مع الحدث | “الدورتان”.. نموذج “الديمقراطية الصينية” بقيادة شي جين بينغ ورسائله نحو الداخل والخارج
"الأسبوع" تواكب أكبر حدث سياسي في بكين بالتزامن مع رمضان
على مدى أيام متتالية، وانطلاقا من بداية الأسبوع الجاري، تشهد بيجين (بكين) عاصمة جمهورية الصين الشعبية، أهم حدث سياسي في البلاد، ويسمى هذا الحدث، الذي يتمثل في افتتاح أشغال الدورة السنوية لكل من المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، وهو أعلى هيئة تشريعية في الصين، والمجلس الوطني للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، وهو أعلى هيئة استشارية سياسية في البلاد، اختصارا بـ”الدورتان”، وهي التسمية التي يجري تداولها في مختلف أنحاء العالم كتعبير عن الحدث المشار إليه، في وسائل الإعلام.

تكتسي “الدورتان” أهمية كبرى هذه السنة (سنة 2025)، بحضور لافت لقائد البلاد والحزب الشيوعي الصيني، الرئيس شي جين بينغ (نواة الدولة والحزب)، وينتظر أن تقدم البلاد أجوبة للمواطنين داخليا، وأجوبة لملايين المتتبعين عبر العالم، حيث يشد “النموذج الديمقراطي الصيني” الأنظار إليه باعتباره وصفة مختلفة عن أسلوب “الانتخابات الغربية”، وتبدو مظاهر الاختلاف بارزة منذ الوهلة الأولى من حيث عدد ممثلي الشعب، الذي يتوزع بين المؤسستين، حيث حضر افتتاح المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، يوم الثلاثاء المنصرم، ما يناهز 3 آلاف مستشار، وبعده في اليوم الموالي حضر نفس العدد تقريبا من النواب، دون أن يشكل هذا الحضور أي عائق في التنظيم، سواء داخل قاعة الشعب الكبرى، التي توجد في ساحة “تيان آن من” الإمبراطورية، أو خارجها، حيث اصطفت آلات مركبات النقل والسيارات والحافلات دون مشكل(..)
ساحة “تيان آن من” ويتوسطها ضريح ماوتسي تونغ(..)، هي أكبر ساحة من حيث المساحة في العالم، وهي التي تشهد أكبر الاستعراضات العسكرية، حيث توجد قاعة الشعب الكبرى، التي تعد من حجم الدنيا بسبب تاريخها العريق، وتفوق قدرتها الاستيعابية كافة التوقعات، وتكفي هنا الإشارة إلى أن عدد الصحفيين الذين دخلوا القاعة يتجاوز ما يناهز 3000 صحفي، ناهيك عن المنظمين ورجال الشرطة والجيش، فضلا عن المكلفين بإجراءات السلامة، الذين كانوا محيطين بالقاعة، حيث تظهر الصين مزودة بأحدث تقنيات الكشف والرصد، من خلال العتاد العصري الواضح للعيان، سواء عند جهاز الشرطة أو الجيش، ومع ذلك، يمكن القول إن الصينيين اكتسبوا قوة تنظيمية لا تضاهى في العالم بأسره، وتكفي هنا الإشارة إلى أن “ميترو” بكين تجاوز عتبة مليار راكب في نفس اليوم (بمناسبة العيد الوطني) دون أن أدنى مشكل في التنظيم ودون حصول أي تأخير في مواعيده المحددة بدقة(..).
داخل قاعة الشعب الكبرى، حيث تسجل النجمة الحمراء حضورا لافتا في الوسط، تم التوقيع على افتتاح ضخم خلال يوم الثلاثاء المنصرم للمجلس الوطني للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، وهو الهيئة السياسية التي يسمع فيها بوضوح صوت العامل والفلاح، وفيها يتم حل مشاكل القرب من المواطنين، بما في ذلك المشاكل التي تتعلق بالصحة النفسية لبعض الفئات.. بل إن هذه الهيئة تضم أحزابا مختلفة، ليست بالضرورة أحزابا تابعة للحزب الشيوعي الصيني، وتسمى في الصين الأحزاب الديمقراطية، وهي ثمانية، بما فيها أحزاب راديكالية(..)، ولكن الصينيين يختارون “الاختلاف في إطار الوحدة” بخلاف الديمقراطيات الغربية حيث تؤدي الأزمات السياسية إلى انقسامات حادة، تحد من فعالية المؤسسات، وتحد من فرص التنمية الاجتماعية والاقتصادية..
بخلاف ما تروج له الصحافة الغربية، والمنظومات الإعلامية التابعة، لا تذخر الصين جهدا في الانفتاح على وسائل الإعلام الدولية، بما فيها وسائل الإعلام ذات التغطيات العدائية(..)، ويمكن الوقوف على ذلك بجلاء من خلال جلسة حضرها مئات الصحفيين والمصورين من مختلف أنحاء العالم، ويتعلق الأمر بالمؤتمر الصحفي الذي عقده لو كينجيان، المتحدث باسم البرلمان الصيني، هذا الأخير قال، بخلاف الدول التي تعمل فيها بعض الأحزاب “المتآمرة” ضد رئيس الدولة: ((سوف تتبع الدورة إرشادات فكر شي جين بينغ حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد، وتنفذ بشكل كامل المبادئ التوجيهية للمؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني والجلستين الكاملتين الثانية والثالثة للجنة المركزية العشرين للحزب الشيوعي الصيني، وتدعم الوحدة بين قيادة الحزب وإدارة الشعب للبلاد والحكم القائم على القانون، وسوف نعزز الديمقراطية الشعبية الشاملة، وندعم ونحسن وننفذ نظام المؤتمرات الشعبية بشكل جيد، ونركز على الصورة الكبيرة لعمل الحزب والدولة، ونؤدي بإخلاص الواجبات المنصوص عليها في الدستور والقوانين.. سنعقد جلسة واحدة موجهة نحو العمل وملهمة ترفع الراية عاليا، وتدفع الشعب الصيني من جميع القوميات إلى الالتفاف بشكل أوثق حول اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني وفي قلبها الرفيق شي جين بينغ، وتعزيز الثقة، وحشد كل الحكمة والقوة والمضي قدما بالمبادرة)).

لغة الكلام في الصين واضحة جدا، وقد اتسمت كلمة رئيس مجلس الدولة الصيني، لي تشيانغ، الموجهة للدورة الثالثة للمجلس الوطني الرابع عشر لنواب الشعب (5 مارس 2025)، بوضوح كبير في الأهداف المسطرة، وقد كان يتحدث تحت أنظار الرئيس شي جين بينغ، الذي كان يكتفي بتأمل البرنامج، في انتظار عقد الاجتماع الكبير للحزب الشيوعي الصيني الذي سيناقش هذه الأهداف، ومعلوم أن الرئيس هو “نواة” الحزب والدولة، في الوقت الراهن..
يقول لي تشيانغ، وهو يمهد لجلسة النواب، من خلال التذكير بمنجزات السنة الماضية: ((لقد توطد وتواصل الوضع المستقر، ويتمثل ذلك رئيسيا في أن الحجم الاقتصادي توسع بخطوات متزنة، حيث بلغ الناتج المحلي الإجمالي 134.9 تريليون يوان، بزيادة نسبتها 5 في المائة، فأصبح معدل نموه في مقدمة الاقتصادات الرئيسية في العالم، وبقي معدل إسهامه في نمو الاقتصاد العالمي عند نحو 30 في المائة، وحافظ على وضع التوظيف ومستوى الأسعار على استقرار عام، حيث وفرت فرص عمل جديدة لصالح 12.56 مليون شخص في المدن والبلدات، وكان متوسط البطالة القائمة على أساس المسح في المدن والبلديات، 5.1 في المائة، وارتفع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 2 في المائة، وحافظ ميزان المدفوعات الدولية على توازن أساس، حيث سجلت التجارة الخارجية رقما قياسيا جديدا في التاريخ، وارتفعت حصة الصادرات في السوق الدولية على أساس الاستقرار وتجاوز احتياطي النقد الأجنبي، 3.2 ملايين دولار أمريكي، وترسخ ضمان معيشة الشعب بشكل ملموس، حيث ازداد معدل نصيب الفرد من الدخل القابل للإنفاق لدى المواطنين نسبة فعلية تقدر بـ 5.1 في المائة فعليا.. وشهد مستوى الصناعات تقدما جديدا، حيث قفز حجم الإنتاج من الحبوب الغذائية لأول مرة إلى مستوى جديد، أي 700 مليون طن، ونمت القيمة المضافة في قطاع التصنيع العالي للتكنولوجيا، وصناعة إنتاج المعدات بنسبة 7.7 و8.9 في المائة على التوالي، وتجاوز الإنتاج السنوي لمركبات الطاقة الجديدة 13 مليون وحدة..)).
وليس هذا فحسب ما يتم التعبير عنه من إنجازات صينية تؤكدها الأرقام العملاقة، خلال نفس الكلمة التي كانت تقدم بشكل صارم، بل أيضا أرقام تحسن المناخ البيئي (بخلاف الدعاية المعادية)، حيث وصلت نسبة جودة الهواء إلى 87.2 في المائة، وارتفعت قيمة المياه السطحية من حيث الجودة إلى أزيد من 90 في المائة.. وكل هذه الأرقام تحققت رغم الكوارث الطبيعية والفيضانات، والسياسات الاحترازية من الأوبئة(..).
بالنسبة لهواة الحديث عن الدعم الاجتماعي، يكفيهم قراءة الفقرة التالية من التقرير الحكومي حول إنجازات ملموسة لصالح الشعب، تحت عنوان: “جعل ضمان معيشة الشعب قوية وفعالة”.. ((ازداد معدل نصيب الفرد من الدخل القابل للإنفاق لدى السكان بنسبة 6.1 %، وتواصل تضييق الفجوة في دخل السكان بين الحضر والريف، ووُطدت ووُسعت نتائج التغلب على المشاكل المستعصية للقضاء على الفقر، وارتفع دخل سكان الأرياف في المناطق المتخلصة من الفقر بنسبة 8.4% ، وزيدت مبالغ المعونات المالية لدعم التعليم الإلزامي والتأمين الأساسي على الشيخوخة والخدمات الطبية الأساسية وغيرها، ووُسعت دائرة مستحقي الإعانات والضمان الاجتماعي، ورُفعت عتبة الخصم الإضافي الخاص بضريبة دخل الفرد على نفقات “رعاية المسنين، والأطفال دون 3 سنوات، وتعليم الأبناء”، لإفادة أكثر من 66 مليون ممول، وعُزز تجديد المجمعات السكنية القديمة في المدن والبلدات وعرض المساكن المدعومة حكوميا، واستفادت من ذلك حوالي 10 ملايين عائلة)).
وبالنسبة للرسائل السياسية نحو الداخل والخارج، تنفرد “الأسبوع” بنشر فقرات خاصة من تقرير الحكومة الصينية حول الدفاع الوطني، ومعاركها ضد المناوشات، والفاهم يفهم: ((في السنة المنصرمة، حققنا منجزات وأوجه تقدم جديدة من حيث بناء الدفاع الوطني والجيش، وأدى الجيش الشعبي الرسالة والمهمة الموكلة له بشكل جيد، وفي السنة الجديدة، ينبغي لنا تطبيق أفكار شي جين بينغ حول تقوية الجيش على نحو معمق، وتنفيذ المبادئ الاستراتيجية العسكرية في العصر الجديد، والتمسك بقيادة الحزب المطلقة للجيش الشعبي، وتطبيق نظام مسؤولية رئيس اللجنة العسكرية المركزية بشكل شامل وعميق، وكسب المعركة الحاسمة لتحقيق أهداف الكفاح عند حلول الذكرى المائوية لتأسيس الجيش، ويلزمنا تقوية التدريبات العسكرية والجاهزية القتالية بصورة شاملة، والتخطيط الشامل لدفع الاستعداد لخوض النضال العسكري، وإتقان تعزيز التدريبات العسكرية بالذخائر الحية، وصون سيادة الدولة وأمنها ومصالحها التنموية بحزم، ولا بد لنا من تشكيل نظام للإدارة العسكرية الحديثة، وإتقان تنفيذ “الخطة الخمسية الرابعة عشر” بشأن بناء الجيش، وتسريع بناء المشاريع الكبرى المتعلقة بتنمية الدفاع الوطني، ويتعين علينا توطيد المنظومة الاستراتيجية الوطنية المتكاملة ورفع قدرتها، وتحسين منظومة علوم وتكنولوجيا وصناعة الدفاع الوطني وتوزيعها الجغرافي، وتعزيز التوعية بالدفاع الوطني وتعبئته وإعداد القوى الاحتياطية له، ويجب على الحكومات من مختلف المستويات دعم بناء الدفاع الوطني والجيش بقوة، وتعميق عمل “دعم أمرين” (دعم الجيش والعناية بأسر العسكريين، ودعم الحكومة ومحبة الشعب – المحرر)، وتوطيد وتطوير التضامن بين الجيش والحكومة والآخر بين الجيش والشعب.
وينبغي لنا مواصلة التطبيق الشامل والمحكم لمبادئ “دولة واحدة ونظامان” و”أهالي هونغ كونغ يديرون هونغ كونغ” و”أهالي ماكاو يديرون ماكاو”، ودرجة عالية من الحكم الذاتي بثبات لا يتزعزع، والمثابرة على إدارة هونغ كونغ وماكاو وفقا للقانون، وتنفيذ مبدأي “الوطنيون يديرون شؤون هونغ كونغ” و”الوطنيون يديرون شؤون ماكاو”، وسندعم هونغ كونغ وماكاو في تطوير الاقتصاد وتحسين معيشة المواطنين، واستغلال تفوقاتهما وميزاتهما، للمشاركة بنشاط في بناء منطقة خليج قوانغدونغ – هونغ كونغ – ماكاو الكبرى، والاندماج على نحو أفضل في المنظومة العامة للتنمية الوطنية، والحفاظ على الازدهار والاستقرار طويلي الأمد في المنطقتين.
ويلزمنا التمسك بتطبيق المنهاج الشامل للحزب حول تسوية مسألة تايوان في العصر الجديد، والمثابرة على مبدأ “صين واحدة” و”توافق عام 1992″، والمعارضة الحازمة للتصرفات الانفصالية الرامية لـ”استقلال تايوان” والتدخلات الخارجية، وتعزيز التنمية السلمية للعلاقات بين جانبي مضيق تايوان، ودفع القضية العظيمة لإعادة توحيد الوطن الأم بثبات لا يتزعزع، وحماية المصالح الأساسية للأمة الصينية، ويتعين علينا تعميق التنمية الاندماجية بين جانبي المضيق، وتعزيز رفاهية المواطنين على جانبيه، والتشارك بقلب واحد في إنجاز القضية العظيمة لتحقيق نهضة الأمة.
ويجب علينا التمسك بسياستنا الخارجية السلمية المستقلة، والمثابرة على سلوك طريق التنمية السلمية، واتباع استراتيجية الانفتاح المتصف بالمنفعة المتبادلة والفوز المشترك بحزم، والدعوة إلى التعددية القطبية العالمية المتسمة بالمساواة والانتظام والعولمة الاقتصادية المتميزة بالمنفعة العامة والشمول، ودفع إقامة علاقات دولية جديدة الطراز، ومعارضة تصرفات الهيمنة والطغيان والتنمر، وحماية العدالة والإنصاف الدوليين، وتستعد الصين مع المجتمع الدولي، لتطبيق مبادرات التنمية العالمية والأمن العالمي والحضارة العالمية، وترقية القيم المشتركة للبشرية جمعاء، ودفع عجلة تغيير نظام الحوكمة العالمية وتعزيز بناء مجتمع مصير مشترك للبشرية)) (المصدر: تقرير الحكومة الصينية).



