار، وأرحب بالتأكيد على نيتك في الحصول على طائرات “إف 16″، ويسرني أن أؤكد لك بدوري أن الولايات المتحدة تظل ملتزمة بالكامل بهذا الاقتراح))، وأضاف رونالد ريغان: ((إن اهتمام حكومتي بتوسيع التعاون العسكري مع المغرب يستند إلى تصورات الدفاع المشتركة بين بلدينا، وكما وقف المغرب والولايات المتحدة معا أثناء الحرب العالمية الثانية، فإن المغرب يظل اليوم ركيزة للأمن في منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط، ويعكس برنامج التعاون الموسع الذي يمتد لخمسة عشر عاما، والذي تم إطلاع حكومتكم عليه في مارس من هذا العام، الطبيعة الوثيقة لعلاقاتنا الثنائية.

إنني أطلب من ممثلي في اجتماع اللجنة العسكرية المشتركة القادم، متابعة هذه المسائل المعقدة بمزيد من التفصيل، بما في ذلك الفوائد المحتملة للتعاون العسكري الموسع.. الفوائد التي يمكن أن تساعد في تيسير هدفنا المشترك المتمثل في تعزيز جاهزية القوات المسلحة لبلدينا، كما أطلب من وزارة الدفاع أن تظل على اتصال وثيق بحكومتكم لمراجعة هذه القضايا وغيرها)).

ويوم 30 شتنبر 1988، استقبل الحسن الثاني وزير الدفاع الأمريكي بالرباط، يومها أكد الملك أن اهتمامه الأساسي ينصب على ((الحصول على سرب طائرات “إف 16” الخاص بي))، من أجل ضمان مصداقية القوات الجوية للمغرب حتى سنة 2010، غير أن المسؤول الأمريكي أكد للحسن الثاني أن المساعدات الأمنية الأمريكية للمغرب خلال سنة 1988، هي 52 مليون دولار، وأنها لن تكون كافية لشراء طائرات “إف 16″، عندها قاطعه الملك قائلا: ((إن هذا ليس كافيا لشراء طائرات “إف 16” فحسب، بل إنه لا يعكس الأهمية الجيو استراتيجية للمغرب))، ثم اقترح المسؤول الأمريكي طرقا أخرى ممكنة لحصول المغرب على هذه الطائرة، على سبيل المثال، قد يكون أحد الأساليب توفير طائرات “إف 16” بالإيجار، رغم أنه أكد أنه غير متأكد من إمكانية ذلك.

فقد ظل المغرب يطالب بالحصول على طائرات “إف 16” من الولايات المتحدة الأمريكية، وتوفي الملك الحسن الثاني دون أن تلبى رغبته، إلا أن تغيرا حصل في سنة 2007، عندما أعلن المغرب عن قراره لشراء 24 طائرة من طراز

“F-16 C/D Block 52” من شركة “لوكهيد مارتن” مقابل 2.4 مليار دولار، بما في ذلك المعدات والخدمات ذات الصلة وتدريب الطيارين في سعر العقد، وانتظر المغرب إلى سنة 2011، ليحصل على هذه الطائرات، وكان أول استخدام لها سنة 2014 عندما شاركت المملكة في محاربة تنظيم “داعش” بالعراق وسوريا، وخلال مشاركة القوات الجوية المغربية في التحالف العربي ضد الحوثيين، تحطمت طائرة “إف 16” سنة 2015 في اليمن، مما أدى إلى وفاة الطيار ياسين بحتي.

واليوم، يبدو الوضع مشابها لسنة 1985، حيث أن الصراع في أوجه بين المغرب والجزائر، ومؤخرا دخلت الجارة الشرقية في مرحلة تعاون عسكري مع أمريكا، من خلال الإعلان عن رغبتها في تجديد أسطول قواتها الجوية، ولا شك أن السباق بين البلدين سيكون حول من سيحصل على “إف 35″، بعدما حصل المغرب على ست طائرات أباتشي.. فلمن ستكون الغلبة ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى