تحقيقات أسبوعية

تحت الأضواء | نشر قرار نزع الملكية لمواطنين من الدرجة الأولى والهدم لمواطنين من الدرجة الثالثة

بين المغرب النافع وغير النافع

الرباط – الأسبوع

    يثير موضوع نزع الملكية في العاصمة الرباط الكثير من الجدل والاستغراب لدى جميع المغاربة والرأي العام وليس فقط لدى النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، الذين يرون أن القرارات التي تقوم بها السلطات العمومية في العاصمة مخالفة للدستور ولقانون نزع الملكية، والمواثيق الدولية.

المتتبع لأحداث العاصمة، وخصوصا مسألة توسيع الشوارع وإعادة التهيئة، يرى التمييز الحاصل بين المواطنين المنتمين للطبقة المتوسطة والفقيرة الذين يعيشون في أحياء شعبية وهامشية (حي العكاري، دوار العسكر، حي المحيط))، وبين طبقة الأغنياء وخدام الدولة المواطنين من الدرجة الأولى، الذين يعيشون في حي السويسي وبير قاسم، أرقى أحياء العاصمة، وأصحاب المعالي والسعادة، الذين تعاملت معهم الجماعة والسلطات وفق قرارات إدارية تتضمن أسماءهم وعناوينهم مع المساحة المراد اقتطاعها، وفق قانون نزع الملكية لأجل المنفعة العامة في الجريدة الرسمية.

تتمة المقال تحت الإعلان

لكن بالنسبة للمواطنين الضعفاء، المسنين وذوي الدخل المحدود القاطنين في أحياء هامشية، المصنفين ضمن مواطني الدرجة الثالثة أو القاطنين في “المغرب غير النافع”، تعاملت معهم سلطات الداخلية، في شخص الوالي محمد اليعقوبي، الذي يمثل عبد الوافي لفتيت(..) والجماعة، باحتقار ولامبالاة دون قرارات مكتوبة أو إجراءات إدارية منشورة في الجريدة الرسمية تصون حقوقهم كمواطنين مغاربة، توضح عملية نزع الملكية والثمن والجهة المستفيدة، سواء الدولة أو جهات خاصة، وطنية أو أجنبية، عوض استعمال الترهيب والتهديد والهدم الفوري دون موافقة حتى المنتخبين والسكان.

تتمة المقال تحت الإعلان

في هذا الصدد، انتقد عمر الحياني، مستشار المعارضة في جماعة الرباط، قيام السلطات العمومية بعملية نزع الملكية دون سند قانوني، متجاوزة في ذلك القوانين المنظمة لهذا الإجراء، مشيرا إلى أن المجلس الجماعي تلقى مقترحا في 28 يناير الماضي بهذا الخصوص، والذي كان من المفترض أن يخضع للمساطر القانونية المعمول بها، بداية بمصادقة المجلس، ثم إتاحة 60 يوما للبحث العمومي، بهدف تلقي ملاحظات المواطنين، قبل الشروع في إجراءات نزع الملكية.

من جانبها، كشفت هند بن عمرو، مستشارة جماعية، أن هناك ثماني مناطق يُراد تحويلها إلى مناطق سياحية، تحت إشراف لجنة يترأسها الوالي دون أي وضوح بخصوص هوية أعضائها أو المعايير المعتمدة في قراراتها، مشيرة إلى أن مخطط التعمير الجديد يتناقض مع الخطاب الرسمي ويفتح طرقات دون احترام المساطر الإدارية، مما يطرح تساؤلات حول شفافية هذه المشاريع وتأثيرها على المواطنين، وقالت أن قرار الهدم يثير مخاوف كبيرة بشأن طمس الهوية التاريخية للمنطقة وحي المحيط الذي يعد جزء من الهوية المعمارية والاجتماعية للعاصمة، مشيرة إلى أن التنمية لا تعني هدم المعالم التاريخية، بل تتطلب سياسات بديلة قائمة على الترميم والحفاظ على الطابع التراثي للمدينة.

بدوره، اتهم المستشار فاروق المهداوي، السلطات بتهجير السكان قسرا من دون تمكينهم من التعويضات المستحقة والتي يخولها القانون، من خلال فرضها لأسعار محددة لبيع العقارات وتحديدها، مما يتنافى مع قانون نزع الملكية 7.81 ومبدأ العقد شريعة المتعاقدين، مسجلا أن السلطات لم تحترم مسطرة نزع الملكية، سواء من حيث المرسوم أو اللجنة أو مسطرة الحيازة أمام المحكمة الإدارية.

وأشار المهداوي إلى أن القانون 7.81 ينص على إشعار المعنيين بالمرسوم، ثم عرض الملف على اللجنة الإدارية لتحديد التعويضات، قبل اللجوء إلى المحكمة الإدارية، قائلا أن ما يحصل لا علاقة له بالمصلحة العامة، بل يصب في مصلحة جهات أجنبية وشركات خاصة، في ظل تكتم رسمي ورفض التواصل مع المواطنين رغم المراسلات المتكررة من المستشارين وساكنة المنطقة.

فالمنهجية التي تقوم بها السلطات العمومية في الرباط من عملية إخلاء السكان من أحياء قديمة، ظهرت منذ فجر الاستقلال، وبل وشارك بعض سكانها في مقاومة الاستعمار الفرنسي مثل الشيخ بن حمو، رفيق الزرقطوني في النضال، الذي لازال أبناؤه يقطنون في حي العكاري، تطرح الكثير من التساؤلات حول عملية ترحيل أحياء كبيرة في العاصمة ورميهم إلى مناطق بعيدة عن الرباط وربما ما وراء الصخيرات وتامسنا.

وقد برزت بوادر ومؤشرات نزع الملكية الخاصة من المواطنين من خلال قانون المالية 2025، الذي جاءت به حكومة أخنوش والذي ينص في مادته 61 على شرعنة “الاعتداء المادي” على الملكية العقارية، إذ يشير هذا المصطلح إلى استيلاء الدولة على عقارات خاصة دون اتباع الإجراءات القانونية المنصوص عليها في قانون نزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت، كما تستخلص هذه المادة ضريبة من التعويضات المالية الممنوحة لأصحاب العقارات التي تم الاستيلاء عليها واعتبار التعويض الممنوح أرباحا عقارية.

إن ما تعرفه العاصمة الرباط يذكر بحملة زعيم الثورة الفرنسية نابليون بونابرت، الذي قرر تحويل باريس إلى عاصمة الأنوار لأوروبا، بعدما شن حملة ترحيل واسعة للسكان الفقراء إلى شرق المدينة وضواحيها وراء جبل سانت جافيف وسانت مارسيل وسانت أنطونيو، بينما ظل الأغنياء الباريسيون في الأحياء الغربية بالقرب من شانزليزيه وفوندوم.. فهل يسعى مسؤولو الرباط إلى تطبيق خطة نابليون لتحويل الرباط إلى مدينة الأغنياء فقط ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى