تحقيقات أسبوعية

الرأي | نقاش قانون الإضراب يفضح دوامة التكرار عند النقابي والسياسي والفاعل المدني

بقلم: مصطفى السباعي

    تواتر البلاغات النقابية وتصريحات سياسيين في شأن إخلال الحكومة بتعهداتها والتزاماتها تجاه المواطنين والأجراء منهم، جعلني أقف عند هذا الوضع الذي يتكرر منذ عقود، على الأقل منذ بدأت أتتبع بوعي المشهدين السياسي والنقابي، والشأن العام بشكل عام ببلادنا، وقد بدأ ذلك منذ سنة 2004، السنة التي ولجت فيها مهنة الصحافة كمتدرب في جريدة يومية وطنية.

وخلال هذه الفترة، سجلت، بمرارة، التكرار الممل للمشهد السياسي ببلادنا كل سنة، بدءً من افتتاح السنة السياسية مع افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان، وانتهاء بالصيف ومشاكل العطلة السنوية، حيث تبدأ الدورة من جديد بحلقات الأسئلة الشفوية في الموضوعات نفسها: التشغيل، الصحة، التعليم، العالم القروي، البنيات التحتية، حقوق المرأة، المناصفة، موسم الأمطار، الجفاف، السياحة، الدخول المدرسي، الأسعار، الحج، السدود، التهرب الضريبي، العيد، الفساد الإداري، البيروقراطية، حوادث السير، نسبة النمو، التأهيل الحضري، الاستثمارات، تقرير هذا المجلس وذاك.. دور الصفيح والعشوائيات، وهلم جرا.. الهواجس والقضايا متشابهة عبارة عن شكاوى متواترة يرتفع منسوبها سنة بعد أخرى، والأجوبة أكثر تشابها وأغبى حبكة من سابقاتها.. برنامج استراتيجي، رؤية سنة كذا وكذا، مخطط أخضر وآخر أزرق وثالث بنفسجي، خطة “1، 3، 5″، خطة “3، 4، 2”.. حتى إنني أحس أننا ندور في حلقة مفرغة. كل هذا تحت عنوان واحد هو: “الإصلاح”، والمشهد نفسه يتكرر على صعيد الساحة الدولية.. الجميع يتبجح بالسعي نحو إقرار السلام والاستقرار، والتعايش والرفاه بينما ينفذ مخططات للحروب والنهب والاغتيال المادي والاقتصادي للشعوب…

قبل أيام، أثارني تقاطر البلاغات النقابية، المركزية والقطاعية، والتي تتهم الحكومة ووزراءها بالإخلال بالتزاماتها الموثقة في محاضر الحوار الاجتماعي المركزي والقطاعي على السواء، ودعت كلها الأتباع إلى التعبئة الشاملة وأخذ الحيطة والحذر.. وفي المقابل، تصم آذاننا الحكومة ووزراؤها بالمنجزات المحققة والفتوحات غير المسبوقة هنا وهناك، والإصلاحات منقطعة النظير التي تم إنجازها خلال عمر هذه الحكومة ولم تنجز طيلة عهود الحكومات السابقة…

تتمة المقال تحت الإعلان

كما ألاحظ أن الجميع نزل إلى ميدان السياسة، طبعا الوزير سياسي والبرلماني سياسي، ومدبر الشأن العام عموما سياسي، بينما دخل النقابي السياسة من بوابة الدفاع عن مصالح وحقوق الأجراء، ودخل الفاعل المدني السياسة من نافذة الحقوق الفردية أكثر منها الجماعية، فأصبح السياسي لا يتكلم سوى لغة الإصلاح، الإصلاح أنا، الإصلاح كذا، الإصلاح هنا، إصلاح الإصلاح، والنقابي والمدني يرددان خلفه: الإصلاح كذا وليس كذا، الإصلاح هنا وليس هناك، الإصلاح ليس الإصلاح… ومن مضحكات هذا الخطاب أن يطلع علينا وزير الشغل بتصريح غريب فريد عقب مصادقة البرلمان على القانون التنظيمي لممارسة حق الاضراب، حيث قال أن “هاذ القانون جا باش يعطي الحقوق للناس ف المغرب… باش يحمي الحقوق ديال الشغيلة وديال الحركة النقابية والمنظمات النقابية..” وكأن المغاربة عاشوا الدهر كله بدون حقوق حتى جاء هذا الوزير بهذه المعجزة التشريعية التي لا يختلف أحمق وعاقل حول كونها قيد آخر يكبل الطبقة العاملة.

تتمة المقال تحت الإعلان

أما النقابي، فتجاوز حدود الدفاع عن الأجراء إلى الدفاع عن المواطنين عامة، حيث يُصدِّر بلاغاته بالمطالبة بوضع حد لالتهاب الأسعار حفاظا على القدرة الشرائية للمواطنين، وأحيانا يقحم قضايا شعوب أخرى، وقضايا دولية، بينما يستجدي الحكومة في الشق المتعلق بمهمته الأصلية، بفتح حوار اجتماعي حقيقي ومسؤول في شأن الاستجابة لانتظارات الطبقة العاملة.. علما أن هذا الخلط يسحب المصداقية والجدية عن العمل النقابي، إذ يعوم المطلب الرئيسي في مطالب عامة، وإن كانت مشروعة.. وطبعا نعرف مدى تشاكل السياسي والنقابي والحقوقي.

وأما الفاعل المدني، فقد ارتمى في الممارسة السياسية، كما قلنا، من نافذة الدفاع عن الحقوق، الفردية أساسا، وحقوق الفئات، وخاصة المرأة، فقد تابعنا الهجمة الشرسة – على سبيل المثال لا الحصر – التي قادها لوبي النسوية لإجبار الدولة على الاستجابة لمطالبه في المساواة والمناصفة رافعا في وجهها عصا المواثيق الدولية، رافضا التشريع الإلهي، مبخسا إياه بنعوت الرجعية والتقليدانية والتخلف… وفي الموضوع نفسه، رأينا كيف انبرى “يساريون وتقدميون” للدفاع عن هذا التوجه باعتباره إصلاحا للمجتمع ولأحواله المضطربة.. وعوض إصلاح الاختلالات السلوكية التي شاعت في المجتمع نتيجة الاغتراب المفرط بسبب القوانين “الإصلاحية” التي تقرها حكومة بعد أخرى، راحوا نحو الدفع في اتجاه تغيير النص القرآني، في محاولة بغيضة لوضع هذا المجتمع كليا في كماشة الليبرالية الساعية إلى ضمان الربح للرأسمالية بشتى السبل، اقتصاد المشاكل، عبر ترويج عجلة الاقتصاد بخلق المشاكل للمجتمع، جماعات وأفراد، لاستهلاك خدمات هم في غنى عنها في الحالة السوية، اعتمادا على تكريس مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، فالجميع يبرر ممارساته بالسعي نحو الإصلاح، والجميع يقر في ثنايا خطابه بأنه ما من إصلاح، وتفضح نتائج “إصلاحاته” مبتغاه الحقيقي..

وعلى ذكر اليسار، ننبه إلى أن اليسار المغربي خرج من جلباب الشيوعية والاشتراكية ودخل، دون مقدمات ولا مبررات وجيهة ولا مراجعة لمرجعيته الإديولوجية، في جلباب الرأسمالية المصنوع من صوف القيم والمبادئ الليبرالية الصرفة، وأصبح مدافعا عنها في الملعب الوهمي المسطر للدفاع زورا عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وبذلك سقط في معاكسة مصالح الطبقة العاملة وعموم المواطنين..

في هذا السياق، أتذكر تصريحات كل من جون بيركنز، الذي خطط لتدمير دول بكاملها بحجة استقدام الاستثمارات لتحقيق النمو والرفاه لشعوبها، في كتابه: “الاغتيال الاقتصادي للأمم.. اعترافات قرصان اقتصادي”، كما أستحضر شهادة نورينا هيرتز، الخبيرة الرائدة في اقتصاد العولمة، من خلال مهامها ضمن بعثات البنك الدولي، في كتابها: “السيطرة الصامتة.. الرأسمالية العالمية وموت الديمقراطية”، وأيضا أستحضر شهادة كاميليا حلمي محمد، التي خبرت كواليس أهداف التنمية المستدامة ودهاليز صناعة القرار الأممي المرتبط بالأسرة والمرأة والطفل، في كتابها: “المواثيق الدولية وأثرها في هدم الأسرة”، وكتابات أخرى فضحت السلوك السياسي الملفوف في ورقة الإصلاح.

في هذا الخضم، وأنا أحاول الفهم، الفهم فقط لهذه التناقضات التي تبلغ أحيانا كثيرة حد العبث، أخذت أتأمل الآيات البينات من سورة البقرة: ((… وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ(8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(9) فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ(10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ(11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ(12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ(13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ(14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ(15) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16))) صدق الله العظيم.

وقد رأيت أن هذه الآيات تقصد الفاعل السياسي أيا كان الجلباب الذي يرتديه، وأن الوصف الوارد فيها ينطبق على سلوك السياسي، وأؤكد هنا أنني أحاول الفهم من خلال المطابقة بين التوصيف والسلوك الذي ألاحظه يوميا في ممارسة الفاعل السياسي عموما، ولا أدعي أنني مُفتٍ أو فقيه، أو حتى قاضي يصدر الأحكام على الآخرين.

وكل سلوك سياسي وهم.. كما ترون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى