تحقيقات أسبوعية

ربورتاج | لهيب الأسعار “يفسد” فرحة الصائمين في رمضان

قفة رمضان بين الأمس واليوم

بحلول شهر رمضان المبارك لا حديث وسط المغاربة إلا عن غلاء قفة رمضان، وميزانية الشهر التي أصبحت تفوق القدرة المادية للأسر المغربية، بسبب الارتفاع المهول في أسعار اللحوم والخضر والفواكه والتمور نتيجة الاحتكار والمضاربين وتجار رمضان، الذين يعتبرون رمضان فرصتهم لتحقيق ومراكمة الأرباح بأشكال مضاعفة، في ظل ارتفاع الطلب على المواد الأساسية خلال هذا الشهر الفضيل.

الرباط – الأسبوع

    بالنسبة للمغاربة، فإن قفة رمضان اليومية تعتبر مسألة ضرورية لإعداد الفطور والعشاء أو السحور، أو الاكتفاء بوجبة فقط نظرا للظروف المادية الصعبة لمعظم الأسر التي أصبحت لا تقوى على تحمل تكلفة القفة بشكل يومي، ولا تستطيع مجاراة هذا الغلاء الفاحش في الكثير من المواد الغذائية الأساسية، التي تضاعفت أثمانها مقارنة بالخمس سنوات الماضية، مما يطرح التساؤل حول الأسباب الحقيقية وراء جحيم الغلاء الذي تعيشه الأسر المغربية من الطبقتين المتوسطة والفقيرة.

تتمة المقال تحت الإعلان

فبالرغم من كون شهر رمضان هو شهر الغفران والتضامن.. إلا أنه بات بالنسبة للتجار الكبار ولوبيات الاحتكار في أسواق الجملة وأصحاب المستودعات والتخزين والشركات، فرصة ذهبية للزيادة في أثمان المنتجات التي يوزعونها قصد مراكمة الأرباح من خلال تخفيض كميات البضائع في السوق قصد ارتفاع سعرها، أو إضافة زيادات مع بداية شهر رمضان لإرغام التجار والموزعين على قبول الأمر الواقع واقتنائها وفرضها على المستهلك المغربي.

تتمة المقال تحت الإعلان

في هذا الإطار، يقول رئيس الجامعة المغربية للدفاع عن حقوق المستهلك، بوعزة الخراطي، أنه من خلال تحريات الجمعيات، تبين أن مائدة الإفطار لأسرة مكونة من أربعة أشخاص يكون ثمنها ما بين 100 إلى 300 درهم، أي حوالي 3000 درهم في الشهر، تكلفة ميزانية رمضان بالنسبة لأسرة فقيرة بسيطة، وأكثر من ذلك بالنسبة للأسر الأخرى المتوسطة التي تصرف فوق 5 آلاف درهم، لكون التكلفة تكون باهظة جدا خلال رمضان نظرا لارتفاع الأسعار، مضيفا أنه بعد الرسالة الملكية حول إلغاء أضحية العيد، تم تسجيل انخفاض طفيف في اللحوم في انتظار نزول أسعاره خلال الأيام القادمة، لكن تبقى المعضلة المطروحة في الفرق بين الأسعار التي تباع بها الخضروات والفواكه في أسواق الجملة والأثمنة عند بائع التقسيط، إذ نجد أن الفرق يتراوح ما بين درهمين إلى 5 دراهم و6 دراهم في الكيلوغرام، وهذا هامش ربح كبير جدا إذا كان التاجر يقتني من سوق الجملة بدون وسطاء، الذين بدورهم يحصلون على نسبة مائوية من السلع والبضائع.

وقال الخراطي: “يجب على الحكومة أن تضع حلا لهذه الفوضى التي يعرفها السوق المغربي، بسبب غياب مؤسسة تعنى بالسوق الداخلي، ونطالب لكي تكون لدينا مؤسسة رسمية لحماية المستهلك في المغرب، على غرار عدة دول تتوفر على هذه المؤسسة في أمريكا وفرنسا وغيرها، وهناك وزارة خاصة بحماية المستهلك في إحدى الدول الأوروبية، لكن في المغرب هناك لوبيات ترفض إحداث هذه المؤسسة لأنها مستفيدة من الفوضى، لذلك نطالب بإشراك جمعية حماية المستهلك في مجلس المنافسة، وهذا هو الصواب، وتمكين المجلس من التحكم في السوق بكامله وليس فقط على مستوى المقاولات، لأنه يجب أن يراقب ويعلم ما يقع في السوق”، موضحا أن الغلاء مستمر منذ سنة 2022، وبحسب دراسة في الموضوع، فإن تهافت المستهلك على المواد يزيد بنسبة 2 إلى 6 في المائة من تكلفة المشتريات الأساسية، إذ نسجل بعد الأسبوع الأول من رمضان تراجع الإقبال على اقتناء مختلف المواد الغذائية، وبالتالي، تنخفض الأسعار، وفي فترات الذروة عندما يتوافد المواطنون على الأسواق وشراء البضائع بشكل كبير ترتفع الأثمنة، مما يفسح المجال أمام المضاربين لتحقيق المزيد من الأرباح، مشيرا إلى أن هناك مشكلة يعيشها المغاربة، تكمن في ظاهرة تبذير المواد الغذائية خلال شهر رمضان، حيث أن نسبة 25 في المائة من الطعام ترمى في النفايات، مما يدل على سوء التدبير خلال هذا الشهر الفضيل، ونحن نحاول في إطار الجامعة، من خلال الحملات التوعوية، تغيير هذه العقلية لكي نجعل من المستهلك المغربي شخصا واعيا يعلم ما له وما عليه.

تعرف العديد من الأسواق خلال شهر رمضان موجة كبيرة من إقبال المواطنين على اقتناء القفة بسعر مناسب، لكن الكثيرين يصطدمون بالغلاء الفاحش في أسواق القرب والأسواق المركزية، وحتى الأسبوعية، مما يضع الأسر أمام صعوبة كبيرة لمقاومة هذا الغلاء والحفاظ على ميزانيتها بسبب المصاريف اليومية الكثيرة التي يتطلبها شهر رمضان، في حين تعجز غالبية الأسر الفقيرة عن مواجهة الغلاء الكبير وتوفير الحاجيات الأساسية لإعداد الإفطار أو العشاء، خاصة في ظل ارتفاع سعر الدجاج الذي يتراوح ما بين 17 إلى 19 درهما للكيلوغرام، واستمرار غلاء اللحوم الحمراء ما بين 90 إلى 110 دراهم، وغلاء الأسماك ما بين 80 درهما إلى 200 درهم وأكثر..

كما أن أسعار الخضر في أسواق القرب مرتفعة جدا مع بداية الشهر الفضيل، حيث تزيد من ثقل قفة رمضان على كاهل الأسر المتوسطة والفقيرة، خاصة خلال الأسبوع الأول، فالأسعار في متناول ذوي الدخل المرتفع والأجور الكبيرة، لكن بالنسبة للأسر المكونة من 5 إلى 7 أشخاص، فالأثمنة تفوق القدرة الشرائية للجميع، مما يؤكد وجود لوبيات تستغل المجال والثغرة للتلاعب بالأسعار من أجل تحقيق الأرباح، مستغلين حاجة الناس لأنواع الخضر باعتبارها ضرورية في إعداد الوجبات الأساسية بعد وجبة الإفطار، سواء العشاء أو السحور، (ماطيشة 12 درهما، جلبانة 12 درهم، الخرشف 8 دراهم، الفلفل 10 دراهم، الدنجال 8 دراهم، القوق 8 دراهم، البصل 6 دراهم، البطاطس 5 دراهم ، خيزو 6 دراهم، الباربة 5 دراهم، الخيار 8 دراهم، الكرعة 8 دراهم)، هذه الأسعار تختلف عن أسعار الخضر في السنوات الماضية قبل جائحة “كورونا”، حيث كانت تتراوح أثمنتها ما بين 2 إلى 4 دراهم، وكانت في متناول جميع الأسر.

اليوم في ظل هذا الغلاء وسيطرة الوسطاء على أسواق الجملة وتخزين الخضر في المستودعات بهدف رفع أسعارها، أصبحت الأسرة المغربية تعجز عن توفير قفة رمضان بـ 50 درهما، حيث أن ميزانية قفة عادية تتطلب “دجاجة تكلف 40 درهما، نصف كيلو لحم 50 درهما، وكيلو ونصف بطاطس 7 دراهم، كيلو طماطم 13 درهما، كيلو جزر 6 دراهم، كيلو ونصف بصل 5 دراهم، ثم التوابل”، مما يجعل عملية شراء القفة بشكل يومي مهمة صعبة للغاية بالنسبة لغالبية الأسر.

في هذا الإطار، يؤكد الخبير الاقتصادي محمد جدري، أن شهر رمضان هو مناسبة دينية، لكنه يبقى مناسبة استهلاكية بامتياز، حيث تتضاعف ميزانية التغذية خلال هذا الشهر، وبالتالي، فإن مجموعة من الأسر عليها أن تضع في الحسبان هذه المسألة لكي لا تسقط في ضائقة مالية خلال هذا الشهر الفضيل، خصوصا وأن نسبة كبيرة من الأسر لديها فرد أو فردين يعيشان البطالة، وقال: “لدينا غلاء في مجموعة من المواد الاستهلاكية مثل الخضر والفواكه، اللحوم الحمراء والبيضاء، والبيض، وبالتالي، فارتفاع الطلب مع العرض المحدود في الأسواق  في رمضان الذي يعد مناسبة استهلاكية، مع الغلاء الموجود، يجعل قفة رمضان مستعصية على مجموعة من الأسر، خصوصا ذوي الدخل المحدود والطبقة المتوسطة، لهذا، فالمطلوب من الأسر أن تعيد النظر في النمط الاستهلاكي لديها”، وشدد على أن الحكومة مطالبة بتفعيل لجان المراقبة، لتتبع جودة السلع ويكون إشهار الأسعار، وتعمل على تحسين المنظومة التسويقية التي تتضمن مجموعة من الوسطاء والمضاربين والمحتكرين، الذين يغتنون من أزمات المغاربة، وبالتالي، من المتوقع أن قفة رمضان تكون مرتفعة عن السنوات السابقة، مما يستوجب من الحكومة التي لديها هامش من المناورة، أن تقوم على الأقل عبر اللجن المحلية للمراقبة، بالنزول لأرض الميدان بشكل يومي وليس بشكل مناسباتي.

تظل قفة رمضان عادة مهمة لدى الأسر المغربية خلال هذا الشهر، لكن في الظروف الاجتماعية والاقتصادية الحالية، فإنها تدفع الكثير من الأسر لتقليل المشتريات والتنازل عن الكثير من الأشياء التي كانت إلى وقت قريب في متناولها، حيث امتنعت عدة أسر عن إعداد “السفوف والشباكية والبريوات” بسبب غلاء المواد المستعملة، بينما تفضل العديد من الأسر ترشيد النفقات خلال شهر رمضان والاقتصار فقط على شراء قفة واحدة كل يومين أو ثلاثة أيام، بينما تقوم أسر أخرى باقتناء قفة بسيطة أقل من 50 درهما لإعداد وجبة الفطور وتوفير ما تبقى منه للسحور، مما يبرز الفقر المدقع الذي وصلت إليه الكثير من الأسر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى