المنبر الحر

المنبر الحر | ما أحوجنا إليك يا روح شهر رمضان طيلة السنة

بقلم: عبد الإله المريباح

    ها هو شهر الغفران يطل علينا مرة أخرى، رمضان الذي أنزل فيه القرآن هُدى للناس.. فمرحبا بك وما أحوجنا إليك يا رمضان، ما أحوجنا إلى روحك، كم نحتاج إلى أخلاق رمضان، إلى تعاليم هذا الشهر المبارك، شهر في شكله إمساك عن الطعام والشراب، ولكن في مضمونه أكثر من ذلك بكثير، نحتاج فيه إلى الإمساك عن كثير من الرذائل، وإلى التخلق بكثير من الفضائل، ما أحوجنا إلى الإمساك عن التعصب والأنانية والغرور والرياء والكذب وأخذ أموال الناس بالباطل، نحتاج إلى الإمساك عن المعاصي والشرور، وما معنى الصيام إذا كان المرء يصوم عن الطعام والشراب ولكنه لا يصوم عن الشر والسب والبذاءة ؟!

ما أروع أن نستقبل رمضان بوجوه باسمة وصدور منشرحة.. أليست البسمة في وجه أخيك صدقة؟ لنستقبل الشهر المبارك والصائمين بقلوب سليمة من كل مرض، لنستقبل رمضان بنفوس نقية من كل عداوة وبغضاء، نحتاج إلى الصبر، إلى العمل المخلص والمنتج، نحتاج إلى نفوس كريمة لا تترك طريقا للخير إلا سلكته، ولا بابا للنفع إلا طرقته، ولا مسلكا للشر إلا أغلقته، ما أحوجنا إلى التعلق بفضائل الصدق في أقوالنا وأعمالنا، وبالأمانة في تعاملنا، وبالحِلْم والسماحة عند غلبتنا وانتصارنا، وبالتأني في تفكيرنا وقراراتنا، وبالشجاعة في الذود عن حقوقنا.

ما أحوجنا إلى القراءة في رمضان، كيف لا وأول كلمة افتُتح بها القرآن هي كلمة اقرأ، يا لها من حكمة بلا حدود.. القراءة واجبة في أي مجال معرفي مفيد، ما أحوجنا إلى زيارة ذوي القربى لنشفي ظمأ القلوب بالتراحم والاقتراب والحنان والمؤازرة والعطف على بعضنا البعض، ما أروع أن نزور آباءنا وأمهاتنا وشقيقاتنا وأشقائنا وبناتنا وأبنائنا وخالاتنا وأخوالنا وأقربائنا وأصدقائنا وجيراننا، ما أحوجنا إلى العمل والابتعاد عن الكسل والخمول والنوم الكثير، ما أنبل مساعدة ذوي الحاجة، ما أشرف التضحية والإيثار تجاه المحتاجين، أن نصوم هو أيضا أن نبتعد عن قول الزور والنميمة والتملق.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن روح رمضان هي العطاء، فالعطاء نعمة كبيرة لا تصدر إلا عن القلوب الكبيرة، فالعطاء بالمال جود، لكن دون رياء، والعطاء هو عندما نعطي من شيء نحبه مثل المال والطعام واللباس والسكن والوقت، وهو أيضا عطاء من زاد المعرفة وعدم احتكارها والاستئثار بها لأنفسنا فقط، والعطاء أيضا هو كرم النفس، فالكريم يعطي من جاهه، من عطفه وحنانه، يعطي من حلو كلامه وابتسامته وطلاقة وجهه وبشاشته وتحيته التي يبادر بها أو يرد بأجمل منها، لنعطي من وقتنا وراحتنا، لنعطي من سمعنا ونصغي للآخر، لنعطي من حبنا ومن أدعيتنا وتمنياتنا الجميلة للآخر.

تتمة المقال تحت الإعلان

ما أحوجنا إلى الصيام عن الغيبة والنميمة، فمن صام في نهار رمضان ولم يصم لسانه عن غيبة الآخرين، وهتك أعراضهم بالنميمة، ولم تصم يده عن إيذاء الآخرين والنيل منهم، فإن صيامه يظل بدون معنى، ما أحوجنا إلى الصلح والتصالح في رمضان وفي غير رمضان، ونبذ الشقاق والخلاف، لنتصالح مع أنفسنا، لنتصالح مع أصدقائنا الذين انقطعنا عنهم، لنتصالح مع زملائنا في العمل الذين تخاصمنا معهم ربما لأسباب تافهة أو حتى غير تافهة، لنتصالح مع أزواجنا وزوجاتنا، لنتصالح في هذا الشهر الفضيل مع عائلاتنا وإخواننا وأخواتنا، لنتصالح مع جيراننا. نعم، لنتصالح حتى ولو كنا نعتبر أن الطرف الآخر هو المخطئ والمسيء، لأننا سنكون وقتئذ الأكثر جرأة والأكبر قلبا والأوفى كرما.

رمضان يجب أن يكون شهر التفكير وإعادة التفكير في ذواتنا من أجل تجويد وتمنيع أنفسنا بالخصال الرائعة التي لا يمكن إلا أن تكون قوة وبلسما وشفاء للنفوس، ما أحوج نفوسنا وأجسادنا لأدوية لامادية مثل الصدق والتواضع والحياء، والحِلْم والصبر والشكر والرضا بقضاء الله وقدره، والإخلاص والعدل والإحسان والتقوى والاستقامة، والسخاء والرحمة والعفو والتسامح، والتقوى والتعاون والقناعة والأمانة التي عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان.

ولكن بعد كل هذا وذاك، من قال بأن أخلاق رمضان يجب أن تسود فقط في رمضان، هذا خطأ، لأن روح رمضان يجب أن تسري على حياة الناس في كل الأوقات والشهور من أجل إنسان صالح ومجتمع سليم محصن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى