متابعات | “ديبسيك” نجم خطاب الدبلوماسية الصينية ضد سياسة الهيمنة الأمريكية
الذكاء الاصطناعي يهيمن على الخطاب السياسي في "الدورتان"

اختتمت هذه الأيام فعاليات أكبر حدث سياسي في الصين، بإدخال عدة تعديلات على بعض القوانين خلال “الدورتان”، اللتان انطلقتا بداية شهر مارس الجاري إلى حدود منتصفه، ويقصد بهما الاجتماع السنوي الكبير الذي تحتضنه قاعة الشعب الكبرى في بكين، حيث تنعقد أشغال الدورة السنوية لكل من المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، وهو أعلى هيئة تشريعية في الصين، والمجلس الوطني للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، وهو أعلى هيئة استشارية سياسية في البلاد.. وبخلاف الدعاية الغربية التي تنفي إمكانية الاختلاف، في ظل حكم الحزب الشيوعي الصيني، فقد حضر مئات الصحفيين من مختلف أنحاء العالم عملية التصويت، وضمنها صوت بعض النواب بالرفض، فيما امتنع آخرون دون أن يشكل ذلك أي مشكل، رغم حضور الرئيس شي جين بينغ شخصيا فعاليات هذا التصويت، وكان يصوت بدوره، في قاعة الشعب كعضو مثل الآخرين(..).
بغض النظر عن اختلاف النموذج الديمقراطي للصين، والذي سبق الحديث عنه (انظر الأسبوع /عدد 7 مارس 2025)، فقد تميز النقاش السياسي في الصين باستحضار التطورات التكنولوجية، وقوة الابتكارات الصناعية العلمية، وثورة الذكاء الاصطناعي، في كافة الخطابات التي تميزت بها المناسبة، من البرنامج الحكومي إلى كلمات مؤسستي الدورتين، ولا شك أن الأمر انعكس أيضا على النقاشات التي قادها شي جين بينغ داخل الحزب الشيوعي الصيني، الذي يقود البلاد.
في خضم الأشغال، تعد الندوة التي عقدها وزير الخارجية وانغ يي، أكبر حدث دبلوماسي خلال الدورتين، وقد تميزت بقوة تصريحاته المناهضة للهيمنة الأمريكية.. فبمجرد سؤاله من لدن الصحافة عن “الاعتراض” الأمريكي، الذي يمكن الإعلان عنه مستقبلا إزاء الانتشار السريع لمحرك الذكاء الاصطناعي “ديبسيك”، قال كلمته المشهورة حاليا على مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما عند قوله بأن “الجبال لا تستطيع أن توقف جريان الأنهار”، وقوله: “حيث ما يوجد حصار يوجد اختراق، وحيث ما يوجد قمع يوجد ابتكار”، وكانت تلك طريقة تفاعله مع سؤال الصحافة، المتعلق بتطورات مشروع الذكاء الاصطناعي الخارق “ديبسيك”، حيث قال أيضا: ((إن الابتكارات العلمية والتكنولوجية الصينية في الآونة الأخيرة، فاقت تخيلات الناس، من القنبلتين الذرية والهيدروجينية، والصواريخ والقمر الاصطناعي، إلى المركبة الفضائية “شنتشو”، والمسبار الفضائي “تشانغ اه”، ثم إلى شبكة الجيل الخامس والحوسبة وتطبيق “ديبسيك”، ولم يتوقف الشعب الصيني بأجياله المتتالية عن الكفاح..)).
هي إذن مسألة كفاح بالنسبة للصينيين، وليست مجرد اختراع(..)، ويا له من تطور جديد للكفاح، حيث يتحدث وزير الخارجية المخضرم وانغ يي، عن القنبلتين الذرية والهيدروجينية في معرض الجواب عن سؤال حول “الذكاء الاصطناعي”، ولم تستطع وسائل الإعلام الغربية أن تنقل كافة تصريحات الدبلوماسية الصينية ضد التهديدات الأمريكية، فبالنسبة لقضية المخدرات قال وانغ يي، أنها مشكلة أمريكا ويجب أن تحلها بنفسها، كما وعد بالرد على أي تصعيد ضريبي ضد بلاده من طرف الرئيس دونالد ترامب، ودعا الإدارة الأمريكية إلى مراجعة نفسها، موضحا أن المشكل يوجد فيها.. وقال أيضا: ((إذا لم ينفع عملك، ابحثوا عن السبب في أنفسكم، ماذا حققت التعريفة الجمركية، والحرب التجارية طيلة السنوات الماضية، هل اتسع العجز التجاري أم تقلص؟ هل ارتفعت القدرات التنافسية للتصنيع أم انخفضت؟ هل انخفض التضخم أم تفاقم؟ هل تحسنت حياة الشعب أم تدهورت؟ إن العلاقات الاقتصادية التجارية بين الصين والولايات المتحدة متبادلة ومتكافئة.. إذا اختارت التعاون فستحقق المنفعة المتبادلة، والكسب المشترك، وإن اختارت خلاف ذلك، فالصين سترد على ذلك بحزم وبكل تأكيد)) (هكذا تحدث وانغ يي).
إن حضور “ديبسيك” في المجال السياسي والدبلوماسي الصيني، لم يكن في الواقع سوى انعكاسا لما يتم التخطيط له من طرف الإدارة الأمريكية، وقد أخذوا علما بذلك، وتحدثت مراكزهم عن ذلك، حيث جاء في تقرير أصدره معهد تشونغيانغ للدراسات المالية، بجامعة رنمين الصينية، أن مراكز التفكير الأمريكية تتحدث عن DeepSeek والذكاء الاصطناعي الصيني، وقال أصحاب التقرير: ((في يناير 2025، أطلقت الشركة الناشئة الصينية DeepSeek نموذجا للذكاء الاصطناعي أثار اهتماما عالميا، خاصة في الولايات المتحدة، حيث أحدث تأثيرا كبيرا.
ويمثل إطلاق DeepSeek صعود الصين في السباق التكنولوجي العالمي، متحديا هيمنة “وادي السيليكون” في مجال الذكاء الاصطناعي.. هذا التطور له أهمية كبيرة ليس فقط للصين، ولكن أيضا للتكنولوجيا العالمية، الاقتصاد، السياسة، والإيديولوجيا.. فمن المحرك البخاري، محرك الاحتراق الداخلي، الأنترنيت، إلى الذكاء الاصطناعي، من الواضح أن الذكاء الاصطناعي يقود عملية الثورة الصناعية الرابعة، ويؤكد DeepSeek مرة أخرى على امتلاك الصين لقوة تكنولوجية كبيرة في مجال الذكاء الاصطناعي، ويظهر أيضا إمكانية قيادة الصين لعملية الثورة الصناعية في القرن الحادي والعشرين لأول مرة، وبعد ذلك، لن تتوقف خطوات الابتكار التكنولوجي الصيني، وستقدم للعالم حلولا فريدة لتطوير الذكاء الاصطناعي تتميز بالخصائص الصينية، بهدف بناء مجتمع مصير مشترك للبشرية، وتعزيز التبادل الكبير وتطوير الحضارة التكنولوجية العالمية)) (بناء مجتمع مشترك للبشرية هو أحد أركان المشروع الفكري للرئيس شي جين بينغ).
إذن، الصينيون يعرفون ما يجري في أمريكا، ودبلوماسيتهم لم تتوان في استعمال خطاب الردع بالتزامن مع تحركات عسكرية غير مسبوقة، في ظل التراجع الروسي في خط المواجهة(..)، بل إنهم أثاروا الانتباه إلى الأزمة التي خلقتها شركات التكنولوجيا الصينية داخل أمريكا، وكتبوا أيضا في تقاريرهم، المستشرفة للمستقبل، أن انتشار تطبيقات الشركات الصينية ومنها شركة “ميهاو”، جعل النقاش يتطور إلى حد اعتباره تهديدا للأمن القومي، حيث ((تعيد التكنولوجيا الرقمية تشكيل أنماط الاتصال الثقافي العالمي بسرعة وعمق غير مسبوقين، من خلال انتشار الأنترنيت والأجهزة المحمولة، أصبحت المنتجات الثقافية الرقمية، وخاصة ألعاب الشبكة ومقاطع الفيديو القصيرة ووسائل التواصل الاجتماعي، مجالا مهما للتبادل الثقافي الدولي والمنافسة.. ومع ذلك، تتأثر المنتجات الثقافية الرقمية الصينية بشكل متكرر بتدقيق أمني في الولايات المتحدة بسبب الوضع الدولي، ولا يقتصر منطق “الأمننة” هذا (مدرسة كوبنهاغن) على جوانب الخصوصية وأمن البيانات، بل يمتد أيضا إلى جوانب القيم الثقافية وتشكيل الهوية الاجتماعية، مما يعكس التداخل المتعدد بين التكنولوجيا والثقافة والسياسة الجيوسياسية في العلاقات الدولية المعاصرة.. وتوفر نظرية “الأمننة” لمدرسة كوبنهاغن منظورا فريدا لتحليل هذه الظاهرة، وتعتقد هذه النظرية أن التهديدات الأمنية لا تستند إلى حقائق موضوعية، بل يتم بناؤها من خلال الخطاب والإجماع الاجتماعي، مما يرفع قضايا معينة إلى مستوى “قضايا أمن قومي” عاجلة.
توفر هذه النظرية أساسا نظريا لفهم كيفية تحول المنتجات الثقافية الرقمية من أنشطة تجارية عادية إلى قضايا أمنية دولية، وفي هذا الإطار، يمكن ملاحظة أن جوهر منطق “الأمننة” يتمثل في التأكيد على المخاطر التكنولوجية والثقافية، مما يؤدي إلى تسييس الأنشطة التجارية وتبرير التدابير التدخلية)) (المصدر: تقرير تي ياكي).
التقرير سالف الذكر، قال أيضا: ((لا تنفي نظرية “الأمننة” وجود مخاطر حقيقية، ولكنها تؤكد أن تحديد ما إذا كان خطر معين يعتبر “تهديدا للبقاء”، ومتى وكيف يتم تعريفه، غالبا ما يرتبط بعمليات الخطاب التي تقوم بها مجموعات معينة. في هذا المعنى، تصبح سلطة الخطاب عاملا رئيسيا في عملية “الأمننة”.
من يمتلك قنوات اتصال أقوى ومنصات عامة أكثر سلطة وقدرة على التأثير على تصورات الجمهور، يكون أكثر قدرة على صياغة قضية معينة على أنها “تهديد أمني”، وإقناع المجتمع أو النظام السياسي بتخصيص الموارد واتخاذ إجراءات سياسية للتعامل مع هذا التهديد، لذلك، تكشف نظرية “الأمننة” عن الطبيعة السياسية وعمليات السلطة الكامنة وراء بناء التهديدات، وتوفر منظورا جديدا لفهم ظهور وتطور العديد من القضايا “الأمنية” في العلاقات الدولية المعاصرة)).




