تحليل إخباري | عودة ترامب تعجل باختفاء مبعوث الأمم المتحدة في الصحراء
أعضاء مجلس الأمن يعترفون بمغربية الصحراء.. فماذا بقي ؟

تحركت عدة جهات مؤخرا لتكذب تصريحا منسوبا لوزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، وهي التصريحات التي تحذر من تجاوز الحدود في الصحراء(..)، غير أن ذلك لا يعني فتح باب التطاول على السيادة المغربية، وهي النقطة التي يحرص على التذكير بها القائد الأعلى للجيش ورئيس أركان الحرب العامة، الملك محمد السادس، ومعه الشعب كله(..)، فالصحراء بالنسبة للمغاربة قضية وجود وليست قضية حدود(..).
إعداد: سعيد الريحاني
في سنة 2020، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه وقع قرارا يعترف بالسيادة المغربية على الصحراء، وليس هذا فحسب، بل إنه ترك في البيت الأبيض وثيقة، لازالت موجودة إلى اليوم، تقول: ((لقد وقعت اليوم إعلانا يعترف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية))، وأضاف ترامب وقتها، أن ((اقتراح المغرب الجاد والواقعي للحكم الذاتي هو الأساس الوحيد لحل عادل ودائم لتحقيق السلام الدائم والازدهار !))، وفي الحيثيات قال الرئيس الأمريكي: ((لقد اعترف المغرب بالولايات المتحدة عام 1777.. ومن ثم فمن المناسب أن نعترف بسيادتهم على الصحراء الغربية)).. وكما لو أنه يقضي على كل الآمال الوهمية، قال ترامب بصراحته إن إقامة دولة مستقلة في الصحراء الغربية “ليس خيارا واقعيا لحل الصراع”، وحث أطراف الصراع على الدخول في مناقشات “دون إبطاء على أساس خطة المغرب للحكم الذاتي كإطار للتفاوض”.
ترامب قال بمغربية الصحراء بالتزامن مع نهاية عهدته الأولى في البيت الأبيض، واستمرت الوثائق في مكانها، طيلة فترة الرئيس جو بايدن، الذي لم يضف أي ورقة للملف وكأنه كان بصدد انتظار عودة ترامب ليكمل ما بدأه من إجراءات وأهمها فتح قنصلية أمريكية في الصحراء(..).
لم يقل الرئيس الأمريكي أي كلمة في الملف إلى حدود اليوم، بعد مرور فترة قصيرة على إعادة تنصيبه رسميا كرئيس من جديد للولايات المتحدة الأمريكية، وقد يكون انشغاله بالحرب في أوكرانيا والصراع في غزة أحد أسباب عدم تحريك هذا الملف(..)، لكن المثير للانتباه هو اختفاء المبعوث الأممي في الصحراء، ستيفان دي ميستورا، الذي ينتظر منه تقديم تقرير جديد حول الأوضاع في الصحراء لمجلس الأمن، قبل شهر أبريل المقبل، وهو ما جعل الصحافة الوطنية تنتبه لهذا الغياب، وتكتب: ((قبل شهر على إحاطته نصف السنوية المرتقبة في أبريل القادم أمام مجلس الأمن، تمر مهلة ستة أشهر التي وضعها المبعوث الأممي إلى الصحراء، ستيفان دي ميستورا، لإيجاد حل للنزاع أو الاستقالة، بسرعة، ودون جديد على مستوى المفاوضات.. ومازال الملف يراوح مكانه، والأطراف الأربعة في النزاع لم تشهد زيارات لدي ميستورا خلال هذه الفترة من حوالي خمسة أشهر مرت منذ إحاطة الدبلوماسي الإيطالي التي دعا فيها الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى إعادة النظر في دوره كمبعوث إذا لم يتم تحقيق تقدم في الملف خلال ستة أشهر)) (المصدر: موقع هسبريس).

حسب لسان دي مستورا نفسه، فمهمته باءت بالفشل عمليا، فمن لم يفعل شيئا في 5 أشهر لا يمكنه أن يفعل أي شيء خلال الشهر المتبقي(..)، لا سيما وأن المبعوث الأممي كان قد ارتكب خطأ فادحا باقتراحه في الكواليس، لمشروع تقسيم الصحراء، ومنح جزء منها للبوليساريو، قبل أن يؤكد هو نفسه في الوثائق المسربة بأن اقتراحه مرفوض.
وكانت “الأسبوع” قد نبهت في وقت سابق إلى ((مؤشرات انحراف مهمة المبعوث الأممي بعدما اختار وهو في سن التقاعد، أن يلعب لعبته الأخيرة بالتزامن مع نهاية مشواره الدبلوماسي، ضد المغرب، بعد أن اختار الذهاب على قدميه إلى جنوب إفريقيا لمناقشة قضية الصحراء، ومعلوم أن جنوب إفريقيا، التي لا علاقة لها بقضية الصحراء، هي التي اختارت على امتداد سنوات معاداة المغاربة وقضاياهم في كل المحافل الدولية، بل إنها تكاد تكون عراب كل أعداء المملكة(..)، وبينما يمكن لجنوب إفريقيا أن تتبنى ما شاءت من المواقف طالما أنها تنتمي بكل وضوح لمحور الدول المعادية، وطالما أنها دولة لا قيمة لها في القضية، لكن أن يختار المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، التشاور معها في قضية لا تعنيها، فهذا يعني أننا أمام انحراف خطير لصاحب مهمة الوساطة الأممية)( (المصدر: الأسبوع / فبراير 2024).
وطبعا ارتكب دي ميستورا خطأ لا يغتفر بعد إحيائه لمقترح تقسيم الصحراء، ما عجل بإنهاء مهمته، التي يحاول إنهاءها مختفيا عن الأنظار، وقد تعقدت القضية أكثر في يده مع إعادة انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لولاية جديدة، واعتراف فرنسا أيضا بمغربية الصحراء، ما يعني أن مجلس الأمن الذي ينتظر تقريره، قد تجاوزه عمليا إلى مرحلة أخرى لم ينتبه لها المبعوث الأممي، وتجاهلها عن قصد، وهي مرحلة اعتراف أعضاء مجلس الأمن بمغربية الصحراء.

وكان مجلس الأمن قد أظهر مؤشرات تغيير سياسته في قضية الصحراء، بتمديده لمهام بعثة “المينورسو” كما هي دون تغيير، ما يعني فسح المجال للأمم المتحدة لمواصلة مهامها الأصلية(..) أخذا بعين الاعتبار مقترح الحكم الذاتي، فقرار مجلس الأمن أصبح اليوم لا يكرس فقط الحكم الذاتي باعتباره حلا واقعيا، بل رسخ أيضا مبادئ جديدة (لخصها الباحث المتخصص نوفل البعمري) وهي كالتالي:
1) اعتراف مجلس الأمن بإقليمية النزاع، بمعنى أنه لم يكن يوما، وهو ما ظل المغرب يؤكده، صراعا بين المغرب كدولة وتنظيم “سياسي” اسمه البوليساريو، أي أنه لم يكن ثنائيا، بل كان ذا طبيعة إقليمية ونتاجا لوضع إقليمي مرتبط بمرحلة الحرب الباردة وما قبلها وقبل انهيار جدار برلين ورغبة جزائر بومدين في الهيمنة على المنطقة بإضعاف الجيران؛
2) اعتراف مجلس الأمن بالدور الجزائري كنظام في هذا النزاع، وبأنه جزء من أي عملية سياسية مستقبلية، وطرف أساسي ورئيسي في الأزمة كما في صناعة الحل.. لقد بات واضحا للعالم أن تنظيم البوليساريو لم يكن يوما مستقلا في تحركاته ومواقفه، ولم يكن هو من خاض مع المغرب الحرب في الثمانينات، كما أنه لم يكن معنيا بالسلام وإنهاء النزاع، فقد كان – وما زال – واحدة من أوراق الصراع السياسي الجزائري الداخلي، والحجرة التي وضعها بومدين في حذاء المغرب لمحاولة عرقلة نموه وتطوره، وهو ما دفع الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى الإقرار بالدور الجزائري كنظام في النزاع؛
3) تكريس مجلس الأمن لمبدأ وخيار الطاولة المستديرة لأي مباحثات ولقاءات للحل السياسي ولسبل التوصل إليه، وفي عرف الطاولات المستديرة حيث تجلس باقي الأطراف، يعني ذلك أنها معنية وجزء من هذه المباحثات وهذه اللقاءات التي يجب أن تتقدم مناقشاتها لتخرج من خيار تكريس الأزمة والوضع الجامد إلى وضع آخر متحرك، حيث تنظم هذه الطاولات المستديرة بجداول أعمال واضحة، تتقدم مع تقدم اللقاءات، وقد كان ذلك واحدا من مطالب المغرب أثناء التحضير لـ”جنيف 3″ المؤجلة بفعل استقالة هورست كوهلر؛
4) قرار مجلس الأمن بتمديده لبعثة “المينورسو” أعادها إلى وضعها الطبيعي كبعثة تهدف إلى الحفاظ على السلم في المنطقة ومراقبة وقف إطلاق النار، حيث أن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء، وكذا القرار الحالي، لم يربطا تواجد البعثة بأي ولاية سياسية، بل كرسا معا، خاصة قرار مجلس الأمن الحالي، وضعيتها الأمنية الحالية لتجاوز مختلف التوترات التي قد تؤدي إلى إفشال العملية السياسية والمغامرة بالمنطقة وجرها نحو المجهول بفعل محتمل طائش للبوليساريو، وهو ما يعني تكريسا لوضعيتها الحالية كحارسة للمنطقة وكراعية للسلام.
يمكن مجازيا، ومنذ الآن، أن يصلي المغاربة صلاة الغائب على المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، بعدما أوحى له خياله بـ((اقتراح غريب يتنازل فيه المغرب عن مدينة الداخلة، بينما الشعب واحد والأرض واحدة، والداخلة مدينة مغربية ولها منتخبوها المغاربة وتمثيليتها في المؤسسات الوطنية، ولو بحث دي مستورا قليلا، لوجد أن طبخته، التي تتظاهر البوليساريو برفضها، سبق أن قدمت من طرف المبعوث الأمريكي جيمس بيكر، ووافقت عليها البوليساريو بإيعاز من الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة، لولا أن وزير الخارجية وقتها الراحل محمد بنعيسى، قال في تصريحات إعلامية، أن المغرب يرفض رفضا مطلقا أي توجه يستهدف “تقسيم الصحراء الغربية”، وأن موضوع التقسيم غير قابل للمناقشة مهما كانت الظروف.. واعتبر الراحل بنعيسى أن هذا التوجه “مخطط خطير وسابقة خطيرة” ستتوسع بمقتضاها النزاعات على طول الشمال الإفريقي من البحر الأحمر إلى المحيط الأطلسي، وقال إن “الاتفاق الإطار” يبقى هو الحل الواقعي لإيجاد تسوية سياسية للقضية)) (المصدر: الأسبوع/ نونبر 2024).
إن فشل المبعوثين الأمميين في قضية الصحراء يطرح أكثر من سؤال، وطالما أنهم لا يأخذون المستجدات بعين الاعتبار.. لماذا يتجاهل المبعوثون الأمميون اعتراف أمريكا بمغربية الصحراء.. أليس هذا رأي أكبر دولة مؤثرة؟ ولماذا لم يأخذ بعين الاعتبار الموقف الإسباني الداعم لمقترح الحكم الذاتي طالما أن إسبانيا كانت مستعمرة للصحراء؟ ولم لم يتم الأخذ بالموقف الأخير للجمهورية الفرنسية، وهي دولة عريقة وأيضا عضو في مجلس الأمن، وتعرف خبايا الملف؟ ألا يكفي اعتراف دولتين في مجلس الأمن بمغربية الصحراء وعدد كبير من الدول الأخرى ليثير فضول المبعوث الأممي؟ ماذا يريد دي مستورا أكثر من خطاب اعتراف الرئيس الفرنسي بمغربية الصحراء، وقوله داخل البرلمان المغربي بأن الحل يجب أن يكون تحت السيادة المغربية(..)؟ ماذا ينتظر المبعوثون الأمميون مثلا ليتحركوا وأخذ المعطيات الدبلوماسية بعين الاعتبار، ألا يعني ذلك فشلا لأجهزة الأمم المتحدة نفسها(..) ؟



