تحقيقات أسبوعية

متابعات | كيف أدت سياسة أخنوش في القطاع الفلاحي إلى تدمير القطيع الوطني ؟

مختصون يفضحون "المخططات الخفية"

يطرح تراجع القطيع الوطني من المواشي والأبقار العديد من التساؤلات لدى المختصين والمتتبعين، حول الأسباب الحقيقية التي كانت وراء هذه الكارثة الحيوانية، خصوصا بعد صرف أكثر من 5 ملايير دولار على مخططات وزارة الفلاحة منذ عشرين سنة دون أن تكون لهذه البرامج الخضراء والحمراء أي نتائج ملموسة على الاكتفاء الذاتي للمغاربة من اللحوم الحمراء والأسماك والخضر وغيرها على أرض الواقع.

اليوم يعيش المغرب أزمة حقيقية باعتراف وزير الفلاحة أحمد البواري، عن وجود تراجع لنسبة القطيع الوطني بنسبة 38 في المائة، فهل كان الجفاف وحده سبب هذا التراجع، أم أن هناك أياد خفية وتلاعبات حصلت في عدم التصريح بالأرقام الحقيقية للقطيع الوطني ؟

إعداد: خالد الغازي

تتمة المقال تحت الإعلان

    يبقى موضوع القطيع الوطني يؤكد فشل “المخطط الأخضر” و”الجيل الأخضر” اللذين أشرف عليهما عزيز أخنوش منذ عهد حكومة عباس الفاسي إلى عهد سعد الدين العثماني، حيث ركز فقط على الفلاحة التصديرية وتخصيص دعم سخي للملاكين الكبار للأراضي الزراعية الشاسعة، عن مختلف الزراعات السقوية التي تستهلك كميات كبيرة من المياه، وإهمال دعم سلالات القطيع الوطني، سواء في المواشي أو الأبقار، لتكوين الخلف والرفع من عدد الرؤوس على الصعيد الوطني، مما يؤكد أن وزارة الفلاحة تتحمل المسؤولية بالدرجة الأولى عن أزمة القطيع، إلى جانب الجمعية الوطنية لتربية الأغنام، وجمعية إنتاج اللحوم الحمراء والكسابة الكبار.

تتمة المقال تحت الإعلان
إدريس عدة

في هذا السياق، اعتبر إدريس عدة، الكاتب العام للجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي، أن هناك عنصرين أساسيين مسببين للأزمة التي يعرفها القطيع الوطني من المواشي، الأول طبيعي وهيكلي، يتمثل في 7 سنوات من الجفاف، الذي لم يكن مفاجئا، خاصة بعد ظهور بوادر الجفاف منذ سنة 2005، ثم المعطيات التي حملتها الوثيقة الرسمية في تقرير الخمسينية، والتي أكدت أننا سندخل في حالة من الإجهاد المائي، قبل ظهور مخطط “المغرب الأخضر” الذي ازداد بسببه الطلب على الماء بنسبة 40 في المائة، وبالتالي دخلنا في أزمة ندرة المياه، مضيفا أن السياسات العمومية في مجال الفلاحة لم تأخذ بين الاعتبار هذه العوامل، والمعطيات الطبيعية معروفة، وكان يجب أن تتأقلم هذه السياسات مع الظروف، خاصة وأنه في مرحلة ما اتخذت عدة إجراءات كانت الغاية منها الوصول للاكتفاء الذاتي من اللحوم الحمراء، ولكنها تبخرت بشكل مفاجئ.

وأكد نفس المتحدث أن “غلاء الأعلاف تسبب في ضرر كبير للفلاحين الصغار، الذين لم يستطيعوا تحمل تكاليف المعيشة وشراء الأعلاف للمواشي، مما يؤدي إلى دفع القطيع مباشرة نحو المجازر، لأن الفلاح من الصعب أن يتحمل كلفة توفير الأمن الغذائي للشعب المغربي في ظل العجز والفقر الذي يعاني منه، إلى جانب سياسة الدعم المتعلق بتوزيع الأعلاف التي لم تكن صحيحة، والدليل هو الوضعية التي وصلنا إليها، بحيث تخلى الفلاحون الصغار عن حظيرة الأغنام التي لم تعد موجودة داخل السكن وفي دورة الإنتاج الفلاحي في البوادي والقرى”، موضحا أن تراجع القطيع بـ 38 في المائة هو رقم مخيف ويمكن أن يكون أكبر من هذه النسبة لعدة اعتبارات، لا سيما وأن الرقم المصرح به في السنة الماضية هو أزيد من 8 ملايين رأس، لكن ليلة العيد كانت الأسعار مرتفعة جدا رغم الملايير التي صرفت في الدعم، وبالتالي، هناك مشكل سياسة عمومية في القطاع الفلاحي، والتي لم تكن كارثية على القطيع فقط، بل على العديد من المواد التي لم نعد نحقق فيها الحد الأدنى من الاكتفاء الذاتي رغم صرف أكثر  من 140 مليار درهم تم هدرها منذ سنة 2008 إلى يومنا هذا على الملاكين الكبار.

حسن مستظرف

من جانبه، يرى الكاتب العام للجامعة المغربية للفلاحة، حسن مستظرف، أن التراجع الكبير للقطيع (الأغنام والأبقار) استمر تسع سنوات، بحيث أن عدد الرؤوس محدد في 12 مليون رأس بعدما كان في الماضي عشرين مليون رأس،  والأسباب مرتبطة بالجفاف المتكرر الذي كان له تأثير كبير على المراعي التي يعتمد عليها الكسابة في توفير العلف، وبسبب تراجع التساقطات المطرية تتراجع المراعي، لأنه في المغرب لدينا 87 في المائة من المساحة تعتمد على الأمطار، والمشكل الثاني هو ارتفاع أسعار الأعلاف المركبة والذرة المستوردة، والتي تثقل كاهل الكسابة، فبسبب هذا الغلاء يلجأ الفلاح إلى الذبح المفرط للنعاج، مما يؤدي إلى نقص عدد رؤوس الأغنام، وحتى الدعم لم يكن كبيرا بالنسبة للقطيع.

وقال المتحدث ذاته، أن الأزمة الحالية في القطيع الوطني، لم يتم التخطيط لها بشكل مسبق، حيث كان من المفروض أن يكون المغرب قد وضع مخططات في الحسبان حول استمرار الجفاف لسنوات، والمضاربة على الأعلاف وقلة المراعي الطبيعية، لهذا لابد من وضع مخطط استراتيجي لمواجهة الجفاف، وهذا المخطط يجب أن يكون على المدى البعيد ويشمل تدبير المياه أيضا، مضيفا أنه آن الأوان للاهتمام ببناء السدود التلية وإعادة الاهتمام بالمراعي التي تم إهمالها ووصلت لتدهور كبير جدا بسبب عدم الإعداد لها، والتشخيص الميداني لوضعيتها، موضحا أن الدعم  فيه اختلالات كبيرة جدا ميدانيا، بحيث هناك من يستفيد عدة مرات، وكبار الفلاحين يستفيدون بشكل أكثر، بينما الفلاحين الصغار والمتوسطين لم يستطيعوا مواجهة هذه الاختلالات والمضاربات، والنتيجة أن هذه الفئة تتجه للذبح للتخلص من المواشي ومصاريفها، حتى الاستيراد هو مجرد ردة فعل وليس حلا استراتيجيا، ناهيك عن سوء الإدارة لبرامج استيراد الماشية  وما يشوبها من اختلالات كثيرة.

عبد الحق البودشيشي

بدوره، كشف عبد الحق البودشيشي، رئيس الجمعية الوطنية لتقنيي تربية المواشي، أننا أمام سياسة ضعيفة افتقدت لرؤية بعيدة لهذا القطاع، زد على ذلك مشكل الاستمرار في ذبح “النعجة” و”الخروفة”، وتراجع قطيع الأبقار والأغنام، والاهتمام باستيراد العجول في “المخطط الأخضر”، في ظل غياب قراءة مستقبلية لمعرفة إلى أين نسير، بحيث فشلنا في التلقيح الاصطناعي بعد توعية مربي المواشي بالأثار الإيجابية للتلقيح، لكن لم يتم بناء قطيع الأبقار والحفاظ عليه لدرجة أن البقر “البلدي” و”الكروازي” لم يعد له وجود، لأن الكساب يلقح السلالة بالعجل الأوروبي المستورد، الذي يكون مصيره المجازر، وبالتالي، فالقطيع المغربي في تدهور، موضحا أن الدولة وضعت تدابير لأجل تخفيض اللحوم للمستهلك ولم تراع ظروف الكساب المحلي، بعدما قامت بمنح دعم 500 درهم لكل رأس ورفعت الرسوم الجمركية على استيراد العجول منذ سنوات، لكن رغم ذلك، لم تكن النتائج إيجابية، لذلك حان الوقت لإعادة تشخيص هذه الحلول التي وضعتها الوزارة الوصية لتدبير الأزمات، لكنها ليست حلولا لتدبير القطيع، ومنه لا يمكن تحقيق هذا الأمر بالحلول التي كانت سببا في تراجع المخزون الاستراتيجي للقطيع الوطني.

وحسب البودشيشي، فإن السؤال المطروح قبل إعادة بناء القطيع هو لماذا لجأ الكسابة والفلاحون لبيع النعاج والأبقار التي كانت لديهم؟ وإذا لم يجدوا الجواب، فحتى لو تم دعم الكسابة، فإنهم سيقومون ببيع القطيع، إذ لا يمكن أن يكسب الفلاح المواشي ويحافظ على القطيع في ظل استمرار الجفاف وشح المراعي وغلاء الأعلاف ونطلب منه رعاية رؤوس الأغنام وتحمل توفير العلف وهو يعيش ظروفا اجتماعية صعبة لتوفير المعيشة اليومية والمصاريف المنزلية، فهذه الأمور تتطلب مراعاة ظروفه الخاصة”، مضيفا: الله يرحم الحسن الثاني الذي قال: “المواطن يفكر في الوطن والسياسي يفكر في الانتخابات”.

وأوضح نفس المتحدث، أن الحكومة تخطط لحل الأزمات لكي توفر اللحم للمستهلك، ولكنه حل ظرفي ولا توجد الحلول على المدى الطويل، مادام أن كل حكومة تفكر فقط في المدة التي ستقضيها لكي تخرج مرتاحة، ولكن القطيع الوطني لن يبنى بهذه السياسة الحكومية المعتمدة على حلول ظرفية وترقيعية، والقطيع الوطني لا يتضرر في عام أو عامين، بل على مدى سنوات، مشيرا إلى أننا نفكر في قطاع اللحوم الحمراء وننسى قطاع الحليب وتعزيز سلالة الأبقار، بحيث أصبحنا حاليا نستورد الأبقار والحليب المجفف، لهذا لابد من إحصاء وطني دقيق لمعرفة عدد الأبقار والأغنام والماعز والخرفان والإبل، حتى تكون لدينا معطيات مضبوطة، داعيا إلى تنظيم مناظرة وطنية حول هذا القطاع لمناقشة المراعي والزراعات خاصة الذرة والصوجا، والأعلاف، لتحقيق الاكتفاء الذاتي عوض الاستمرار في الاعتماد على الأعلاف المستوردة من الخارج.

ويطرح تناقص القطيع الوطني في تربية الأغنام والأبقار العديد من التساؤلات وعلامات الاستفهام، حول الجدوى من سياسة الدعم الممنوحة من قبل الحكومة والوزارة منذ سنوات لكبار الفلاحين، وتشجيع الكسابة الكبار والتعاونيات عبر تخصيص الدعم المالي على استيراد العجول والأبقار من الخارج، وإهمال السلالات المغربية الأصيلة، سواء في العجول أو في الأغنام، مما يؤكد فشل هذه السياسات الفلاحية في توفير الاكتفاء المحلي وحماية القطيع الوطني الذي أصبح مهددا بالانقراض في حالة استمرار نفس السياسة الفاشلة التي وضعها أخنوش خلال السنوات القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى